التقيت وعالم الفضاء المعروف فاروق الباز منذ نحو ربع قرن وكان آنئذ النجم الساطع في سماء العلم, اذ ارتبط اسمه بحادث من اهم أحداث القرن العشرين, وهو صعود الانسان لاول مرة على سطح القمر , وكان فاروق الباز هو الذي اختار المنطقة التي ينزلون عليها, وهو الذي حلل الصخور التي اتوا بها, والتي كانت الهدف الاساسي من هذه الرحلة الفذة, بالاضافة طبعا الى الهدف الاعلامي, اذ ان الاتحاد السوفييتي ( رحمه الله) كان قد سبق الولايات المتحدة في الصعود الى الفضاء بأول قمر صناعي, وكان لابد للولايات المتحدة ان تسترد كرامتها المهدرة, بعمل اكبر من الصعود للفضاء. ودفعني الفضول لأن القي على هذا العالم الفذ اسئلة كثيرة عن دوره في هذه التجربة الهائلة. وكان حديث الباز واضحا دقيقا, حتى بدأت اسأل عن التفاصيل, فاذا بالامور تصبح متوترة وقلقة, واكد لي هذا رأيا قديما هو اننا نتكلم بوضوح عندما نكون على علم بالموضوع, ويكون المستمع على قدر من المعرفة. ولقد ارتبك العالم الكبير لانه كان يملك معلومات كثيرة, وكان قد ادرك من اسئلتي انني بعيد اشد البعد عن مجال العلم. ورغم قلة ماعرفت من العالم الكبير, وقد زودني ببعض النشرات المبسطة, الا انني كنت اتحدث عن الصعود الى القمر افضل منه الف مرة. ولقد اكتشفت من هذا انك كلما جهلت الموضوع كلما كان حديثك ممتعا - لك على الاقل - وكلما اسهبت وبدوت عالما كبيرا . وفي مرة اخرى دق بابي يحيى حقي, فلقد كنا جارين لسنوات طويلة. وسألني اذ كنت املك روايات للكاتب الروسى تيرجنيف ليست موجودة في مكتبته, وكنت منذ الصبا مفتونا بالروسي تير جنيف وبالنمساوي ستيفان زكاربج, ولم يكن قد بقي بعد نهب الاصدقاء الا بضع روايات قليلة, كان معظمها عند الاديب الكبير. واخذت احدثه عن تيرجنيف وهو يسمع لي كأنه تلميذ صغير امام استاذ كبير, واسعدني هذا فأخذت اتحدث واشرق واغرب, وما ان انتهيت حتى اخذ يحيى حقي يتحدث عن تيرجنيف نحو ساعة تمنيت لو انها كانت قد سجلت وصورت, فلقد تحدث بما يمكن ان يكون رسالة دكتوراه في ارقى الجامعات, وشرحا على اعلى مستوى نقدي لهذا الكاتب, فضلا عن مقارنته بمن عاصروه ومن سبقوه. وكل هذه الخواطر جاءتني عندما فكرت في ان اكتب عن (الانتخابات) . وسبب الغرور الذي جعلني اظن انني خبير في هذا الموضوع هو انني خضت تجربة انتخابية واحدة منذ عامين عندما رشحت نفسي لعضوية مجلس ادارة اتحاد الكتاب في احرج انتخابات في تاريخه وفوجئت بنجاحي, فاعتقدت انني خبير بالانتخابات. وعندما تقرأ هذه المقالة تكون انتخابات هذه الدورة مشتعلة وانا لست طرفا فيها, لان العضو يدخل لاربعة اعوام, اما الانتخابات فهي كل سنتين, اي ان الانتخابات تجرى لنصف اعضاء المجلس كل سنتين. ولانني لست طرفا في هذه الانتخابات فلقد بدا لي انني صرت خبيرا فيها لكثرة ما اسمع وارى, وللحقيقة رأيت في الاسبوعين الماضيين مالم اكن اظن انني ارى واسمع. مثلا افاجأ بصديق يكلمني, وقد انقطع عن التحدث معي اعواما لكنه يصل العلاقة لانه رشح نفسه ويريد ان اناصره, فلما اثني عليه, واؤكد انني سأعطيه صوتي, يقول انه يعرف ذلك, لكنه يريد اصوات (جماعتي) فلما اقول انني بلا جماعة يضحك ساخرا, ويقول كيف نجحت وحصلت على كل هذه الاصوات, فأقول له انني قد سألت نفسي هذا السؤال على مدى عامين ولم اجد له اجابة, ولكن الصديق مازال طامعا في ان اعطيه اصوات (الجماعة) ومازال هذا الامل قائما, وسيظل الى يوم الجمعة المقبل حيث تجري الانتخابات. واحس بالحيرة لتلك