كلما طالعنا مجموعة العبقريات لمؤلفها محمود عباس العقاد يشملنا التأمل في عبقرية هذا الكاتب الذى يعد من أبرز المفكرين العرب في العصر الحديث.. التقى لديه الفكر بشجاعة الضمير فكان شخصية فذة متميزة بذاتها وقدراتها في عصرها وامتدت قوة اثرها الى ما بعد عصرها . وعندما نذكر عباس محمود العقاد الذى يصادف غدا (الجمعة) مرور 35 عاما على وفاته.. لابد ان نذكر العقاد الاديب والمفكر والناقد والشاعر.. فهو في كل هذه المجالات قدم الكثير والجديد كما ان له اجتهاداته الذكية وآراؤه المستنيرة. والمفكرون والادباء والمثقفون يصفون ادب العقاد بأنه متدفق تدفق النيل وفكره الخصب يشهد له الجميع في مختلف انحاء الوطن العربى. وبالرغم من خصوبة فكر العقاد الا ان اهم ما قدمه كان في مجال الفكر الاسلامى.. فكتب القصة وألف القصيدة الشعرية وكتب في النقد الادبى.. ولكن ما كتبه في الاسلاميات هو الذى سيبقى اكثر بما أضافه لتلك الشخصيات الاسلامية الباهرة التى لعبت دورا اساسيا في تغيير مسار التاريخ الانسانى وما زال لها تأثيراتها على مر العصور. لقد كان العقاد صاحب نظرية او طريقة في كتابة التاريخ تعتمد على انه من صنع العباقرة ومن توجيه الموهوبين وهو ما يوجب توقير هولاء العباقرة ورسم صورة لهم تعتمد على جمع الحقائق التى تتكامل منها صورة العظيم الموقر وذلك رعاية للتاريخ من جانب وتجسيدا للقدوة من جانب اخر.. وبهذه النظرة اختار العقاد من التاريخ شخصياته العبقرية وكتب عنها سلسلته المعروفة. لقد كان العقاد في دفاعه عن الاسلام متسلحا بمعرفة عميقة وقوية بهذا الدين مما مكنه من رد اباطيل المفترين ودفع دعاوى المبطلين عارضا العقيدة الاسلامية في انقى صورها. كما كان العقاد وهو يدافع عن الاسلام بالمنطق متمشيا مع الفكر السليم للاسلام.. فالمنطق (كما يقول العقاد عنه في كتابه التفكير فريضة اسلامية) هو بحث عن الحقيقة عن طريق النظر المستقيم والتمييز الصحيح. وللعقاد ثمانية كتب في العقيدة الاسلامية هى الفلسفة القرآنية, الديمقراطية في الاسلام, الاسلام في القرن العشرين.. حاضره ومستقبله مطلع النور, حقائق الاسلام واباطيل خصومه, الانسان في القرآن الكريم) ,, التفكير فريضة اسلامية, وما يقال عن الاسلام. وكأن العقاد حين كتب اسلامياته كان يدرك ما سوف يطرأ على المجتمع من ظواهر فكرية شاذة تتجه نحو التطرف في الفكر وفي فهم الدين وتميل الى التعصب الاعمى ومحاولة فرض الرأى بالعنف لا بالاقناع والحجة والمنطق.. واننا مقبلون على موجه تطرف تلغى عقل الانسان باسم الدين. ولقد وضع العقاد في اعتباره في كل كتاباته الاسلامية امرين مهمين هما.. تقديم الصورة الصحيحة للاسلام المبنية على صحيح الدين وصريح العقل لينير الطريق امام ابناء الامة.. وكذلك تصحيح الصورة المشوهة عن الاسلام في الفكر الغربى.. وكلا الامرين من المطالب الملحة حتى اليوم.. ونحن في اشد الحاجة اليهما لنعيد الصواب الى بعض المفكرين الذين يحاولون تشويه صورة الاسلام. وقد كان العقاد صاحب نظرية في الشعر تقوم على مراعاة الصدق وتحقيق الوحدة العضوية والتعبير عن الذات والاتصال بالطبيعة والحياة والانسان والاهتمام بالعقل والفكر الى جانب العاطفة. وللعقاد نحو مائة مؤلف بين كتاب وديوان شعر.. وكان رغم تنوع مجالات ابداعه يعتز في المقام الاول بمجال الشعر.. كما كان يفخر بلقب شاعر.. وحين سئل يوم ارادت جامعة القاهرة ترشيحه لجائزة الدولة التقديرية عن الجانب الذى يفضل ابرازه من بين جوانب ابداعه لكى يسجل في المذكرة التى سوف ترفعها الجامعة الى المجلس الاعلى للفنون والاداب.. قال.. جانب الشعر فأهم ما أعتز به انى شاعر. وشعر العقاد فيه انسانية في وصف الاشياء وهو انسان حين يودع شعره التجارب الانسانية