أقام اتحاد كتاب وأدباء الامارات مساء أمس الأول بالخيمة الثقافية بمعرض الكتاب أمسية (النقد في ساحة الامارات) للدكتور الرشيد بو شعير, عمر عبد العزيز, ثابت ملكاوي, وقدمها محمد ولد عبدي . وفي عبارات موجزة قدم عريف الأمسية تاريخ الخطاب النقدي وانه شهد منذ أكثر من نصف قرن ثورة علمية كبيرة, وولع بالسعي الدؤوب إلى تجاوز ذاته ومراجعة منجزه, وان حظ الثقافة العربية من ذلك الخطاب لم يكن بالقليل رغم انه لم يستطع عرض مراجعة منجزه تعكس ذاته, ومع ذلك فلا ينبغي ان نلغي جهودا فردية جبارة حملت هذا الخطاب بأمانة في بعض الأقطار العربية, فهل للساحة الثقافية في الامارات حظ من هذا الخطاب؟ هل ثمة نقد فيها؟ ما نوعه؟ ما آلياته؟ ما توجهه؟ ما علاقته بالمعيار وحكم القيمة؟ ما صلاته بالأعمدة والزوايا في الصحف والمجلات؟ ما روابطه بالصحافة لغة ومعيارا؟ ما أثر النص الابداعي عليه أضعف بضعف وغياب بغياب؟ وبعد هذه الأسئلة التي طرحها عريف الأمسية علها تجد اجابة في أوراق المحاضرين بدأ د. ثابت الملكاوي بعرض أوراقه النقدية عن النقد في الرواية والقصة القصيرة فقال ان هذا الفن نشأ بالامارات في السبعينات مع قصص قصيرة لعبد الله صقر, اصدرها اتحاد كتاب وأدباء الامارات وكانت على هيئة ارهاصات وبعدها تطورت وأخذت وضعها في الثمانينات وقد كان للصحافة دور كبير في نشوء هذا الفن واعطائه الشكل النهائي من خلال المحررين الثقافيين, ثم ظهر النقد وهو عملية عضوية ملازمة للفن عموما, ففي بداية الثمانينات ظهرت مقالات نقدية أو مؤسسة للحركة النقدية لكنها أعطت ملامح لهذا التأسيس لنقل ما ساهم فيه اتحاد الكتاب من خلال الملتقى القصصي الأول والثاني وقد حشد لهما خيرة النقاد العرب حيث ساهموا بشكل كبير في دفع الحركة النقدية العربية. ثم قدم عمر عبد العزيز كلمته في تجليات النقد في مجال التشكيل فقال ان النقد التشكيلي كجنس من أجناس النقد يتفاعل مع القراءات الأخرى من النقد الموسيقي أو المسرحي فلا توجد حواجز صارمة بين الأنواع الأدبية, ان من نتائج العولمة ــ ان وجدت ــ الاصوات العربية في العديد من الفضائيات والصحافة غير المحلية في البلدان العربية والأجنبية, ونستطيع القول ان الصحافة في دولة الامارات حاضنة للرؤى الفنية في الساحة العربية وتبعا لذلك نستطيع ان نستنتج ان الحركة النقدية التي تختمر في الصحافة بالامارات هي جزء من النقد في الصحافة العربية وعقب المحاضر ان الثقافة البصرية ليست حاضرة بنفس الكم والنوع الذي يحضر به الأدب ولذا فلابد ان يقترب النقد التشكيلي من المسرح والسينما. ثم ألقى الدكتور الرشيد بو شعير كلمته في تجليات النقد في مجال الشعر, فبدأها بقوله انه قديما أكد أبو حيان التوحيدي صعوبة الكلام على الكلام أي صعوبة النقد, فما بالكم بالكلام عن النقد ذاته, والصعوبة تزداد تعقيدا عندما يتعلق الأمر بدراسة (النقد في ساحة الامارات) ذلك ان النقد في ساحة الامارات في الحقيقة هو مرآة للنقد