قال لي صاحبي: هل تعرف ان من أجمل الحوارات التي قرأتها مؤخرا حوار لصديقك أدونيس, أجاب فيه عن استفهام يتصل بتفسير حضوره الطاغي في شعر الشباب المتمرد طوال الثمانينات في مصر ثم انحساره خلال التسعينات. وقد اختتم التفسير بسؤال جارح يقول : هل يشعرك انحسار حضورك الطاغي بالمرارة؟ قلت لصاحبي: وبماذا أجاب أدونيس؟ قال: ذكر أدونيس انه لا يشعر بمرارة في ذلك, بل على العكس يجد في الأمر ظاهرة من الحيوية. وأضاف موضحا بأنه لابد من اعلان الحرب على الكبار بصفة مستمرة, خصوصا من قبل الشباب والأجيال الأدبية الطالعة. لكن عليهم أولا, لكي ينجحوا في هذه الحرب, أن يعرفوا (عدوهم) الرمزي معرفة حقيقية, عبر نصوصه ذاتها لا عبر الأقاويل والتأويلات الشائعة التي لا تليق بالشعر أو الفكر. وختم أدونيس بتأكيده ان تراثنا الشعري كان سيغدو تراثا فقيرا لو لم يحارب أبو نواس وأبو تمام الشعر الذي كتب قبلهما محاربة فنية وفكرية, ولو لم يحاربهما, بدورهما, المتنبي, بل لو لم يحارب أبو العلاء من جاءوا بعده إلى شعراء اليوم. قلت لصاحبي: أنا أوافق أدونيس تماما على ما قاله, حتى لو رأيت في استخدامه لكلمة (الحرب) نوعا من المبالغة, فالمؤكد انه لا يمكن لابداع أن يستمر, وأن يتقدم إلى الأمام, وأن يفتح المزيد من الآفاق الواعدة, إلا بالتمرد على القديم, والثورة على الثابت, والقضاء على تحجر التقاليد, ومن ثم البحث عن بدائل واعدة, والسعي إلى اكتشاف ما يظل في حاجة دائما إلى الكشف. ولذلك كان ازدهار الشعر العربي القديم قرين تعاقب التمرد على الأجيال السابقة, خصوصا حين شعرت الأجيال اللاحقة ان حياتها قد تغيرت, وانها ترى العالم المتغير وتدركه وتشعر به بطرائق مختلفة عن طرائق الآباء في الرؤية والادراك والشعور. إن الوعي بالمغايرة والاختلاف هو أصل الحيوية في الابداع, سواء على مستوى علاقة المعاصرين واحدهم بغيره, أو على مستوى علاقة المعاصرين بالسابقين. ولا يمكن للفنون والآداب وكل أشكال الفكر, بل كل أشكال الحياة, أن تحتفظ بالطاقة الحيوية التي تتسع بها دوائر التطور الخلاق إلا بوعي المغايرة والاختلاف. أما في الأدب بوجه خاص, فلا بد من الثورة على الأب القديم. قال لي صاحبي: ان كلامك عن الثورة على الأب القديم يذكرني بالتحليل النفسي الذي أعرفه, وبفكرة التمرد الأوديبي على الأب في مذهب عالم التحليل النفسي الشهير سيجموند فرويد, وبوجه خاص تفسيرات المحللين المحدثين لأفكار فرويد, أعني أمثال جاك لاكان ولابلانش ويونتيالس وغيرهم من الذين جعلوا من التمرد الأوديبي على اسم الأب, حتى على المستوى الرمزي, تمردا على كل سلطة قديمة تحول بين براعم الجديد والتفتح والنماء في كل المستويات السياسية والاجتماعية والابداعية. قلت لصاحبي: كلام معقول, وان كنت أفضل أن نقصر حديثنا على الدائرة الابداعية التي نعرفها. والتي يمكن أن نجتهد فيها كما نشاء, بعيدا عن مخاطر الحديث في السياسة, خصوصا في مجتمعاتنا العربية التي تتحدث كثيرا عن الحرية دون أن تمارس أو تقبل حتى حق ممارستها. وعلى فكرة, دعني أستغل معرفتي التراثية, وأخبرك ان فكرة التمرد الأوديبي هذه فكرة قديمة في التراث العربي, خصوصا في علاقات الأجيال الشعرية, وهي فكرة تظهر عندما يشعر الشعراء