قبيلة النقبيين هي من القبائل العربية المعروفة في المنطقة ويقيم افرادها في ثلاث مناطق من امارة رأس الخيمة هي العريبي والفولين وخت وعلى مدى التاريخ عرف عن ابناء قبيلة النقبيين كل الصفات التي تميز الانسان العربي المسلم.الوالد محمد سليمان بن حمدون النقبي هو احد ابناء القبيلة ويبلغ من العمر أكثر من70عاما وقد ولد في (خت) التي هي احدى القرى العريقة ذائعة الصيت منذ أمد بعيد جدا, ويعود الفضل في ذلك الى نبع المياه الذي كانت تقصده القبائل من كل فج للشرب والاستشفاء. ويقول الوالد محمد سليمان النقبي ان حياتنا في الماضي كانت بسيطة جدا حيث كنا نسكن بيوتا من الطين والعريش. ويستطرد ان الاسر كانت آنذاك تتوزع اقامتها بين المنزلين, ففي موسم الصيف تتأبط الاسر اغراضها المعيشية من اواني الاكل والشرب والمراقب والاغطية لتذهب بها على ظهور الركاب الى بيوت العريش التي تبنى مؤقتا على مقربة من المزارع. وحينما تهب رياح الشتاء الباردة تبدأ الاسرة مرة اخرى رحلة العودة الى البيوت الدافئة وهي غالبا ما تكون واقعة الى جوار الجبال او على ظهر الوديان مشيرا الى ان تلك البيوت كانت تبنى من مادة الطين التي يتم تجميعها من الوديان والخيران حيث كان بعض افراده المجتمع على معرفة بطرق بناء البيوت التي هي من الجودة والقوة والمتانة بمكان والدليل على ذلك ان تلك البيوت لاتزال موجودة وعلى حالتها الصلبة رغم مرور اكثر من مائة عام على بنائها. ويقول ان الاسر لاتزال تشعر بالحنين لتلك المساكن التي تحولت تراثا عظيما والواجب المحافظة عليه وحمايته من الاندثار. ويضيف قائلا: لقد ترعرعت بمنزل اسرتي في (خت) كحال اطفال القبيلة, من حضن الام الى الحركة حبوا ومشيا بين بيوت الاقارب ثم الركض خلف الاغنام واللعب قرب معاطن الابل وفي المزارع. ويوضح ان الطفولة في الماضي كانت مرحلة عادية جدا في حياة الفرد ولا مزايا حولها سوى الفرحة التي تشيع بين افراد القبيلة قبل الولادة مباشرة حيث تنحر الذبائح وتقدم الهدايا وعبارات التهاني. ويقول ان الطفل بعد ان تقوى رجلاه على الحركة يجد نفسه وجها لوجه امام امور كثيرة خلافا لما هو عليه الطفل في هذا الوقت حيث نرى الطفل اليوم يعيش في حياة مترفة ومملوءة بالعطف حتى ان بعض اولياء الامور ليس بوسعهم توجيه اللوم لابنائهم المخطئين او معاقبتهم بل تراهم يغدقون عليهم الهدايا. ويتوقف الوالد محمد سليمان النقبي عن الحديث ليتذكر كيف كان الاطفال يواكبون الحياة الحبلى بالمشاق فيقول كان الطفل في تلك الايام مثابرا ونشيطا ولا يعرف شيئا اسمه الاتكالية والكسل ولذلك فهو يقدم على اعمال يعجز عنها الكبار في زماننا هذا. اما كيف يتعلم ذلك فيكون اولا بمشاهدة الكبار وهم يقومون بالاعمال المختلفة سواء في المزارع او في ساحة الركاب والاغنام ومن ثم تأتي الخطوة الثانية وهي التطبيق العملي مبينا ان الاباء يرون في تعلم ابنائهم لسبل كسب العيش شيئا ضروريا ولذلك لا يتأخرون في تحقيق ذلك الشيء في وقت مبكر من العمر لكي يكون الفتى وهو في مرحلة الشباب كامل المعرفة بالحياة. ويقول لقد حرص والدي سليمان على ان اكون الى جواره ملازما له بكل اعماله الزراعية والرعوية وكان هدفه من كل ذلك هو صقل امكانياتي وتهيئتي لمعترك الحياة وكم كان ذلك مفيدا بالنسبة لي اذ انه عندما غادرت مرحلة الطفولة كنت ملما بكل الامور الحياتية. تربية الاغنام والركاب ويضيف قائلا: كما ورد في بداية حديثي فالتهافت كان على تربية الركاب والاغنام والحقل الزراعي وهي جميعا كانت سندا للحياة