الرغبة العارمة للوصول الى هذا المكان والتي قد تجعل المرشح يقترب من الازمة القلبية, افهم ان يحدث في البرلمان اذ ربما كان هذا طريقا الى الوزارة, أو في بعض الاماكن حيث يستفيد المرشح ماديا, وادبيا, اما عضوية مجلس ادارة اتحاد الكتاب فليس فيها هذا ولا ذاك. اذكر انه عندما ظهرت نتيجة انتخابات الاتحاد الماضية ان شخصا مازال مجهولا لدي حتى الآن ايقظني من النوم في السادسة صباحا ليقول لي بواكير نتائج الانتخابات ولم اكن قد نمت حتى الثالثة من صباح اليوم التالي, وما ان نمت حتى دق جرس التليفون مدويا وقفزت ارد عليه فأذا بصوت كسول يقول لي انه فلان الفلاني عضو اتحاد الكتاب, وانه اكرمني البارحة باعطائي صوته, ولذلك فهو سعيد لنجاحي كما لو كان قد قام بانجاحي بنفسه, ثم قال انه كاتب له مؤلفات كثيرة لم تحظ بالنشر منذ ربع قرن لذلك فهو يطلب مني باعتباري اسيرا لفضله ان اذهب اليه في (روض الفرج) والذين يعرفون القاهرة يعرفون ماهو حي روض الفرج, لاقرأ ما كتبه واختار ما يناسب جهات النشر المختلفة. و لانني كنت مرهقا جدا فلقد سايرته لعله ينهي المكالمة, ولحسن الحظ فعل, وكنت انوي ان اذهب له فعلا لا لانتقي له ما ينشر, ولكن لاعاقبه على مكالمته المرعبة, ولكنني نسيت او تناسيت ما حدث, حتى كانت ندوة فاذا بأحدهم يقترب مني ويقول لي انه فلان الفلاني وكدت اوجه الى وجهه لكمة, لولا انني نسيت العراك بالايدي منذ ان كنت طالبا. يقول صديقي ان بعض هؤلاء المرشحين يسعون الى وجاهة العضوية وانها بديل عن جودة اعمالهم. وبخبرتي المزعومة اخذت احلل الانتخابات واتجاهاتها, وقضيت في ذلك ساعات طويلة كل يوم, واما ان يكون هذا عبر الهاتف او من خلال ندوات الاتحاد حول المرشحين, او جلسات خاصة. وعرفت التجمعات ومن يتفق مع من, فكثيرا ما يتفق اعداء الامس وكثيرا مايختلف اصدقاء الامس وكنت اقرأ هذه العلاقات كأنها كتاب مفتوح وفجأة ارتبك كل ذلك. في مثل هذه الانتخابات تكون هناك قوائم, اي ان كل مجموعة متآلفة تصدر قائمة بأسماء مرشحيها. وهي بالطبع دعاية انتخابية لكن في طيها معنى اخر هو انه من ليس اسمه معنا, فهو مستبعد واحيانا تنشر هذه القوائم واحيانا تظل سرية. ولقد وصلتني قائمة بعنوان (قائمة القاهرة الكبرى) وحتى الان لم افهم سبب هذا العنوان وان كان قد اعجبني وقرأت الاسماء فاصابتني الدهشة فالقائمة تضم كافة المتناقضات وما كدت افيق منها حتى جاءتني قائمة اخرى باسم (قائمة المرموقين) وتسمية القوائم ظاهرة جديدة وايضا رأيت الاسماء فيها (سمك لبن تمر هندي) اي اشياء بلا منطق اذا لم تكن تعرف هذا التشبيه. واحترت واحتار دليلي ولم افهم مايحدث, فسألت صديقي الاكثر خبرة في عالم الانتخابات فقال لي ان هذه قوائم كاذبة, المقصود بها احداث بلبلة يستفيد منها اتجاه معين, وانه قام بتحليل القائمتين فوجد ان المتهم الاول هو فلان, فإذا لم يكن فهو فلان, فإذا لم يكن فهو فلان. لكنه غير رأيه بعد ان وصلتنا القائمة الثالثة تحت عنوان (الوهج الساطع) وكانت مختلفة عن اختها لكنها ايضا بلا منطق. عندئذ عدت الى العقل مرة اخرى, وقررت ان ابتعد عن موضوع الانتخابات فأنا بلا خبرة فيها كما تأكدت ولا اصلح لاعطاء دروس فيها كما كنت اظن انني خبير بها, بل عدت الى رأيي القديم والذي ألمحت اليه عددا من المرات في هذه (الاستراحة) وهو انني ماعدت مؤمنا بالديمقراطية في شكلها البرلماني, ومازلت ابحث عن شكل افضل. ويبدو ان الديمقراطية هي وسيلة للوصول الى الاهداف ولن تكون ابدا غاية!