ربما كان جيلنا هو الجيل الأسوأ حظا اذا كان الامر يقاس بحجم الاحباطات التي تلقاها... وما زال يتلقاها حتى الآن. فقد عشنا زمنا كانت الامال فيه ــ كالسماء ــ بلاحدود, وعلى كل المستويات القومية والقطرية وحتى الشخصية ثم رأينا كيف تنهار هذه الآمال . ولكن للأمر جانب آخر جميل ورائع. فقد عشنا هذا الزمن البديع بكل ما فيه, وشارك معظمنا في صنعه في كل المجالات... رأينا احداثا لن تمحى من التاريخ, ورأينا هذه الامة وهي في اعظم حالاتها.. تقاتل وتنتصر فلا يتوقف طموحها, وتنهزم فلا تفقد ايمانها وعاصرنا سنوات من الابداع الجميل في كل المجالات... في الثقافة والفنون, في البناء والتشييد, وفي مخاطبة العقل واثراء الوجدان. لا أدري لماذا الح عليّ هذا الخاطر, وجماعة من شباب الصحفيين تلتف حولي في احد الاجتماعات بنقابة الصحفيين المصريين وفي مناخ الازمة التي يحاول البعض فرضها على الصحفيين المصريين في هذا الوقت بالذات! كان الشباب يشكو من انه جيل بلا اساتذة, وهي للاسف الشديد شكوى اصبحت عامة بين الشباب, وهي شكوى تعكس الواقع بلا شك, ولكنها ايضا تعكس الرغبة في التغيير, والشوق الى التجديد, وهي بشرى خير من كل الوجوه. المهم... ذكرني ذلك بتلك الايام الى كنا نتعلم فيها من اساتذة كبار لا يبخلون علينا بشيء من عملهم وتجاربهم... والاهم من ذلك محبتهم لنا وفرحتهم بتقدمنا. مازلت اتذكر اول دعوة للعشاء تلقيتها من الرائع احسان عبدالقدوس, كنت في بداية العشرينات حديث التخرج من الجامعة, وكان احسان قد انتقل للعمل باخبار اليوم, واسعدني الحظ بالعمل معه, وكان العمل معه متعة في حد ذاته, فما بالك اذا تحولت ــ في هذه السن المبكرة ــ الى واحد من معاونيه الذين يثق بهم, ويمنحهم من خبرته وثقافته وفيض موهبته, ويتركك تراقب, وتتعلم, وتجتهد, ثم يعلن عن رضائه بدعوتك الى منزله لتلتقي على العشاء مع نجوم الثقافة والفن والصحافة, اذكر انني التقيت في اول مرة ذهبت فيها لمنزل احسان بيوسف ادريس ونادية لطفي والفنانين الكبار جمال كامل وحسن فؤاد وابو العينين من فرسان روز اليوسف الذين لم يبتعدوا عن احسان ولم يبتعد عنهم حتى بعد ان ترك المؤسسة لغيرها لقد كان استاذا لجيل كامل وصاحب مدرسة تخرج فيها العشرات من الذين قادوا مسيرة الرأي في مصر لسنوات طويلة. ومازلت اتذكر مصطفى امين ــ حين استدعاني ذات يوم ــ وكنت مازلت طالبا بالجامعة اتدرب في اخبار اليوم ليفاجئني بأن يطلب مني ان اقرأ ورقة قدمها لي, فاذا بها شكوى من مسؤول صغير بالمؤسسة يطلب الاستغناء عني ويكيل فيها الاتهامات غير الحقيقية لي, ومع الدهشة والاضطراب حاولت ان اتكلم فاذا بالرجل يسكتني ويقول انه سأل وتحرى وعرف ان الشكوى غير صحيحة, ولكنه آثر ان يطلعني عليها لآخذ حذري, ثم طلب مني الا اقول شيئا لصاحب واشكوى الذي مازال حيا يقابلني وابادله التحية, واشكره في سري لانه كان السبب في ان تعلمت درسا ثمينا وتعلمته مبكرا قبل ان تغوص الاقدام في غابة الصحافة. اما احمد بهاء الدين فكان شيئا آخر, كان هو الاقرب لجيلنا ومعه دخلنا دروب الفكر القومي وعلى يديه تخرج العشرات الذين مارسوا العمل الصحفي بوعي سياسي والتزام بالمسؤولية العربية. زرع فينا بهاء احترام العقل والعطش الدائم للمعرفة والانحياز