في زمن الصبا والشقاوة كان يسترعى اهتمامنا كل شىء واى شيء بما في ذلك وجوه الناس وسلوك الناس واسماء الناس وكلام الناس.. كنا نسمع مثلا رباعيات الخيام تغنيها أم كلثوم وقد ترجمها احمد رامي شعرا جميلا ورقيقا.. ومع ذلك كنا نتوقف بقدر نحسد عليه من السخرية امام البيت الشهير +++++ 300 وطال بالانجم هذا المدار ----- نعم.. كم سخرنا من حكاية توالى الليل ــ بعد النهار اذ تساءلنا في تلك الايام ولسان حالنا اليافع يقول: ــ وما الجديد اذن.. ان يأتي الليل.. بعد النهار ولم نكن نعلم بالطبع ان كانت مثل هذه العبارات الزائدة محل اهتمام نقاد البلاغة الاقدمين وموضع انتقادهم بدورهم اذ عابوا يوما على زهير بن ابي سلمى, وهو من هو في شعر الجاهليين وفي ابداع العربية قاطبة, قوله الشهير: واعلم علم اليوم, والامس قبله ولكنني عن علم ما في غد (عم) وساعتها كنا سنعاود النقد, كما فعلنا مع عمنا احمد رامي نكاد نخرج لساننا في وجه ابن ابي سلمى متسائلين. ــ وما الفتاكه, ياعم زهير, حين تقول والامس قبله.. الا ترى انك ارتكبت خطأ الشاعر القديم الساذج حين قال بدوره: ذكرت اخى فعاودنى

صداع الرأس والوصب

ويومها قالوا ان الصداع لايكون في الرأس, وذكر الرأس اذن امر لا فائدة فيه, والمسألة كلها حشو وبما استوجبته ضرورات النظم لا اكثر ولا اقل. ثم تعال الى الصور البوتوغرافية لخلق الله.. كم توقفنا عند هذا الاسم او ذاك وخاصة حين كان مرشحو التنظيم السياسي في عهد خالد الذكر عبدالناصر يعلنون عن انفسهم ويقدمون الى الناخبين تاريخ حياتهم وصحائف انجازاتهم, او ما يتصورون انه كذلك ويطيعون بين هذا وذاك آلاف المنشورات يتصدر كل منها صورة المرشح الكريمة يطل على جنابك بعيون فيها مزيج من التساؤل و.. التسول ايضا حين يكتب تحت الصورة ما معناه انه بحاجة الى صوتك الكريم لكي يؤدي واجبه نحو تغيير حياة امة العرب وربما تحويل مسار التاريخ! كل هذا وقد وضع المرشح الهمام يده تحت ذقنه, ناهيك ان يضعها قرب صدغيه مقلدا بذلك الصورة الشهيرة للشاعر احمد شوقي التي كنا نصادفها في كتب المطالعة المدرسية, دع عنك الصورة الاشهر والاعجب للزعيم سعد باشا زغلول وقد صوب اصبعه السبابه الى ما تحت اذنه في وضع رأيناه بمقياس زماننا (بوزا) فكاهيا فيما كان اهل الجيل الغابر ــ على ايام سعد باشا يرونه وضعا فوتوغرافيا.. تاريخيا ولائقا بزعيم كانوا يصورونه وهو يقدح زناد فكرة من عند الاذنين وانت طالع وهو يفكر في مصير الامة ومشاكل الشعب وعندما كنت اعالج كتابة القصة القصيرة في مرحلة الطلب الاكاديمي بالجامعة.. كتبت ذات مرة اقصوصة بعنوان (التصويرة) وهو التعبير ــ المصطلح عند اهلنا من اولاد البلد في مرابع القاهرة الشعبية وعند اقاربنا في ريف الدلتا الذي انتمي اليه من حيث الجذور على الاقل, ولا ادرى الآن اين نشرت قصتي القصيرة او اي جريدة متواضعة, ولاشك, ارتضت ان تقدمها هل اقول تزفها الى (جماهير) قرائها في ذلك الزمان البعيد, البعيد. الذي ادريه هو ان فرحت بها وذهبت اقرأها على مسامع مبدعى الادب من قصة وشعر في (رابطة الادب الحديث) وكانت متواجدة ولا ادري اذا ما كانت الى جوار البنك الاهلي والمقر القديم لجريدة الاهرام في شارع شريف بوسط القاهرة الافرنجي الذي كان سرة المدينة العتيدة ومحور اهتمامها قبل ان يقلب له الدهر المتغير ظهر المجن وتدور عليه دائرة الحدثان فاذا بوسط القاهرة ــ شوارع فؤاد (26 يوليو) وعدلي وشريف وما حولها تفقد بريقها وتهبط رتبتها لحساب مراكز بازغة جاءت مع عقد السبعينات اكثر جاذبية واوفر عافية واحدث معمارا وربما اشد افتراء في احياء المهندسين غرب النيل ــ اما في شرقه فهناك حي البوتيكات والنزف الصاخب الاجوف المفترى الذي اطلقوا عليه ــ في مدينة نصر اسم الاديب الكبير عباس العقاد, وياللمقارنة بين ثقافة العقاد, وثقافة البوتيكات. المهم ان توجهنا الى رابطة الادب الحديث, وكان يقوم على امرها ناقد كبير منحدر من مدرسة ابولو الشعرية التجديدية وهو المرحوم الاستاذ مصطفى عبداللطيف السحرتي, ويعاونه في ادارة الفعاليات الشعرية, والقصصية ادباء وبحاث من بينهم, على ما نذكر ــ الدكتور الازهرى عبدالمنعم خفاجى والادباء القصاصون بدر نشأت واحمد نوح وفاروق منيب وغيرهم.. واكاد اتصور ان الرابطة كانت تتحفظ الى حد ما على انتاج الشعر المرسل او الشعر الحديث.. وتكاد تصف الى جانب الشعر الكلاسيكي او العمودى, خاصة وقد كانت تستقبل شعراء كلاسيكيين من البلاد العربية وتحيطهم بأوسع ما تستطيعه من اسباب الحفاوة والاحتفال, ومن هذا المعين, كنا نرضع لبانة الانتماء العروبي وننفطم كما قد نقول على التغذي بالفكر القومي (لا تنس ــ اعزك الله ــ ان كانت تلك ايام الصعود الناصري والمد الوحدوي والزهو بأنك سليل العرب الميامين..الخ). ورغم هذا التحيز الى الشعر الكلاسيكي فقد كانت رابطة الادب الحديث القاهرية هي المكان الذي سمعنا فيه, لاول مرة ابداعات الشاعر الشعبي فؤاد قاعود وكان في تلك الايام شابا يقضي سنوات الخدمة الالزامية مجندا في الجيش, وكم كان يجهد كي يحصل على اذن بالخروج من المعسكر ويسميه المجندون باسم التسريح وهو اختيار سعيد لغويا يتسم بالمصادفة اللغوية الشعبية اذ يجمع بين معنى التصريح ومعنى اطلاق السراح.. والله اعلم. وكان قاعود يأتي وعلى سحنته علائم قلق متوثب تكاد تقرأ فيها شغفه الشديد ورغبته الاقوى والاشد لان يتلو اشعاره الشعبية الجميلة على مسامع الحاضرين.. وبعد ان يقرأ احدث قصائده تكتسي ملامحه المتناسقة غلالة اثيرية من السكينة والارتياح تكاد تنبىء الناظرين بأن الفنان قد ادى رسالته وعالج قيثارته وبث لواعجه الى افئدة المستقبلين. قرأنا يا مولانا قصتنا بعنوان التصويرة (قرأناها والقلب واجف والعروق متوترة بوجيب الخوف والترقب واللهفة التي تسود قبل اصدار الاحكام وكانت القصة القصيرة تجسد ذلك الشغف المتواصل الذي ما برح يستبد بالداعي الفقير كاتب السطور بما نسميه باسم (الشأن الانساني) في كيف يتصرف الناس العاديون من اهلنا وفي بلادنا.. وهم في حال من السلوك العفوي غير المنمق, بل هو السلوك التلقائي الطبيعي. البسيط حين يتوكلون على الله ويقرر الواحد منهم ان يذهب الى المصوراتي ولأول مرة في حياته لا ادري من اين استقيت هذا الاهتمام الشغوف بقراءة الصور الفوتوغرافية المنشورة في المجلات القديمة والمعلقة في حجرات الاستقبال فضلاً عن صور مرشحي الاتحاد الاشتراكي او المجالس البلدية او النوادي الشعبية وما في حكمها اكاد اتصور ان اهلنا نزلت بهم حكايا الكاميرا والفوتوغرافيا وكأنها كانت صدمة حضارية, لم يكونوا مستعدين لها كما ينبغي كم تأملت صور اهل الاجيال الماضية, وكان (ميشيل) صاحب محل فوتوماتون للتصوير في ميدان السيدة زينب يحرص على عرض الصور التي التقطها لهم عبر تاريخ حياته المهني في فترينات العرض الداخلية في المحل عن يمين ويسار.. وكم حرصت على زيارة محل الاخ ميشيل, لا من اجل التصوير اذ كان الامر يتطلب اموالاً قلت او كثرت كانت حيازتها عزيزة على جيوبنا بل كانت الزيارة لمطالعة الصور المعروضة في الفترينات.. وخذ عندك: فتاة لطخت معالم وجهها بالوان الطيف كان ميشيل يقدم من عندياته ادوات المكياج الرخيص لزوم التجميل, بل كان يتولى بنفسه اضافة رتوش المكياج على الصورة نفسها كي ترضى عنه الزبونة الفقيرة التي تسعد بصورتها المزيفة المليئة بالرتوش وهي تعلم ان الحقيقة على خلاف ذلك تماماً, وانها حقيقة مريرة في كل حال ثم هناك ابن البلد الذي يطلب الى ميشيل ان (يأخذ له منظراً بالكوداك) وترجمتها ان يلتقط له صورة بالكاميرا كي يتيه بها صاحبها بين الاقران من زملاء المقهى في ليالي السهر الطويل.. ويحرص ميشيل على عرض الصورة الملتقطة كأنها عمل فني بارع وقد ظهر فيها الزبون واقفاً كالديوبان يحدق في عين الكوداك ومن خلفه قطعة قماش مهترىء رخيص يلوح بين خيوطها الرثة رسم نخلة عتيقة بينما امسك الزبون الشاطر في يده بطيخة اي نعم بطيخة كاملة يحتضنها في حدب حنون. ثم ها هي صورة فلاح شاب تجاسر على تحدي التقاليد فخلع طاقيته التاريخية الاثيرة, وامسكها في يمناه, وحرص على اظهار ساعة اليد التي اشتراها حديثاً من دم قلبه وبالتقسيط المريح وفي يسراه وربما عمد المصور الى اضافة عنصر درامي الى فعاليات الصورة, فإذا بالفلاح وقد استخدم احدى يديه للامساك باحد اوعية السفر قفة او سلة او قفص من جريد.. آية على ان المذكور ليس من هؤلاء واولئك المتطلعين على ارصفة المقاهي بغير شغلة يتعاطاها او مشغلة.. بل هو المذكور صاحب اللقطة التاريخية والدرامية من اهل الاهمية والحيثية الا ترى هيئته في الصورة ويمسك سلة السفر وكأنه قد جاء لقوة من محطة رمسيس للسكة الحديد؟