حدث قبل اسابيع في امريكا ان صاحب برنامج شهير يعرض على شبكة(إن بي سي)عنوانه (هيرالدو)زل لسانه, فتورط واحدث مشكلة قانونية للمحطة التي يعمل بها . هيرالدو ريفيرا تحدى المشاهدين الامريكيين بعد حادثة محاكمة الرئيس الامريكي في مجلس الشيوخ, ان يعثر احدهم على اية قضية حوكم فيها احد بالمحاكم الفيدرالية في امريكا بتهمة الكذب بصدد علاقة غرامية, واعلن واثقا على الهواء انه سيدفع عشرة آلاف دولار لمن يعثر على ذلك. احد المحامين الامريكيين وزوجته المحامية ايضا, عثرا على قضية واحدة في عملية بحث سريعة, فاضطر هيرالدو ان يدفع لهما المبلغ, لكن الموضوع تطور اكثر من ذلك, ففي اليوم التالي تقدم محام آخر, هذه المرة يطالب صاحب البرنامج بمبلغ خمسين ألف دولار, لانه حصل على خمس قضايا من هذا النوع. صدم هيرالدو بهذا الطلب, وحاول التملص من زلة لسانه تلك, الا ان المحامي رفع قضية على صاحب البرنامج وعلى المحطة, فاضطرت الشبكة التلفزيونية إلى احتواء القضية بسرعة, فدفعت للمحامي المبلغ كاملا وعليه زيادة 175 دولارا رسوم تقديمه شكواه للمحكمة. واعترف ناطق باسم الشبكة ان آخرين عددهم اكثر من 20 شخصا تقدموا بمعلومات عن قضايا اخرى, وان شبكته ستدفع لكل من يتقدم بمعلومات عن قضية جديدة, تتعلق في ادانة احدهم بالكذب جراء علاقة غرامية. زلة لسان مذيع كلفت الشبكة عشرات آلاف من الدولارات ورغم ذلك احترمت الشبكة زلة اللسان وتوابعها ــ أو خافت من عواقبها ــ فالتزمت بالدفع, ولم تعاقب أو تعلق على تصرف مذيعها, ماذا لو كان هذا المذيع في تلفزيون عربي؟ كيف ستتعامل المحطة معه ومع مشاهديها؟ لم اقرأ عن حادثة وقعت عربيا, ولم اشاهد من قبل زلة لسان في محطة عربية, باستثناء زلات كثيرة تسمعها وتشاهدها في برامج وسهرات فنية ومنوعة, لكنها زلات لا تسبب التزامات مادية للمذيع أو المحطة, بل قد تجذب مزيدا من الجمهور لها, لانها زلات على الفضيلة والاخلاق والذوق العام, وهذه لا رقيب ولا حسيب عليها, بل قد تطالب بعض المحطات مذيعيها ومذيعاتها الاكثار من هذه الزلات لفوائدها العظيمة. في الصحافة ايضا هذا الاسبوع, خبر عن رئيس هيئة جديد لمجلة اسمها (كامبيو) وهي مطبوعة لم يسمع بها احد في هذا العالم باستثناء عدد قليل من القراء لا يتجاوز عددهم ستة آلاف قارىء في كولمبيا, البلد الذي تصدر منه هذه المطبوعة. يصف التقرير المنشور لهذه المجلة الاخبارية بانها فاشلة وخاسرة, الذي استحق ان يجعل منها حدثا هاما وخبرا في مختلف صحف العالم, هو رئيس الهيئة الجديد, فهو جابرييل جارسيا ماركيز الحاصل على جائزة نوبل وصاحب (حب في زمن الكوليرا) وغيرها من الروايات الخالدة. ماركيز الذي وصف قراره شراء اكبر نسبة من اسهم المجلة انه عودة إلى غرامه الاول, وان الصحافة هي المهنة الوحيدة التي اعشقها, واعتبر نفسي دوما صحفيا, مضيفا مازحا (لم يقبل احد تشغيلي صحفيا بعد فوزي بنوبل عام ,1982 لان الراتب مكلف, اما الان فانا ادفع المال حتى تنشر لي مقالات صحفية. المجلة اصدرت لرئيسها الجديد بطاقة صحفية تحمل عنوان (رئيس المؤسسة) وكان ماركيز كما يقول التقرير سعيدا بها واخرجها لزائر امريكي قائلا بابتسامة ماكرة (لم يسبق لي ان حصلت على بطاقة رئيس من قبل) . وجود ماركيز يفتح للمجلة كما يقول رئيس تحريرها, كل الابواب ويمنحها مقابلات خاصة مع رؤساء دول, وكبار رجال الاعمال, ولكن لوجود ماركيز في الطاقم الصحفي جانبه المعاكس, فالمفارقة ان حضوره لتغطية حدث يتحول هو نفسه إلى حدث. اسم ماركيز جعل ارقام توزيع هذه المطبوعة الخاسرة تقفز بشكل جنوني فمن ستة آلاف قارىء إلى 12 الفا إلى 45 الفا. اعود للوطن العربي, كم فيه من صحف ومجلات ضعيفة وخاسرة, ماذا لو ان نجما كبيرا ليس بالضرورة في حجم جارسيا ماركيز ــ وفي هذا الوطن ما اكثر النجوم ــ تبنى مشروعا اعلاميا, وجرب تحويل الخسارة إلى نجاح, وصنع عملا ضخما له صدى دولي, بالتأكيد ان هذا هو اهم عمل سيخلد ذكره, وسيجد في الاعلام عالما جميلا له بريق وفيه حياة مختلفة, فمن يجرب؟