بادرني قائلا: مابال قوم يكثرون الحديث .. يعيدون ويزيدون القول عن ام كلثوم .. كأن لم يكن في دنيا الفن العربي غيرها؟ الا ترى معي ان القوم قد عمدوا الى (كلثمة) كل احاديثهم او معظمها .. الا يخشون على القارئين من التخمة او حتى الاملال ؟ ولم يكن الامر بحاجة الى ذكاء مفرط كي ندرك ان حكاية (القوم) وحكاية الافراد في (الكلثمة) انما تشير الينا وتكاد تعرض ( بتشديد الراء) بما كنا نسوقه في هذه المناسبة او تلك من احاديث. بادرناه بالجواب طازجا ومباشرا يقول: - يا مولانا ... نحن لانكتب عن ام كلثوم .. صحيح انها كانت مطربة عظيمة .. وكانت فنانة بلغت الشأن الرفيع من حيث القدرة والموهبة ... لكن السيدة ام كلثوم ... ابراهيم .. ساكنة شارع (ابو الفدا) على نيل الزمالك القاهري .. رحلت عن العالم في يوم من ايام فبراير عام 1974 .. وانطوت بذلك صفحتها كفرد وحياة وانسان. نحن ياسيدي نكتب عن مؤسسة ابداعية واجتماعية عربية متكاملة حملت ولا تزال تحمل بالصدفة التاريخية السعيدة اسم ام كلثوم. وحين نكتب عن ام كلثوم, فانما نتعرض غصونا وبراعم وثمارا من تلك الدوحة العابقة بالاريج وقد عايشها مجتمع امتنا ونعمت بها انساق ثقافتنا التي استقت كما لايخفى على وعيك وفهمك العميق من موارد العروبة والاسلام - العقيدة والثقافة والحضارة. نحن مثلا نكتب عن تكريم لغة العرب الجميلة, الشريفة وقد ازدادت تألقا على لسان ام كلثوم واتسعت بذلك شيوعا وذيوعا .. حتى ليكاد يرددها في اوج فصاحتها فلاحون وصيادون وحرفيون ورعاة ابل واغنام في ربوع شتى من هذا الوطن الكبير .. وبفضل حزمة الابداع المتكاملة التي رعتها ام كلثوم ... بين الشعر المبدع والنغم السنباطي الفاتن والاداء البالغ الاحترام لمتن اللغة وطريقة نطقها وتجنب عثرات اللحن او الخلط او التصحيف, لولاها لما ردد الناس في البيوت والحقول خاطرات لامعة من قبيل ما صاغه ناجي: وانتبهنا بعدما زال الرحيق
وافقنا, ليت انا لانفيق
يقظة طاحت باحلام الكرى
وتولى الليل .. والليل صديق
فاذا النور نذير طالع
واذا الفجر مطل .. كالحريق
واذا الدنيا, كما نعرفها
واذا الاحباب .. كل في طريق
لا ... يا سيدي
نحن لانكتب عن ام كلثوم .. فقد رحلت عن دنيا الاحياء منذ ربع قرن ويزيد. نحن نكتب عن الاحترام .. احترام الفنان لمهنته حتى يرقى بها, احيانا, الى مستوى الرسالة تجاه المجتمع والناس, نكتب عن كوكب الشرق, صاحبة العصمة حاملة نيشان الكمال الرفيع .. وما في حكمه من اوسمة الشرف والتكريم في اقطار شتى من دنيا العرب .. فاذا ما تهيأت للخروج على المسرح, وفيما يعكف محمد عبده صالح على معالجة قانونه وفيما يشرع محمد القصبجي في مداعبة عوده ... وفيما يتهيأ التخت الموسيقي لضبط الاوتار والمناغمة بينها( يسميها اهل الكار الدوزنة بالواو الساكنة) اذا بكوكب الشرق وقد انتابتها حالة من هيبة الموقف .. تقرأ الفواتح مثل فنانة ناشئة وتردد المعوذتين وتلوح على كيانها كله علائم التوتر الفني قبل ان تخرج الى المسرح وتلقى جمهورها المشوق العريض الذي يبادلها احتراما باحترام ترى الناس وقد جاءوا في ابهى مايلبسون, هم على موعد مع الرقي والسمو والتحليق في الابداع ... يصفون في لهفة ويستزيدون بغير صخب ويلمسون ذلك الخيط السحري, الاثيري, الذي يربطهم مع مايسمعون .. ومن ورائهم, كما لاشك تعلم, ملايين من الآذان تصغى, والافئدة تهفو والبيوت الساهرة تفرح بالجمال المنبعث عبر امواج البث كلمة او لحنا او اداء في مشرق الوطن العربي ومغربه على السواء. نحن يا اخي لا نكتب عن فنانة عاشت واجادت وانتقلت الى حي ينقل البشر في دنيا البقاء.. انما نكتب عن معنى الانتماء.. وعن عروبة