ليسمح لي قرائي الأعزاء ان أدعوهم اليوم إلى وجبة خفيفة تزيح عن أكتافنا بعض الهموم ونتسامر معا حول قصة قصيرة للقصاص الأفريقي القديم(عيسوب)الذي عاش في القرن السادس قبل الميلاد, ويقول عنه نقاد الغرب واتباعهم في الشرق انه كان أول من كتب ما يسمى القصص الحيواني.. أي القصة التي تدور أحداثها وأحاديثها في عالم الحيوان , ويمكن للقارئ ان يتسلى بها, كما يمكن أيضا ان يستخرج منها العظات والعبرات أو يسقطها اسقاطا على عالم الانسان. غير ان هذا الزعم غير صحيح, فإن كتاب كليلة ودمنة الذي نقله ابن المقفع عن الفارسية, والذي كان الفرس قد نقلوه إلى لغتهم عن الهنود يرجع أصله الهندي إلى أكثر من ألف عام قبل ظهور (عيسوب) ولكن هذا حديث آخر, أما اليوم فدعونا نحلق مع عيسوب. ذات يوم كان يعيش في القرية فأر طيب, وكان له بالمدينة صديق لا يقل عنه طيبة, فدعاه ذات مرة من باب تعزيز الصداقة القديمة إلى قضاء يوم معه بالريف.. ورحب فأر المدينة بالدعوة, ولأن فأر القرية كان يحب صاحبه فقد فتح له خزانته مثلما فتح قلبه, وجمع كل ما بها من حبات الشعير والبسلة وفتافيت الجبن, وكان هناك خمس أو ست حبات جافة من الفول السوداني لعله كان يحتفظ بها لمثل هذا اليوم العظيم, فأخذ يكوّم كل مدخراته أمام الضيف الأنيق, عسى ان تغني الكثرة عن نوعية الطعام المتواضعة. وفيما جلس الضيف يلتقط بأدب قضمة من هنا وأخرى من هناك, بينما المضيف منصرف إلى حبات الشعير يداعبها أكثر مما يأخذها بين أسنانه, متمنيا على الله ان يكون قد نجح في تكريم صديقه الذي أقعى أخيرا على ذيله مثلما تفعل الذئاب , وقال وهو يتجشأ: (اسمح لي يا صديقي أن أسألك كيف تستطيع احتمال الحياة في هذا المكان الكئيب الذي يكاد الفقر فيه ان يتكلم.. كيف تقنع بالعيش هنا كما تعيش الصراصير, هل صحيح انك تفضل الحياة بين هذه الصخور والغابات والفقر.. أين هذا من المدينة, حيث في كل ركن تجد ملهى والشوارع تزينها العربات المذهبة التي تجرها خيول مطهمة لأجراسها نغم وطرب.. والرجال يخطرون في ثياب الفرسان, والنساء يتمخطرن كأن كل واحدة منهن نسخة من فينوس أو ديانا.. لا يا صديقي.. أنا لا أرضى لك العيش بهذا الشكل.. لا يمكن ان تقضي ما تبقى من عمرك هنا. ان الفأر يا صديقي لا يحيا سوى مرة واحدة. فتعال معي لكي أريك بهجة الحياة! كان فأر المدينة يتحدث بحماس, وبلاغة يحسده عليها شيشرون وعيناه تبرقان كأنهما بدران, وفأر الريف يستمع إليه جاحظ العينين فاغرا فاه حتى بدت أنيابه الصفراء من تحت شواربه, ولأول مرة راح يتطلع إلى جحره في تقزز, وسقطت من فمه حبة الشعير تاركة وراءها طعما مرا كالعلقم.. وأفاق على صوت صديقه الناقم وهو يقول: ــ تعال معي .. سأريك المدينة.. وأجعلك تنعم بطعم الحياة. وهكذا لم يعد في وسع فأر الريف ان يقاوم ولم يشعر بنفسه إلا وهو ينفلت من الجحر في ذيل صديقه. وكان الظلام مخيما عندما تسلل الفأران من باب المدينة إلى شوارعها الواسعة, ولكنهما