ما ان رآني صاحبي المشاكس خارجا من قاعة الدرس حتى بادرني بقوله: اين كنت في مساء الامس؟ لقد هاتفتك, ولكني لم اجدك بالمنزل, قلت له: كنت في ندوة دعاني اليها صديقي فلان. سألني صاحبي عن المشاركين في الندوة, فحدثته عن الاسماء والموضوعات المطروحة . ويبدو انه لاحظ نبرة عدم رضا في صوتي, فاستغل الفرصة, وسألني: وما انطباعاتك السلبية عن الندوة؟ فقلت له: ولماذا لا تسألني عن الانطباعات الايجابية اولا؟ ضحك صاحبي ضحكته الماكرة قائلا: ألم نتفق من قبل على ضرورة ان نقلب النظرة المعتادة, ونتطلع الى الوجه السلبي للظواهر؟ قلت لصاحبي: لم اتفق معك على ذلك. وكل ما اذكره اننا تحاورنا عن العقم والقبح, وقلنا اننا لابد ان نهتم بهما في ذاتهما, كما قلنا اننا لن نعرف قيمة الابتكار او الجمال الا بمعرفة نقيضيهما, فبضدها تتميز الاشياء, وتبريرك السؤال عن السلبي في الندوة لايدخل في دائرة ما تحدثنا عنه, ولكنه يدخل في دائرة مكرك المعتاد في مشاكستي, فقد كان للندوة جوانبها الايجابية وجوانبها السلبية على السواء, ومن الانصاف ذكر هذه الجوانب وتلك. لم يتسرع كعادته في الرد, او يقاطعني, وانما تركني انتهي مما قلت, وتطلع الى عيني مباشرة وهو يشاكسني بقوله: لا بأس في كل ما قلت, واوافقك عليه, لكني ياصديقي مهتم بالجانب السلبي للندوة وليس بالجانب الايجابي, فلماذا لا تحدثني عنه, وحدسي ان الجانب السلبي اكثر طرافة ولفتا للانتباه من الجانب الايجابي. قلت لصاحبي: لا اعرف من اين اتيت بهذا الحدس, وعلى اي حال فمن الصعب ان احدثك عن جوانب سلبية, والاسهل ان احدثك عن اكثر المسائل التي اختلفت فيها مع بعض الشعراء الشباب الذين حضروا الندوة, قال صاحبي: وهل هم شعراء حقا ام من كتاب ما يدعى (قصيدة النثر) التي لا افهم سر دفاعك عنها الى اليوم؟ اوقفت صاحبي عن الاستطراد مقاطعا بقولي: دع عنك (قصيدة النثر) في ذاتها الآن, فمن الممكن ان نتحدث عنها في المستقبل, ودعني اخبرك بالخلاف الذي لايزال يثيرني في حديث بعض هؤلاء عن اللغة؟ قال صاحبي: لن يضيرني كثيرا تأجيل هجومي على قصيدة النثر, فالمهم, الآن, ان اسمع ما قاله بعض هؤلاء عن اللغة. قلت لصاحبي: بدأ الخلاف بانني لاحظت ان الكثيرين من الشباب الذين يكتبون قصيدة النثر انما يكتبونها استسهالا, وفرارا من اتقان الاداء اللغوي الذي يتطلبه الشعر بوجه خاص, كأنهم لايعلمون ان قصيدة النثر الحقيقية اصعب في كتابتها فنيا من قصيدة التفعيلة او القصيدة العمودية, لان قصيدة النثر لاتنطوي على الاطر الايقاعية الخارجية التي تغدو عكازا للشاعر اذا تناقصت درجة التكثيف الداخلي في علاقات قصيدته, وما اسهل ما يلاحظ الخبير بالشعر ان الكثير من القصائد التفعيلية والعمودية لاتستند على هذه الاطر الخارجية, بعيدا عن خصائص (الشعرية) التي تجاوز مجرد الوزن والقافية. قصيدة النثر لايمكن ان تكون او توجد الا معتمدة على اعلى درجة من الكثافة الشعرية الداخلية, الكثافة التي تجعل لقصيدة النثر ايقاعها الخاص النابع من علاقات تراكيبها وعلاقات دلالاتها. ولا يمكن ان يتحقق ذلك الا بمعرفة اسرار اللغة التي تكتب بها القصيدة ولا اعني بالمعرفة اتقان قواعد النحو والصرف فحسب, وانما الجمع بين ذلك الاتقان والمعرفة الرهيفة بالمفردات اللغوية من حيث تشكلها في علاقات