في الساحة العربية عموما, هناك غابة كثيفة من هواجس النقد في الساحة الاماراتية. ويستحيل علينا ان نحلم في هذه العجالة, ولكننا نستطيع ان نسجل ما يمكن تسجيله على سبيل المثال لا الحصر, هاجس المناهج النقدية, ذلك ان هناك مناهج عديدة تتعايش فيما بينها وتتصارع حينا وتتهاون حينا آخر, وبعضها يمنح من المناهج العربية التراثية التي تتكئ على النقاد القدامى من أمثال ابن سلام والجاحظ وابن قتيبة وقدامة بن جعفر وحازم القرطاجي وغيرهم وقد اهملت ذكر ناقد كبير عمدا وهو عبد القاهر الجرجاني لأنه أصبح يمثل حائط الصد في الصراع بين الاتباعيين والحداثيين, وتعايش هذه المناهج يشكل ظاهرة طبيعية في مشهد ثقافي عربي ما زال يبحث عن هويته ولا يزال يطرح الأسئلة المؤرقة التي طرحها رفاعة رافع الطهطاوي وأحمد فارس الشدياق وخير الدين التونسي والشيخ رشيد رضا والشيخ عبدالرحمن الكواكبي ثم طه حسين فيما بعد. وفي الساحة الاماراتية لوجود هذا التعايش مسوغاته الأكثر اقناعا, ذلك ان المشهد الثقافي عامة والمشهد النقدي خاصة يعكس قيما جمالية وفنية لا تزال في طور التكون, وهذا شيء بدهي في مجتمع دؤوب في تحوله من التفتت إلى التوحد ومن البساطة إلى التعقد, ومن النمط الحياتي الهجري إلى النمط الحياتي المدني والمؤسساتي, وكما ان هذا التعايش يعكس مدى التنوع في المشهد الابداعي الشعري. وأضاف ان ا لمناهج النقدية لم تواكب التيارات الشعرية بوصفها حركات نقدية ولكنها واكبتها بوصفها مناهج فردية, تتسم في كثير من الأحيان بالذاتية أو الفردية, علما بأن أغلب النقاد الأكاديميين الذين مارسوا العمل النقدي في الساحة الاماراتية كانوا من المقيمين وليسوا من المواطنين وبطبيعة الحال فإن هذا لا ينفي دور النقاد المواطنين الذين اسهموا ويسهمون في تثمين الحركة الشعرية وهم يتميزون بامتلاك الخلفية الاجتماعية والثقافية العامة, وهو ما يخولهم لوضع الأعمال الشعرية في سياقها العام. ثم طرح المحاضر سؤالا مهما وهو لماذا كان النقد متعسرا في الساحة الاماراتية؟ ثم أجاب بأنه حدثت طفرة كبيرة للابداع فتطورت الفنون النثرية بصورة كبيرة فإذا نظرنا إلى الرواية الأولى لراشد عبدالله وهي (شاهندة) لوجدناها رومانسية تعكس مرحلة من مراحل تطور المجتمع الاماراتي, وبعد ذلك جاء الكتاب الذين استطاعوا ان يسهموا في الرواية إلى حد معقول لكن إذا ما قورنت بروايات نجيب محفوظ أو حنا مينا مثلا لوجدنا ان عمر الرواية في الامارات مازال قصيرا, حتى القصة القصيرة بلغت مستوى من النضج وكذلك المسرح والشعر لكن النقد لم يتطور ولا يوجد نقد منهجي وهذا أمر طبيعي لأن الابداع تطور في مدة قصيرة ولابد من وجود كم ابداعي كبير يسبق النقد, ويضيف ان هناك هاجسا آخر وهو هاجس المصطلح حيث يتعامل النقاد مع الألوان الشعرية المختلفة بمصطلحات واحدة وهذا خطأ في حد ذاته, كما ان هناك حاجز الثقة المفقودة, ذلك ان طغيان المجاملات افقد الكثير من المبدعين ثقتهم في النقد.