وليس باستطاعة احد الاستغناء عن جزء منها بل امتلاكها كلها يمثل أمرا ضروريا لتحظى جل الهموم المعيشية فالركاب هي وسيلة المواصلات الوحيدة والاغنام كانت تدر الحليب لتشرب الاسر وتذبح لتوفر اللحم وتباع لجلب المال. اما الحقل الزراعي ففيه يزرع افراد الاسرة العديد من الخضروات مثل البصل والفجل والقمح والذرة والفندال والجت ليأكل الجميع ويطعموا حيواناتهم كما يباع انتاجهم في الاسواق اذا رغبوا في عائد مادي يسدون به احتياجاتهم الاسرية. ويقول الوالد محمد سليمان النقبي كان الناس اشد اخلاصا في اعمالهم ومع حيواناتهم ويتوخون الامانة والصدق في كل امور حياتهم ولا يلجأون الى اساليب الغش مهما دفعتهم الظروف فعندما يذهب الواحد منا الى الاسواق لايقول الا صدقا وهو ايضا يصدق كل من يتعامل معه . التسويق الزراعي ويضيف الوالد محمد سليمان النقبي: حينما نرغب في تسويق انتاجنا الزراعي كنا نقوم مساء بحصده واعداده في عبوات وفي ساعات الصباح الأولى نقوم برفعه إلى ظهور الركاب ومن ثم نركب إلى جواره أو نكتفي بالسير راجلين أمامه حتى نصل به إلى سوق رأس الخيمة القديم والذي كان يقع إلى جوار (العبرة) ويتكون من مجموعة من المتاجر. وقد كان السوق ساحة تجارية تعج بحركة الناس القادمين من مناطق مختلفة على ظهور الركاب أو مشيا على الأقدام أو بالمراكب البحرية. ويستطرد ان عمليات البيع تتم نقدا أو في بعض الأوقات بالمبادلة بأغراض أخرى وعلى أية حال فقد كنا نعود إلى منازلنا بعد شراء احتياجاتنا الأسرية من السمك المجفف أو المملوح والقهوة والعيش والسكر والطحين والزيوت وفي بعض الأوقات نضطر إلى شراء الملابس والأحذية والحلي التي تحتاجها النساء والبنات الصغار وهي غالبا ما تكون مصنوعة من الفضة. زراعة النخيل ويمضي الوالد محمد سليمان النقبي في ذكرياته ليقول: كانت زراعة النخيل تحتل حيزا مهما في جهودنا الزراعية حيث كانت النخلة محل اهتمام كبير لانها كانت معطاءة على مر السنوات ولم تبخل على زارعيها بالرطب الندي والعريش والسعف. ورغم بدائية الطرق الزراعية فقد توسع الناس في زراعة النخيل وملأوا مساحات شاسعة بالأشجار من أصناف اللؤلؤ والخنيزي وجش حبش والبرحى والخلاص والخصاب واشهل ونغال وغير ذلك من الأصناف التي يصل عددها إلى أكثر من 60 صنفا. ويوضح بأن ري النخيل كان يتم بطرق بدائية حيث تستخرج المياه من الآبار الجوفية التي تحفر في ناحية من الأرض الزراعية ويستخدم في ذلك اناء مصنوع من جلد الأغنام ويعرف باسم (السعن) حيث تقوم الأبقار بعملية جره من عمق البئر إلى فمها وأثناء ذلك يقف صاحب المزرعة أو أحد أبنائه أو أقربائه ليتولى مهمة تفريغ عبوات الماء. ويتوزع منه الماء باتجاه الزراعة. ويضيف ان عملية ري المزارع بتلك الطريقة البدائية تستغرق ساعات عديدة رغم قصر المساحة الزراعية خلافا لما هو سائد الآن في وجود دولة الاتحاد حيث تعتمد الزراعة على أساليب عصرية سواء في حراثة الأرض أو ريها أو مكافحة الآفات. ويذكر الوالد محمد النقبي في هذا الصدد ان القطاع الزراعي أخذ نصيبا وافرا من الاهتمام فأصبح أحد المعالم المرموقة في المسيرة الاتحادية المباركة. ويضيف ان المواطن الذي يمتهن الزراعة يجد الطريق أمامه مفروشا بالكثير من الخدمات التي تتحمل الدولة نصف تكاليف مستلزمات الانتاج اضافة إلى انها تقدم مجانا الارشاد الزراعي وتصنيع البيوت البلاستيك وتركيبها ومخططات أساليب الري الحديثة, ومكافحة الآفات الزراعية لا سيما تلك التي تصيب المحاصيل الزراعية والأشجار المثمرة والنخيل. ويقول