لا ادري أيعجب العربي المسلم في هذا الزمان من تواطؤ بعض مؤسساتنا الثقافية مع بعض الكتاب المتحررين من كل ادب مع الخالق سبحانه وتعالى ومن كل احترام لعادات العرب الكريمة وتقاليدهم المحتشمة في هذه الجزيرة العربية . اقول لا أدري أيعجب العربي المسلم أم لا من مؤسساتنا الثقافية التي تسمح ان يباح في معارضها للكتب وان تحتوي مكتباتها العامة كتابا مثل كتاب رجل يفتري على خالقه ويتبجح بذكر الشهوات الحيوانية التي تعتمل في نفسه فينسبها الى شاعر شهير من شعراء العربية هو المتنبي. ذلك هو كتاب احد اساطين الحداثة كمال أبوديب الذي أسماه (عذابات المتنبي) في صحبة كمال أبوديب والعكس بالعكس, وذلك كتاب مملوء بالهذيان الذي ادعاه الكاتب ونسبه الى المتنبي فما تلك العذابات التي في الكتاب الا هواجس الكاتب وصديد وقيح ذاته الذي لا ادري لماذا افاض به على رجل علم من علماء الشعر العربي الخالد وهو المتنبي. الكتاب من اوله هذيان يكتبه كمال أبوديب مرة بلسانه ومرة على لسان المتنبي وقد قدم كمال أبوديب كتابه المزعوم هذا في ورقة سوداء فقال على لسان الراوي (سيرة ذاتية مزدوجة وكتابات مبهمة عن رجلين فاتنين افتتن كل منهما بالآخر وفتنه وكان كل منهما رجل فتنة ماتا في زمن تلاقت فيه الازمنة كلها واشتعلت فيه الفتن كلها فافتتنا به وفتناه لكنهما عاشا غريبين لم يعرفهما احد ولم يألفا أحدا) . وهذا تقديم للكتاب واستهلال مغموس بالكذب من اوله الى آخر حروفه فقارئ الكتاب لا يجد من هذا التقديم للكتاب الا الابهام والكتابات المبهمة وحدها وغير كتابات رجل مفتون بذاته يكتب كتابات غامضة عن نفسه وامراضه الخفية ثم يلصقها بأبي الطيب, إنك أيها القارئ المسلم العربي لا تجد في الكتاب سيرة ذاتية للمتنبي ولا للكاتب ولكنك تجد كلاما كله فتنة للعقول البكر التي لو قرأته لضللت ضلالاً بعيداً, وإن أول الكتاب ومقدمته تلك كذب صريح لا يستقيم مع العقل فكيف يكون الكتاب سيرة ذاتية للمتنبي والكاتب كمال أبو ديب ثم يقول انهما عاشا غريبين لم يعرفهما أحد ولم يألفا أحداً وما الغريب ولا الذي لا يألف أحد الا نكرة مجهول فإن جاز ان نسمي كمال أبو ديب نفسه ويصفها بالنكاره وعدم التآلف مع أحد فذلك أمر لا يليق بالمتنبي الذي قال عن نفسه: الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمحُ والقرطاس والقلمُ وقال: أنا صخرةُ الوادي إذا ما زوحمت وإذا نطقتُ فإنني الجوزاءُ وقال: خُلقِتُ ألوفاً لو ردت إلى الصّبا لفارقت شيبي موجع القلب باكيا فكيف لشاعر هذا مقالُه عن نفسه ان يكون مجهولاً لا يعرفه ولا يعرف أحداً كيف ذلك وهو المسمّى صالئ الدنيا وشاغل الناس. هذا في تقديم الكتاب أما صفحات الكتاب فقد قسّمه أبوديب الى صفحات بعضها أبيض وبعضها أسود ولا تعلم ما هو السر في ذلك ولعله سر من أسرار كمال أبوديب أما عناوين الكتاب الداخلية فعناوين مبهمةٌ غارقة في الغموض لا ينم ما يليها عن معناها مثال ذلك (من أوراق ألف لام ميم السريّه) وهو عنوان لصفحات كثيرة بعده لعلها بخط المؤلف ذاته وهي مسودات كثيرة مبهمة العبارات وحالات وأحداث تشبه الأحلام يصعب قراءتها لطولها ولسوء حظ الكاتب فيها, ومن تلك العناوين المبهمة ايضا (كتاب الأسرار والتهاويم الذي كتبه أحمد بن الحسين في خلوته في دير الناقوس لنفسه في عام الرب 349) . وهو عنوان تليه صفحات سود مليئة بالاشارات الجنسية وبالأجواء الحسية البذيئة التي تشمُ فيها رائحة نظرية فرويد التي تفسر الوجود أو تربط كل شيء بالجنس ومن ذلك قوله: المطر نبيذ الشهوة
والغيث
نداوة الرغبة
وزبدَ الشبق
ومثل هذه الاشارات والاسقاطات الجنسية الوقحة يُضج بها الكتاب حتى تكاد تفوح منه رائحة البغاء, والكتاب الى ذلك مملوءٌ بالهذيان الذي لو لم يكن كذلك لكان كفرا بواحا من ذلك قوله واستهانته بمقام النبوة وتشبيهه الشاعر بالنبي يقول في صفحة (39) : الشاعر والنبي ضُوان
كلاهما وسيط
لا يدّعي لنفسه
سوى أمانة التوصيل
الشاعر والنبي ضوان
أحدهما يرى ويقول
والآخر لا يرى ويقول
ومن بذآته الجنسية تلك قوله بعد عنوان (أصوات مختلطة في أس الراحل) وهل الراحل الا المتنبي, يقول: سوف أسلم للنسيم
عر نهديّ الكاعبين
وأمد ساقي
ساقيّ اللتين تعشقهما عيناك
ولمساتك الفائره.
وأنا أجلُّ القارئ عما بعد ذلك أما الذات الإلهية فقوله فيها قول مستهتر لا يعرف لها قدرا ولا يقيم على تدين ولا حتى حياءٍ من ربه. أما اللغة العربية لغة القرآن فإنه يستهين بها وكأنه يزعم أن هناك من يلبسها لباس القدسية فيثور هو عليها فيقول (أي لغة مقدسة تشتق الانسان من النسيان والحيوان من الحياة) . ثم ماذا بعد لابعد الا ما قدمت عن كمال أبوديب وكتابه الحداثي الذي جمع فأوعى الفكر الحداثي جميعه الاستهزاء بالخالق ومقام النبوة واللغة العربية وهي لغة القرآن واستباحة الكلام في الجنس بلغة إباحية لا أدب فيها ثم هو كذب كبير على أبي الطيب المتنبي الذي لا علاقة له بهذا الهُراء الذي زعَمَ أبو ديب أنه سيرة له وهو فوق هذا وأكبر منه وأعلى, ــ أما الحداثة في نظري فغير هذا القبح.