هذاالانتماء, الا ترى الى اهل السياسة وربما اهل الاقتصاد وحتى اهل الثقافة.. وقد اشتجر الخلاف بين صفوفهم في العالم العربي.. يتبادلون التهم ويتراشقون بوابل الشعارات والمسميات.. الى حد الاقذاع في بعض الاحيان اختلف الناس في دنيا العرب.. ولكنهم ظلوا يتفقون على ان صوت ام كلثوم هبة من السماء مهداة لوجدان العرب, صحيح ان شهادة ميلادها في مصر, لكن ظل عطاؤها يغطي هذه الدنيا العربية عبر الحدود والمسافات.. والاختلافات ايضاً. ثم تعال الى ترجمة هذا الانتماء الى سلوك وكما في ارض الواقع.. عندما اصيب العرب بانكسار يونيو سنة 1967 كانت قد قاربت السبعين من العمر.. وكم عمدت الى استجماع ما بقي في كيانها من طاقة وقدرات, وكم اتقد ما كان يعتمل بين جوانحها من مشاعر واحاسيس ثم مضت تجوب المشارق والمغارب وتقيم الحفلات وتتجشم الاسفار ثم تحول عوائد هذه الجهود التي بذلتها لصالح المجهود الحربي.. وحيث كان الرمز والدلالة هما الاهم من حجم الاموال. ونكتب ايضاً عن تطوير الفنان لثقافته ومعارفه ومدركاته حيث يأخذ نفسه, أو تأخذ نفسها مأخذ الجد وبالتالي ترتسم امام الناس صورة ايجابية للفنان الملتزم, المثقف, المتطور, بحيث تستدعي الاعجاب ممزوجا بالتقدير والاحترام, وبهذا المأخذ الجاد تحولت ام كلثوم من فلاحة جاءت من قرية (طماي الزهايرة) في اقليم الدقهلية غرب الدلتا الى سيدة مجتمع تتذوق الشعر وتتعلم الفرنسية وتضمها مجالس الكبار واعلام المفكرين والمثقفين على انها كانت تمزج هذا كله بخفة ظل كانت مشهودة وبسرعة بديهة كانت زينة بحق للمجالس والصالونات.. تعارفت يوما في حفل غداء, على شاعر قدموه اليها بأنه الاستاذ احمد رامي وزادوا في التعريف بأنه كاتب الحوار الغنائي الشهير وقتها (1939) بين عبدالوهاب وليلى مراد وعنوانه (يادي النعيم اللي انت فيه يا قلبي..الخ) ما كان من ام كلثوم الا ان بادرت (سي رامي) بعبارات تقول: بالذمة ده استهلال ياسي رامي؟ الناس تقول يادي الخيبة.. يادي المصيبة.! وانت تقول: يادي النعيم! وكانت قفشة طريفة تعلم منها سي رامي كيف تكون براعة الاستهلال وبعدها ظل مرتبطا كشاعر بفن ام كلثوم كمطربة, وقدم لها, كما هو معروف, عددا من اكثر الاشعار رقة وعفة ورهافة وعذوبة وصل معها في بعضها الى ذرى غير مسبوقة.. منها مثلاً كلماته في (رق الحبيب) حول لهفة العاشق الى موعد اللقاء: (من كتر شوقي.. سبقت عمري) ومرة اخرى يا رفيق, نحن لا نكتب عن (الست) كما كانوا يسمونها بل عن مؤسسة متكاملة جمعت كوكبة من ابرز مبدعي الامة في ميادين النغم ومعمار الالحان.. وكلهم صادف في حنجرة الست وسيلته الرائعة والمتمكنة القادرة لتوصيل ابداعاته الموسيقية الى وجدان البشر. الكلاسيكي البارع الشيخ محمد عبدالمطلب الذي تخرجت على يديه موهبة ام كلثوم (حظينا مؤخراً بسماع لحنه الباذخ في دار الاوبرا القاهرية لقصيدة الشريف الرضى الشهيرة ومطلعها: قولي لطيفك ينثني عن مضجعي) ثم هناك زكريا احمد استاذ الالحان النيو ــ كلاسيك والسنباطي الهادر المتدفق.. وعبدالوهاب الصنايعي المفتن, دع عنك الجيل اللاحق المتوثب طموحاً والمترع بموهبة واكبت تطور الموسيقى العربية منذ منتصف هذا القرن جيل الموجي وكمال الطويل وبليغ حمدي. قلت لصاحبي: ــ ارأيت يا أخانا؟ نحن لا نكتب عن ام كلثوم بل عن سيرة حياة فلاحة.. نبغت واجادت ونعمت بحسن السيرة وتقدير الناس وآخر ما ارتبط به اسمها كان مشروعها الطموح الذي لم ير النور وعنوانه (دار أم كلثوم للخير) . قال صاحبي: هذه مرافعة قد نشكرك عليها. سألته متلهفاً: هل اقتنعت؟ اجاب في تؤدة شديدة: لا. قلت مستسلماً: كأنني كنت اترافع في مالطة وحسبي الله.