يتوقف الزمن اجبارياً أحياناً عند مواقف بعينها ويكاد لا يتجاوزها لأنها بمثابة العلامة الفارقة لذاكرة الأيام, وجميعاً تستوقفه الذاكرة عند أحداث ومواقف ووجوه وأسرار وتفاصيل صغيرة وكبيرة, لكن بعض المواقف والأحداث تأخذ حصتها عن غيرها لما تتمتع به من مزايا وظروف وتلقائية وفن وسخرية أحياناً تجعلنا نجلجل ضاحكين . وفي عالم الاعلام والصحافة تتباين المواقف وتختلف الأحداث وترتسم الصور بشكل كاريكاتوري, خاصة وأن آلية العمل سريعة ومتواصلة, فلا يكاد الأخوة الزملاء يلتقطون أنفاسهم إلا ويجدون أنفسهم في دوامة العمل من جديد. وحتى لا أقف عند وجوه وأحداث بعينها ألتقط من جعبة هذا الميدان الكبير حكاية من هنا ومواقف من هناك, ألملمها وأحبر بها بياض هذه الاستراحة. لقد عودنا العمل اليومي المتواصل ألا نقف عند الأمور الصغيرة, فمن يركب لابد له أن يتحمل غباره المتطاير هنا وهناك, ولابد له أن يواصل دون أن يعير ذاك اللمم بالاً, ومن هناك تسقط الكثير من المواقف دون أن تسجل في ذاكرة الزمن لأن الوقت لا يسمح للتوقف الجبري.. لذا أستميحكم عذراً في أن أخالف القاعدة وأرصد بعضاً مما رأيت وقرأت وسمعت وعايشت, دون أن ألون وجه ذاك الموقف أو أعريه. الموقف الأول: لعبت الصدفة فيه دوراً كبيراً, بالاضافة الى اللمحات السريعة والمثيرة التي يتمتع بها زميل لنا طلق عالم الصحافة طلاقاً بائناً.. كان ذلك قبل أكثر من عشر سنوات حيث زار صالة التحرير بالمؤسسة في ذاك اليوم الذي أعنيه أحد القراء حاملاً رسالة الى صفحة مساحة للرأي فاستلمها زميلنا شاكراً القارىء العزيز, وبينما كان يضع الرسالة على مكتبه لمح اسم القارىء الذي ينتهي بالقط, فضحك طويلاً ونحن ننظر اليه باستغراب متسائلين عن سر تلك القهقهات الصادرة من فم هذا الزميل المثير في قفشاته. وبعد أن هدأ قليلاً قال في لقطة خاطفة: يبدو أن هذا القط أراد ان يلتهمني, في اشارة الى اسم القارىء والاسم الأخير لزميلنا الذي يعني نوعاً من أنواع السمك وأردف قائلاً بسخريته المعهودة: بيني وبينكم لقد وضعت قلبي في يدي من هذا القط, فأنا لست إلا (زبيدي) وانتم تعلمون عشق القطط للسمك! ثم نظر إلينا من جديد عندما وجد أن قهقهاتنا تزداد في الارتفاع وقال: هس, لماذا تضحكون, راجعوا الأسماء لتجدوا أننا جميعاً متساوون وان مكاننا هناك في حديقة الحيوان وليس هنا في عالم الصحافة.. وضحكنا من جديد وهو يتلو اسماءنا الواحد تلو الآخر, ويقف عند الأسم الثاني مكرراً إياه, سامح غزال, غزال, ظاعن شاهين, شاهين, أمينه ذيبان وليس ذئب واحد, عبد الواحد صقر, صقر, وائل الجشي, جشي. الموقف الثاني حدث لزميلنا المرحوم المصور عثمان عبدالودود, فقد طُلب منه ان يقوم بتصوير مجموعة من الهجن المتميزة في السباقات التي تقام في الدولة وذلك من قبل احدى الشخصيات الكبيرة المهتمة بهذا التراث, وفي الموعد المحدد كان زميلنا المرحوم يتنقل بكاميرته بين صفوف النوق راصدا لقطات لها, إلا ان فن الحرفة أوقفه فجأة فذهب إلى تلك الشخصية متسائلا, هل تريد ان أصورها بورتريه؟ أجاب صاحب الهجن: ماذا تعني بالبورتريه. قال زميلنا: أعني ان أصور وجوه النوق فقط, كل ناقة على حدة. وعلى الفور أجابه مبتسما: ومن قال لك انني أريد استخراج جوازات سفر لها! الموقف الثالث: طلبت الصحيفة من أحد المصورين وكان واحدا من كبارهم آنذاك إلا ان نظره بدأ يضعف, طلبت منه تصوير إحدى الشخصيات المهمة, وكانت تلك الشخصية ستحضر سباقا للهجن, وقد لبى صاحبنا الأمر, فخطف رجله وحمل كاميرته, وبدأ يصوب عدسته التي على ما يبدو قد شاخت وبدأ يرصد تحركات تلك الشخصية, وبعد ان انفض الحفل جاء كبير المصورين فرمى بفيلمه عند فني (الدارك روم) منتظرا النتيجة, إلا ان الرياح جرت بما لا تشتهي السفن, فقد رصد صاحبنا تحركات رجل آخر ولم يلتقط صورة واحدة لتلك الشخصية المكلف بتصويرها. * الموقف الرابع مما قرأت, فقد ذكر الاستاذ منذر الأسعد في كتابه طرائف الأخطاء الصحفية والمطبعية ان شخصا أراد بيع مزرعته فتوجه إلى قسم الاعلانات في الصحيفة وشرح للموظف ما يريد, وعلى الفور لمعت الفكرة في ذهن الموظف فصاغ مسودة الاعلان وقرأه على صاحب المزرعة, ومما جاء فيه (بسبب عدم التفرغ.. مزرعة معروضة للبيع, مساحتها عشرة آلاف كيلو متر مربع, يحيط بها سور عظيم, أرضها شديدة الخصوبة, فيها من الأشجار... والمساكن و...) , وقبل ان يكمل القراءة قال صاحب المزرعة.. مهلا, فقد تراجعت عن فكرة البيع. قال الموظف مذهولا: ما الذي غيّر رأيك بهذه السرعة؟ قال صاحب المزرعة: انني أبحث عن مزرعة بهذه المواصفات منذ زمن بعيد, وبعد ان كشفت لي ان هذه المواصفات متوفرة في مزرعتي, فهل يعقل أن أبيعها؟! ان مثل تلك المواقف وغيرها كثير ما يحدث في ميدان الإعلام الذي يعتمد التماس اليومي مع الناس والأحداث, والسرعة في الانجاز وعدم اتساع الوقت, وضغوط العمل وكثرته.. عموما ستكون لنا وقفات أخرى في استراحات مقبلة لرصد الكثير من المواقف الطريفة والمسلية في عالم الصحافة المتواصل بالعطاء والعمل.