الوالد محمد النقبي ان من حسن حظ مزارعي النخيل انهم يحظون باهتمام خاص من صاحب السمو رئيس الدولة أطال الله عمره. فإلى جانب الأبحاث العلمية الجارية حاليا بمركز الحمرانية لتطوير النخيل وحمايتها من الآفات وفي مقدمتها السوسة الحمراء فقد تبنت الدولة تسويق التمور. عادات وتقاليد ويعود الوالد محمد النقبي بذاكرته إلى الوراء ليقول انه بالرغم من المعاناة وقساوة كسب العيش الا ان ذلك لم يمنع أبناء النقبيين من التمسك بعاداتهم وتقاليدهم وفي مقدمة ذلك الكرم العربي الأصيل وخير دليل على ذلك ان القبائل الأخرى والأفراد الذين كانوا يقصدون (عين خت) للتزود بالماء أو العلاج بمائها المعدني كانوا ينزلون في ضيافة أبناء القبيلة طوال اقامتهم وحينما يهمون بالمغادرة يحصلون على تجهيزات السفر كاملة. لهم ولركابهم من قبيل الأكل والشرب مبينا ان من عادة الأسر ألا تغلق أبواب مساكنها حتى لا توصف بالبخل. المطاوعة وتحدث عن ظاهرة التدين التي عرف بها أبناء قبيلة النقبيين فقال انه في غياب المدارس كان الآباء يتكبدون المشاق ويرسلون أبناءهم إلى رجال الدين (المطاوعة) ليتعلموا القراءة والكتابة ويحفظوا القرآن. وكان من ثمار ذلك أن عرف الناس صغارا وكبارا أمورهم وهو ما أسفر عن نوع من الالتزام الديني وان بدا ذلك واضحا إلى يومنا هذا رغم المتغيرات العصرية التي زادت من الهاء الناس في الأمور الدنيوية. ويقول انه يحمد للآباء الكبار حضهم المستمر لأبنائهم على صالح الأعمال واصطحابهم لهم إلى المساجد منذ الطفولة وإذا ما بدا الطفل متاكسلا وجد الجميع أمامه يرشدونه وينصحونه لأداء الصلاة. رحلة الحج ويمضي الوالد محمد سليمان النقبي يقول كانت فريضة الحج تمثل رحلة جهادية مريرة رغم ذلك قام بها الآباء والأجداد بفرح عارم حين كان الرجل القاصد للديار المقدسة بمفرده أو مع أسرته يتحرك على ظهر الركاب من بعد عيد الفطر المبارك حاملا معه كل متطلبات الأكل والشرب والكساء, ويومذاك تمتلئ الساحة بالمدعوين الكبار والصغار وبينهم من يذرف الدموع حزنا على الفراق الذي يستغرق نصف العام إذا أراد الله للمسافر العودة سالما إلى عشيرته, وحينئذ يجد جموعا غفيرة من أبناء القبيلة في انتظاره وفور وصوله تذبح الأغنام والركاب ويتبادل التهاني مع الحاج العائد من الأراضي المقدسة وقبل أن ينصرفوا إلى ديارهم يحصلون على الهدايا التي جاء بها الحاج من الأراضي المقدسة وهي غالبا ما تكون ماء زمزم وأدوات الزينة للبنات الصغار والمسبحات وغير ذلك. ويتطرق الوالد محمد سليمان النقبي إلى الجبال القريبة من منطقة خت فيقول: كانت بالنسبة لنا رمزا وفي جوفها خير كثير مثل خلايا العسل والغزلان فهي أيضا كانت مرتعا للحيوانات المفترسة مثل الذئاب والنمور والضباع وان كنا نحتاط لها بالأسلحة مما يجعلها تخاف الاقتراب من ديارنا. وحول سفره إلى خارج المنطقة يقول كان عمري 17 سنة حينما سافرت إلى الكويت على ظهر لنش تحرك بنا من خور رأس الخيمة بيد انه لم يطب لي المقام في الكويت ولذلك لم أمكث فيها أكثر من 15 يوما ثم سافرت إلى قطر وكان هدفي ان أعمل كمراقب للعمال لانني لا أجيد القراءة والكتابة وحينما لم أجد ذلك العمل عدت إلى دياري وعملت في الزراعة. ويقول في عام 73 حصلت على رخصة السوق ومن ثم ملكت سيارة موديل 69 من نوع تويوتا وفي عام 73 كان بامكان الشخص شراء سيارة من الوكالة بمبلغ 11 ألف و700 درهم. ويضيف ان أولياء الأمور كثيرا ما كانوا يرفضون لأبنائهم شراء السيارات خوفا عليهم من شرورها. حوار ــ سليمان الماحي