للشباب والمستقبل كنا نتناقش معه في قضايا السياسة فتظن انه كتلة من عقل خالص, ثم يفاجئك بعد ذلك بقلب يرتجف وبنفس تذوب رقة وبوجدان يتذوق الجمال اينما كان... في لوحة أو فيلم او اغنية. كان بهاء لا يجنح للتطرف, وكان في معاركه السياسية والفكرية يترك دائما مساحة للتفاهم, ويبحث دائما عن نقاط الاتفاق, اتذكر حين دخل بهاء في معركة صحفية شهيرة مع محمد حسنين هيكل, كانت حديث الاوساط السياسية يومها وانقسم فيها المثقفون الى فريقين يؤيد كل منهما رأي احد الكاتبين, ذات صباح استدعاني احسان عبدالقدوس ليبادرني متساءلا بلهجة اعرف ما وراءها: هل تعرف اين صديقنا الآن؟ كنت اعرف انه يقصد بهاء, فأجبت: أين؟ وقال احسان: انه مع هيكل يتناولان الغداء في نادي الجزيرة. وكان لابد ان اندهش, فالمعركة حامية واحدهما كتب في صباح نفس اليوم مقالا قاسيا يهاجم الاخر وكانت الحماسة تصور لنا ان المعركة لن تنتهي الا بعد شهور. لكن احسان قال بهدوء: لقد كنت اتوقع ذلك. وعندما استفسرت قال: بهاء لا يحب المضي في الخصومة حتى النهاية, ويهمه ان يسجل رأيه ويقول كلمته, ثم يترك الباقي للزمن وللرأي العام. رجل اخر ربطتني به علاقة محبة وتقدير طويلة قابلته في اليوم الاول الذي دخلت فيه مبنى نقابة الصحفيين انه الفنان الراحل (رخا) فنان الكاريكاتير المصري الاول في تاريخ الكاريكاتير بعد ان كان الاجانب والمتمصرون هم سادته, وعلى قدر ما قابلت من بشر, لم اقابل قلبا نابضا بالمحبة مثل قلب هذا الفنان الكبير. وتعلمت من رخا كيف يكون الكاريكاتير اخطر من عشرين مقالا, وعرفت قيمته الفنية بعد ذلك عندما اقتربت من نجوم الكاريكاتير اللامعين حجازي وبهجت وايهاب ومصطفى حسين... وعرفت كيف تتلمذوا جميعا في مدرسة هذا الفنان العظيم شديد التواضع. والحديث يطول عن هذا الجيل الذي تعلمنا منه الكثير واشتبكنا معه كثيرا في معارك سياسية وصحفية وهاجمناهم أحيانا, وصالحناهم احيانا, ولكنهم تحملونا واعطونا الخبرة ومنحونا الفرصة وتركونا نكبر بجوارهم. كانت اياما صعبة مليئة بالتطورات والانقلابات السياسية لكن الفرص فيها امام الشباب كانت بلا حدود, والساحة كانت تتسع للجميع, والمواهب كانت تفرض نفسها, فما الذي حدث بعد ذلك؟ وكيف تصبح الشكوى العامة لدى الشباب انهم جيل بلا اساتذة؟ لا يحدث ذلك في الصحافة فقط, ولكن في كل الميادين... في السياسة, والفن والادب, والثقافة. والظاهرة تستحق الرصد ولكن في غير هذه النافذة الجميلة التي نطل منها على ما ينعش القلب وينقذ النفس من السقوط في بئر الملل. استمع الى ما يقوله الشباب, ثم اسرح في واقعتين جميلتين. الاولى... يوم اكتشف الفنان رخا وكان وكيلا لنقابة الصحفيين انني متكاسل في تقديم اوراقي للنقابة, وكان (الفرمان) الذي لا يقبل نقاشا... نسهر معا حتى الصباح ثم نمضي فنستكمل الاوراق بعيون مغمضة, ولكن بنفوس نشوانة. والثانية... وجه احسان عبدالقدوس الطفولي والبهجة تكسوه حين يتابع انجازا لأحد تلاميذه باستمتاع بالغ, ثم يقول بصدق رائع: انا فرحان بك قوي. اين ذلك الزمن الجميل من زمن وصفه الشاعر فؤاد قاعود في احد قصائده الرائعة حين قال: آه يازمن فالصو فيك الرجال تماثيل بيترصوا وناس بيسعوا... وناس بيتوصوا وناس من القلقان بيتمصوا آه يازمن!!