بضرورة الاسهام في تغيير الإنسان, ومن ثم الحياة من خلال ابداعهم الجديد الذي يتحول إلى نوع جديد من الغواية. أعني الغواية التي تفضي بمن يتأثر بها إلى التمرد على الطرائق القديمة في الإدراك, والمواجهة الجديدة للنفس, في محاولة من محاولات تغييرها إلى الأفضل, بعيدا عن سطوة الماضي الذي يأخذ صورة الأب الطاغية في شعر أبي تمام, خصوصا بيته الذي يقول: فنفسك قط أصلحها/ ودعني من قديم أب قال لي صاحبي: جميلة جدا عبارة (ودعني من قديم أب) , ليتنا نقولها صباح مساء لطلابنا في المحاضرات, وللقراء على صفحات الجرائد والمجلات, فلم يفسدنا الا شيوع التقاليد التي تقضي على معنى المغايرة والاختلاف, وتصر على ان يكون اللاحق صورة حرفية من السابق, كما لو كانت الحياة لا تتجدد, وكما لو كان التاريخ يسير في دائرة تكرر حركتها كدولاب الساقية أو اطار السيارة او عقرب الساعة, وكما لو كان كل جيل أقدم يعرف اكثر من كل جيل احدث, ذلك على الرغم من ان العكس هو الصحيح فالمعرفة في ازدياد, وكل جيل لاحق يعرف بالضرورة اكثر من كل جيل سابق بسبب تطور العلوم وتقدم تقنيات العصر. ولقد كان من نتيجة عبادة القديم عندنا ان تميزت ثقافتنا السائدة بمهاجمة التجديد, والنفور من التجريب, والاسترابة في المغايرة, والعداء للاختلاف, ومن ثم ايثار التقليد على الاجتهاد, وتفضيل الاتباع على الابتداع, والانحياز الى المألوف والمعروف والمتاح, والاستغراق في الماضي بما يعوق التطلع الى المستقبل, وبما يجعل من كل ما يأتي في قابل الزمان صورة اخرى لما انصرم من غابر الايام, بل بما لا يقبل الجديد الا على سند من القديم, او يجعل من الجديد محاكاة اخرى او تكرارا مغايرا في الشكل فحسب للقديم الذي هو اصل الوجود الذي لا يمضي الا الى الوراء. قلت لصاحبي: الحق انني اتفق معك هذه المرة, واجد في كلامك ما يلهيني عن ان اشاكسك كما تشاكسني عادة بالحق وبالباطل, بل اجد في كلامك عن سطوة الماضي الجامد ما يذكرني في مغزاه باحدى حكايات الف ليلة وليلة, وهي حكاية يمكن تفسيرها في ضوء نظريات صديقك فرويد عن التمرد الاوديبي على الاب, وهو تمرد يأخذ في الحكاية صورة قتل الاب الجامد الذي يستعبد الابن, ويغل حركته او يشلها بما يقضي على الحضور الفاعل لشخصية الابن تماما, قال لي صاحبي: وماهذه الحكاية؟ قلت: هي الحكاية التي ترد في الرحلة الخامسة من رحلات السندباد السبع, حيث يحكي السندباد قصته مع (شيخ البحر) وقراء ألف ليلة وليلة يعرفون هذه الحكاية, اذ بعد ان تحطمت سفينة السندباد, والقت به الامواج الى جزيرة جميلة, ملأى بباسق الشجر وعاطر الزهر وطيب الثمر, صادفه شيخ مليح, جالس عند ساقيه على عين ماء جارية, مؤتزرا بازار من اوراق الشجر, فدنا منه السندباد وسلم عليه, فحرك الشيخ رأسه, واشار بيده ان احملني على رقبتك وانقلني من هذا المكان, فحمله السندباد على كتفيه, واحاط رجليه برقبته وانتقل الى المكان الذي اشار اليه, وقال له انزل على مهلك, لم ينزل الشيخ, واحكم رجليه على رقبة السندباد, وظل يخنقه ويضربه بساقيه اللتين تحولتا الى مثل ارجل الجاموس في السواد والخشونة, وضيق وثاقه على السندباد, لا يفارق رقبته ليلا او نهارا, ومضى السندباد المسكين يحمله كارها, لا يستطيع فكاكا من شيخ البحر الشيطاني الذي خادعه عن نفسه, او خادعت السندباد نفسه عنه. قال صاحبي: حكاية متعددة الدلالة والمغزى حقا, واتصور ان علاقتنا بماضينا الجامد الذي يريد ان يجعلنا صورة منه اشبه بعلاقة السندباد بشيخ البحر في استبداده بالسندباد, وعلاقتنا بالاباء والاجداد الرمزيين الذين يخادعوننا عن حاضرنا كي يضيقوا وثاق حياتهم القديمة على حياتنا الحاضرة اشبه بمخادعة شيخ البحر للسندباد, وكالسندباد في الحكاية, نقترب نحن من هؤلاء الاباء والاجداد الرمزيين بوصفهم اصلنا الذي لا نستغنى عنه, ونحرص على ان نتواصل معه, لكن بدل ان يغدو الاصل قوة دافعة لنا على ان نجاوزه الى ما يضيف اليه, ويؤكد حضورنا الخاص في زماننا المتغير, يغدو هذا الاصل قيدا ينفي قدرتنا على مجاوزته, ويتحول الى ما يشبه جبل المغناطيس في حكايات السندباد الاخرى, ذلك الجبل الذي كان يجذب اليه السفن ويحطمها تحطيما, وبدل ان نتواصل مع الاصل القديم, محافظين على مغايرتنا واختلافنا, ومن ثم على قدرتنا الذاتية في الابداع, ينقطع التواصل ويتحول الى حبل من مسد, يشدنا الى نير ماضي الاصل الجامد الذي يدفعنا دفعا الى اتباعه وتقليده ومحاكاته وتكراره, و لا سبيل الى مقاومة هذا الاصل, او الاب الرمزي الذي يقضي على حضور الابن, الا بالثورة عليه وتدمير أغلاله. قلت لصاحبي: وهل تعرف كيف ثار السندباد على شيخ البحر الذي استعبده؟ قال صاحبي في نبرة لم تخل من فضول الرغبة في معرفة النهاية: وماذا صنع السندباد؟ قلت: اقترف شعائر القتل الفرويدي, نسبة الى العالم الشهير فرويد, ولكن بعد ان لجأ الى الحيلة, وسقى شيخ البحر مسكر الشراب حتى تعتعه السكر,واخذ صخرة عظيمة ضربه بها وهو نائم, فقضى عليه, وتخلص منه, فأكد فعل حريته وحضوره الفاعل بعيدا عن القيد, ولا تنس ان السندباد فعل ذلك بالحيلة, اي بالعقل الذي هو نقيض النقل, والابتداع الذي هو نقيض الاتباع, كما لو كانت حكاية السندباد تقول لنا على سبيل المجاز والتمثيل ان التمرد على امثال هذا الشيخ الشيطاني انما تكون بيقظة العقل والفكر والوجدان وانبثاق مبدأ الرغبة الذي يتمرد على مبدأ الواقع, اعني مبدأ الرغبة الذي يؤكد به الابن حضوره الفاعل ازاء الاب من حيث هو اضافة جديدة وعي مغاير, افق مختلف, حلم بالمستقبل الذي لا يقبل من ماضيه الا ما يدفعه الى الايغال في رؤيا المستقبل. قال لي صاحبي: معك حق, ولن اشاكسك كثيرا هذه المرة, لكن دعني احذرك فحسب من استخدام عبارة (قتل الاب) بالمعنى الفرويدي كثيرا, فنحن نعيش في مجتمعات أبوية, او بطريركية اذا استخدمنا عنوان كتاب هشام شرابي الشهير عن (المجتمع البطريركي) الذي هو مجتمع ابوي بالمعنى المناقض للحداثة والمعادي للجديد والنافر من المغايرة والاختلاف. قلت: معك حق, ولكنك تعرف ايها الخبير بعلم النفس التحليلي اكثر من انني لا اتحدث عن قتل حقيقي وانما عن قتل رمزي, لابد ان يقترفه الجديد الحي لينتصر على القديم الميت, واتحدث عن اب رمزي, هو كل قديم يتحول الى سلطة قمعية تعوق التطور الخلاق للحياة الجديدة, يعني اتحدث عن فعل التمرد الذي لابد لنا جميعا من القيام به كي نمارس حقنا الطبيعي والحتمي في الاختلاف والمغايرة والحضور الفاعل المفتوح الى مالا نهاية على أفق المستقبل الواعد.