وآلام الانسان تحت وطأة كل الظروف وهو دائما ما يفرق بين ما يسمى الجوهر واللباب او بين العرض والقشور.. والأدب الصادق هو الذى يصيب الجوهر الصريح ويتخطى حدود الزمان والمكان ويكون بذلك تعبيرا عن مطلب الروح الانسانى في الشمول والخلود والانطلاق. والعقاد يعتبر قائد حركة التجديد الادبى الاولى في الشعر خاصة.. في تاريخ الادب العربى الحديث ضد النزعة التقليدية الجديدة التى أرساها محمود سامى البارودى وترسخت لدى احمد شوقى وحافظ ابراهيم والتى اسس بقيادته لها (بالفكر النقدى النظرى وبالابداع معا) معالم الحساسية الشعرية الجديدة من خلال جماعة الديوان مع ابراهيم المازنى وعبد الرحمن شكرى.. وكان طه حسين قد مهد لها الطريق بنقده للتراث الشعرى العربى. وللعقاد عشرة دواوين شعرية هى ثمرة ما يزيد على خمسين عاما كان أولها عام 1916 بعنوان (وهج الظهيرة) . ويمكن ان نطلق على العقاد لقب الشاعر الفيلسوف فقد كان يجسد بشعره صورة كاملة للطبيعة بجمالها واضعا فلسفة للحياة. وللجمال والفن قيمة كبرى عند العقاد.. فالمقياس ان يكون العمل انسانيا وان يكون الفن صادقا وامينا ومنبثقا في لحظة اخلاص. وعطاء هذا المفكر الكبير لم يتوقف.. وهو في اهتمامه بالجمال يرى ان الجمال هو الجلال.. ففى كل بعد من أبعاد الجمال معنى روحى. وبقدر ما دافع العقاد عن معنى الجلال في كل شىء يحيط بالحياة.. دافع عن الحرية في كل ما يتأكد به الحضور الجميل للانسان في الكون وبالكون. واهتمام العقاد بالجمال هو الذى دفعه للاهتمام بعبقرية اللغة العربية.. فكتب عنها بوصفها لغة تجمع بين الجمال والجلال.. واهتمام العقاد بالحرية والتجدد هو الذى دفع به لأن يكون فارس الادب المغوار في هدم القلاع القديمة. وحياة العقاد في دنيا الادب والسياسة كانت سلسلة من المعارك المستمرة.. فقد ناضل في ميدان الادب وخاض معارك كثيرة كان ابرزها معركته مع اديب اللغة العربية عبد الرحمن الرافعى.. اما معركته مع امير الشعراء احمد شوقى فقد أفادت الادب حيث استحدث شرعة جديدة للنقد ابتدعها من مدرسة الديوان. كما ناضل في ميدان السياسة حتى أصبح يهدد بقلمه اعتى الساسة بل استطاع ان يهدد الملك فواد نفسه تحت قبة البرلمان حيث اعلن (ان الامة على استعداد ان تسحق اكبر رأس في البلد يحاول العبث بدستور البلاد) وسجن العقاد بسبب ذلك تسعة اشهر. وله معارك اخرى مع محمد محمود باشا رئيس الوزراء وتوفيق نسيم ومصطفى كامل ومكرم عبيد واسماعيل صدقى وغيرهم. وكان هدف العقاد من وراء هذه المعارك الادبية والسياسية هو ايجاد صيغة جديدة لثقافتنا وتفكيرنا السياسى وهو الهدف الذى شغله طوال حياته.. ان العصر كان في حاجة الى رجال من طراز العقاد وطه حسين وغيرهما ممن اخذوا على عاتقهم مهمة التنوير العقلى والوجدانى. واصبح العقاد احد كتاب الحركة الوطنية ابان ثورة 1919 مدافعا عن الديمقراطية وحرية الرأى وضد الاحتلال.. وفي 1922 اصبح الكاتب الرسمى للوفد. لم يبالغ العقاد حين سئل عن الفرق بينه وبين برنارد شو حين اجاب.. برنارد شو واقف على اكتاف خمسة او ستة اجيال من الثقافة الاوروبية على العموم والثقافة الانجليزية على الخصوص وانا قائم على قدمى لأن ثقافتنا الحديثة لا ترجع الا لأكثر من جيلين. ولم يكن غيره مبالغا في تقديره حين قال عنه زعيم الامة سعد زغلول (اديب فحل له قلم جبار ووطنية صافية واطلاع واسع) او حين قال عنه عميد الادب العربى د. طه حسين مخاطبا اياه (تألق نورك بين مواطنيك منذ شبابك الاول حتى تجاوز وطنك واشرق على العالم العربى) . لقد كانت حياة العقاد الذى ولد بمدينة اسوان عام 1889 خصبة وثرية فللعقاد نحو مائة مؤلف ما بين كتاب وديوان شعر.. وقد منحه الرئيس عبد الناصر جائزة الدولة التقديرية في الاداب عام 1965.