تدور الكرة الأرضية كما نعلم جميعا دورتها المعتادة. ولا تنتهي الحكاية, فبشروق وغروب, وليل ونهار, تنهض أرقام وتسقط أخرى في خانة الزمن والتاريخ, ومن ميلاد وموت, وصراخ وصمت, يكتب التاريخ حكايات جديدة لزمن مقبل بخيره وشره . ولأن أغلبنا مغرم بلغة الأرقام وحسابات التاريخ نظل نبحث عن دقائق وتفاصيل صغيرة, فنربط هذه بتلك, ونجمع ونطرح ونضرب ونحن موقنون بأن ما تم من عمليات له صلة بحساب النجوم ودورة الأرض وإلا ما كان هذا لو لم تكن تلك! عموما منذ أن اتبع العالم نظام قراءة وكتابة الأعداد عند العرب أصبح للأرقام حظوتها وقوتها وتألقها وهيمنتها, فلولاها لما وجد اليوم دليل تليفونات أو قائمة أسعار أو تقرير للبورصة, ولما وجد هذا التقدم التكنولوجي المثير الذي تسببت الأرقام في صياغته واعداده فكان الهاتف والتلفزيون والطائرات والصواريخ وغيرها من الصياغات الحديثة. من هنا يجد الكثيرون أن للأرقام وقعا جميلا على حياتهم, وتعني الكثير لهم فيربطونها وتربطهم بمناسبات عزيزة وغالية, ولهذا يهتم البعض بانتقاء أرقام معينة يرون فيها سعادتهم, بينما هي بالنسبة لآخرين ليست ذات أهمية أو دلالة, فمثلا يهتم البعض بالبحث عن رقم 6 لانه مولود في اليوم السادس من الشهر السادس من العام ,66 فتجده مأخوذا في البحث أو جمع كل ما يتعلق بهذا اليوم أو هذا الشهر أو تلك السنة, ويؤكد ذاك الهاجس بتكرار هذا الرقم في بطاقة الائتمان من خلال رقمها السري أو رقم لوحات سيارته أو هاتفه, أو موعد زفافه. وإذا استثنينا تلك الرغبات الشخصية من هذا الهوس الذي يسيطر على البعض فماذا نطلق على هوس المدن, فهذه مدينة (أوتا) النرويجية تعلن عن خطتها لتنظيم أسبوع للتكاثر أواخر الشهر الحالي مشجعة بذلك مواطنيها على الانجاب بحلول 1 يناير عام ,2000 وتتضمن خطة المدينة قيام دور السينما بعرض أفلام رومانسية خلال الاسبوع الأخير من الشهر الجاري, وقيام الفنادق بتوفير غرف مجانية للأزواج ليلة الثلاثين من مارس, فيما أعلنت دور الحضانة كما أشارت وكالة (رويترز) انها ستتبرع باستضافة أطفال الأسر الراغبة في الاستفادة من عروض الفنادق تلك الليلة مجانا. وفي ألمانيا قررت مكاتب استخراج رخص الزواج تمديد ساعات العمل وزيادة عدد العاملين استعدادا للآلاف من الذين يأخذهم الهوس بالأرقام والذين سيتقدمون بطلبات الزواج في اليوم التاسع من الشهر التاسع من العام الحالي 99. ويتوقع المعنيون أن تتم هجمة من عرائس وعرسان المستقبل يريدون الزواج في يوم 9ــ9ــ99 اقتناعا منهم أن ذلك التاريخ سيجلب لهم الحظ في حياتهم الزوجية, وكانت ألمانيا وغيرها من دول الاتحاد الأوروبي قد شهدت هوسا وحالات هستيرية في التسجيلات في يوم 8 ــ 8 ــ 88 و7ــ7ــ77. أعود إلى نكهة الأرقام العربية التي أصبحت تراثا عالميا منذ أن اقتحمت ظلام أوروبا عنوة على أيدي التجار العرب, فوجد فيها الأوروبيون خلاصهم وسلوتهم من سطوة تلك الرموز المصفوفة أمامهم والتي كانوا يتعاملون بها, فالرقم DCCCC LXXX VII أصبح يكتب بثلاثة أرقام هكذا 998 لتخر تلك الأرقام الرومانية المعقدة أمام ذاك السحر المثير القادم من الشرق ولتنتهي اسطورة التراث الروماني إلى حيث لا رجعة. أشير وبعضنا ما زال مأخوذا بلغة الأرقام سواء كانت أرقاما متسلسلة أو متفرقة إلى انه لولا الصفر ما بدأت الحكاية, فقد ظهرت تلك النقطة التافهة أو الدائرة الفارغة في الكتابات الهندية في العام 400م لأول مرة ومنها إلى العرب مع قدوم الفلكي الهندي (كنكه) , وكان ذلك في عام 773م في عصر الخليفة المنصور الذي أمر بترجمة ما يحمله ذاك الفلكي إلى اللغة اعربية, ومن هنا برزت الاعداد والأرقام وبدأت تطرق كل الأبواب في الدواوين والمتاجر وبين عامة الناس وخاصتهم فأحدثت تحولا كاملا في طرق الحساب والتفكير وانقلابا مثيرا في عمليات التواصل اليومي.. الا ان الصفر اللعين كما تشير المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه بقي سرا غامضا يصعب على عامة الناس في تلك الفترة أن تفهم منه شيئا, فهو لا يعني شيئا بمفرده, ولكنه يملك قوة سحرية فيحول الواحد الصحيح إلى عشرة أو إلى مئة أو إلى ألف, فالصفر رقم وليس برقم. وقد سخر منه أحد الفرنسيين في القرن الخامس عشر فقال (انه كالدمية تريد أن تصبح صقرا, أو كالحمار يتشبه بالأسد, أو كالقردة تدعي انها ملكة) . ومن جديد نتلمس الصفر فنجده رغم تفاهته قويا ومؤثرا يزلزل الأعداد إذا أمر وأراد ويمسح بيديه فتهدأ بعد اضطراب, فهو بمثابة الروح التي تدب في العدد الساكن فيتحرك دون أن يدري لماذا. لقد أصبح للأعداد والأرقام لغة تترجمها تفاصيلنا الدقيقة, فلا يكون الإنسان إذا لم يكن العدد والرقم صحيحا متعافيا.. وهكذا يتمخض الميلاد عن أرقام خاصة ومثله الموت والسفر والوظيفة والبطاقة والوجع والصراخ والجنون والسجن والمرض والفرح والزواج واليوم والشهر والسنة وغيرها من تلك السلسلة المتواصلة.. ولهذا تكمل الكرة الأرضية دورتها المعتادة ولا تنتهي الحكاية, فأغلبنا ما زال يصرخ واحد, اثنان, ثلاثة.