جديدة تفتح آفاقا واعدة من الرؤية والرؤيا على السواء .. ولكن للاسف فان اغلب ما يكتبه شباب هذه الايام تحت اسم قصيدة النثر انما يدل على عدم المعرفة بقواعد النحو والصرف, وعدم الاحساس بشعرية التركيب اللغوي حتى عندما يخلو من الوزن, ولذلك نقرأ الكثير من الكلام الرطيط تحت عنوان قصيدة النثر, ولا علاقة لهذا الكلام لا بالقصيدة ولا بالنثر العربي. ولم يطق صاحبي صبرا عندما وصلت الى هذا الحد, وقاطعني قائلا: تعجبني صفة (الرطيط) هذه, خبرني اين عثرت على هذه الكلمة التي لم اسمعها الا منك اليوم؟ قلت لصاحبي: دع عنك السخرية فالكلمة موجودة في (لسان العرب) وتستخدم اسما وصفة على السواء, فالرطيط هو الحمق والاحمق على السواء, وفي (اللسان) كذلك ان الرطيط هو الجلبة والصياح. والكلام الرطيط هو الكلام الاحمق الذي يحدث جلبة بلا معنى, ويخلو من الذوق والرهافة والاحساس الداخلي بشعرية اللغة. والكثير من قصائد النثر التي يكتبها الشباب اليوم تنطبق عليها هذه الصفة, فهي كلام لا علاقة له بالشعر ولا باللغة ولا بأي شيء آخر. قال صاحبي بنبرة لا تخلو من بعض الشماتة: وهل تعرف ان بعض هؤلاء ينسبون رطيط كلامهم الى الحداثة؟ قلت: نعم اعرف, ولكن هؤلاء لا علاقة لهم بالحداثة بأي معنى اصيل من معانيها, فلم يقل احد ان الحداثة هي هدم لقواعد اللغة, وكيف تهدم قواعد اللغة من نحو وصرف وهي الاساس في عملية التعقل نفسها؟ ولم يقل احد ان الحداثة هي الجهل باسرار اللغة, وهل يمكن لشاعر ان يكتب شعرا حقا وهو يجهل اسرار لغته؟ لن اقول لك ما قاله الشاعر الحداثي لصديقه الرسام: ان الشعر يكتب بالكلمات, وانما اقول: ان الوعي العميق المرهف باللغة هو اصل الموهبة الشعرية, هذا الوعي العميق المرهف باللغة هو ما يفتقده الكثيرون من شباب هذه الايام العجيبة التي نعيشها. ولم يتركني صاحبي اكمل الكلام فقاطعني بقوله: وبماذا رد عليك بعض الشباب الحاضر في الندوة على هذا النحو الذي استفزك؟ قلت: حدثني واحد منهم عن الاقتران بين الابداع الحقيقي والتمرد على اللغة, وحدثني ثان عن ان البحث عن سلامة القواعد النحوية والصرفية انما هي نظرة ضيقة. وخلط ثالث بين السلامة اللغوية والفصاحة والبلاغة بمعناهما القديم, واتهمني رابع بانني قد اصبحت محافظا بعد ان جاوزت الخمسين, ولم يتمالك صاحبي نفسه من الضحك وقال: لي حق في ان اشمت فيك, فقد ظللت تدافع عن الحداثة, وتدافع عن حرية الشباب في الاجتهاد, فنل جزاءك على تعاطفك مع المغامرة والتجريب, قاطعت صاحبي قائلا: كف عن الهزل, فانا ما ازال مع المغامرة والتجريب, ومع الحداثة التي هي فعل دائم من افعال الاكتشاف, ومع الابتكار الذي هو نقيض التقليد, ومهما كانت اخطاء المغامرة والتجريب فهي اهون بكثير من كوارث التقليد. نظر الي صاحبي نظرة لم تفارقها الشماتة بعد, وعاجلني بقوله: المهم, بماذا رددت على هذه الاتهامات؟ قلت : اولا, لم اتعامل معها بوصفها اتهامات, وانما تقبلتها بروح التسامح على انها اجتهادات متعجلة, وثانيا: حاولت ان اوضح للشباب على وجه التحديد الفارق الجذري والاساسي بين السلامة اللغوية والتمرد على اللغة, السلامة اللغوية تعني ألا تخطىء في قواعد النحو والصرف, وان تتقن هذه القواعد حتى تصل الى اداء لغوي سليم يبين عنك, ويصل بينك وبين غيرك في التواصل الانساني للفهم الذي يختل اذا اختلت السلامة اللغوية. والسلامة اللغوية هي الاساس التحتي الذي ينبغي ان يكون مطمورا في لاوعي الكاتب بعامة والشاعر بخاصة, وعلى هذا الاساس تبنى القصيدة وتصعد من السلامة الى اكتشاف المنابع الشعرية الجديدة في علاقات النحو وترابطات الجمل وتراكيب الاصوات, لكن البداية هي توخي معاني النحو بين الكلمات كما يقول عبدالقاهر الجرجاني اعظم البلاغيين في تراثنا العربي القديم, اما التمرد على اللغة فهو شيء آخر, لانه تمرد على المعجم التقليدي, وعلى المسكوكات اللفظية البالية, وعلى الاستعارات الميتة والتنبيهات الزخرفية, وعلى الاوزان والايقاعات التي فقدت قدرتها على الاثارة. ويعني ذلك الثورة على علاقات اللغة عندما يصيبها الجمود, وعلى ترابطاتها التي تدفع الى التقليد, وعلى تراكيبها التي تغدو عائقا امام تفجر الطاقة الشعرية, ولكن التمرد على اللغة لا يعني, قط, ان تجعل الفاعل مفعولا, والمفعول فاعلا, او تكتب تراكيب لغوية ركيكه كأنها ترجمة سقيمة عن لغة اجنبية, ولا ان تداري جهلك بادعاء الثورة على التقاليد والتمرد على اللغة, فهذا كله لايدخل الا في دائرة الادعاء الذي لا يفضي الا الى الكلام الرطيط. قال صاحبي بعد صمت قصير: ولكن ماذا عن البلاغة والفصاحة, ولا تنس ان اصحابك من دعاة الحداثة, او ادعيائها كما تقول, يتحدثون كثيرا عن كسر رقبة البلاغة وانتهاء الفصاحة, قلت لصاحبي: اذا كنت تقصد البلاغة القديمة التي كانت تعني مطابقة الكلام لمقتضى الحال الخارجي فحسب, فلابد من كسر رقبتها, والتحرر من قواعدها المعيارية, والانطلاق بعيدا عن اصولها التقليدية. وقل الامر نفسه في (الفصاحة) بقواعدها الست او السبع التي وضعها امثال السكاكي والقزويني وغيرهما من علماء البلاغة المتأخرين. ولكن لا تنس يا صاحبي ان لكل عصر بلاغته, بل لكل شاعر بلاغته التي لا يشاركه فيها شاعر آخر, والحداثة التي تؤرقك ياعزيزي لها بلاغتها الخاصة, بل اغامر واقول لها بلاغات بعدد تياراتها واتجاهاتها التي تزايدت بعد ان تحولت الى مابعد حداثة, ولذلك يتحدث النقاد عن (بلاغة القص) وعن (بلاغة السخرية) دون ان يجدوا في ذلك حرجا, لأنهم يتحدثون عن مبادئ كتابية جديدة, والبلاغة من حيث هي صفة لا تخص زمنا دون زمن, لأنها اصول الكتابة الابداعية, ومادامت الكتابة الابداعية متغيرة بتغير الزمن فلابد من تغير أصول البلاغة ومبادئها وتجلياتها. ولم يفارق صاحبي مشاكسته المعهودة, فقاطعني قائلا: ولكن بين اصحابك النقاد المحدثين من يستبدل بكلمة البلاغة كلمات اخرى مثل (الخطاب) و(الشعرية) . اقصد هؤلاء الذين يتحدثون عن (شعرية الكتابة الصوفية) او (الخطاب الشعري عند أدونيس) على سبيل المثال. قلت لصاحبي: حتى لو آثر البعض من النقاد المحدثين استخدام مصطلحات وصفية جديدة, وهجر المصطلحات القديمة بسبب ما يراه في بعض ترابطاتها السلبية, فان القضية الاساسية تظل قائمة, وهي انه لا ابداع شعري ـ في قصيدة النثر او قصيدة التفعيلة أو القصيدة العمودية ــ الا بامتلاك القدرة الكاملة على الاداء اللغوي والمعرفة بأسرار اللغة. ولم يجد صاحبي ما يشاكسني به, فوافقني على غير عادته, قائلا: معك حق. واذا لم تتحقق السلامة اللغوية والمعرفة بأسرار اللغة فالنتيجة لن تكون سوى الكلام الرطيط.