ظلا ملتصقين بالجدران حتى إذا ما بدأت الشوارع تخلو من الآدميين السكارى والعربات المطهمة التي تجرها الخيول تقدما بجرأة إلى ان وصلا إلى القصر الكبير الذي كان فأر المدينة قد اتخذ فيه مقرا وثيرا في خزانة ثياب صاحبة القصر. وازداد عجب فأر الريف, كما ازدادت حسرته وهو يقارن بين هذه الوسادة المخملية التي يتكئ عليها مضيفه, وذلك الجحر المعفر الذي كان سريره طيلة حياته.. وراح يتحسس بفمه وشواربه ويديه ورجليه أطراف الثياب الحريرية وازرارها الذهبية.. وتوقف مذهولا عند ماسة براقة كانت تضيء في الظلام على صدر أحد الفساتين. والآن هيا بنا نتناول العشاء. وجرى وصاحبه في ذيله إلى غرفة الطعام. كان واضحا أن أهل القصر قد فرغوا لتوهم من وليمة هائلة, المائدة الضخمة ما زالت مغطاة ببقايا العشاء, وعشرات الأطباق من كل نوع, وألوان وأشكال من الأطعمة والحلويات, وبينما وقف فأر الريف في مكانه لا يستطيع ان يتحرك من فرط الذهول, أخذ مضيفه يجري متنقلا بسرعة من طبق إلى طبق ليكوم أمام الضيف أكواما من كل صنف وهو فرح بما يقدمه لصديقه, ومزهو أكثر بعلامات الذهول البادية في عينيه, وحركات شواربه, وما هي إلا لحظات حتى كان الذهول قد فارق فأر الريف فاستجاب مرحبا بنداء صديقه ان يعتبر نفسه في بيته.. وبقدر ما أحس في تلك اللحظة بالنقمة على ماضيه التعس, راح يحمد حظه الذي شاء ان يحدث هذا التغيير الحاسم في حياته قبل فوات الأوان. وبينما الفأران يتنقلان بين الأطباق وقد بلغ بهما المرح مبلغه حتى راحا يتقاذفان حبات الفستق ولقيمات الكعك والسكر وكأن الدنيا دانت لهما, إذا بأبواب القاعة تفتح فجأة ليدخل منها الخدم والسعاة ربما ليرفعوا الأطباق وينظفوا المائدة, وربما ليتناولوا عشاءهم بعد ان انصرف الضيوف, ولكن عيونهم كلهم وقعت مرة واحدة على الفأرين اللذين قفزا مذعورين طلبا للنجاة, بينما الآدميون قساة القلوب يطاردونهم بالسكاكين والأباريق النحاسية, بل ظهر بعضهم وفي أيديهم عصي طويلة لا يدرك أحد كيف ومن أين جاؤوا بها. ووسط الصياح والصراخ وأصوات ارتطام العصي والنعال والأباريق النحاسية استطاع الفأران ان يجدا لهما مكانا في أعلى مصراع الباب الكبير, وهما ينتفضان من فرط الفزع, حتى إذا ما هدأت الضجة وأيقن الآدميون القساة ان الفأرين قد افلتا وانصرفوا إلى بقايا المائدة, قفر الضيف والمضيف معا للخارج ليفاجأ الاثنان بمعزوفة من نباح الكلاب التي أقبلت نحوهما في موكب من الرعب تضاءل إلى جانبه كل الرعب الذي سببه الآدميون. ولكنهما نجيا. وان ظلا يجريان في جنون حتى وصلا إلى باب المدينة. قال فأر الريف, قبل ان ينسل من تحت عقب الباب وهمساته ما زالت ترتعش. ــ الوداع يا صديقي.. ان كل هذه الولائم والبذخ والحياة الناعمة قد تروق لبعض الفئران, ولكني شخصيا أفضل حبات الشعير الجاف , فلا يوجد في الوجود ما هو أتعس من الخوف, وما هو أجمل من العيش في أمان. قال فأر المدينة: انتظر أرجوك .. خذني معك.