تستهويني عملية تحريك مؤشر الاذاعة للبحث عن اصوات ومحطات جديدة. قبل يومين سمعت بثا تجريبيا لمحطة اذاعية جديدة في الدولة على موجة الـ FM. وميلاد موجة جديدة يعني دعما لصوت الدولة الاعلامي , يفترض ان يكون هذا الصوت مكملا ومختلفا عن الموجود, لتضمن الاضافة الجديدة ولتخلق المنافسة نحو الافضل, والنجاح في عالم الاعلام هو ان تأتي بالجديد والمختلف, الا ان المشروع التجريبي للصوت الاذاعي الجديد لا يقول ذلك ابدا, فهو صوت مكرر للموجود حاليا وبشكل اسوأ, فلا تدري لماذا تفترض اذاعات الدولة ان موجة الـ FM تعني الغناء فقط, فجر وليل ونهار لا شيء غير الغناء, وطبيعي ان تسمع اصواتا قبيحة وكلمات تافهة وموسيقى صوت الحمار افضل منها لأن البث مفتوح والساعات طويلة. وهذا العمل الذي تتنافس محطاتنا على تقديمه وتغذيته لابد ان نحصد نتائجه في افساد الذوق العام من تغييب الفكر والثقافة, وابعاد الفرد عن قضايا وهموم مجتمعه وايضا المساهمة في اضاعة ونسيان تقاليد وتراث المجتمع, واكبر من ذلك تخريب الشباب, فعندما تتعود اذن المراهق او المراهقة الا تسمع سوى الاغاني, الهابطة والسيئة منها, وعندما يكون مثله الاعلى مطربا او راقصة, وحلمه ان ينضم الى مجتمع الفن والغناء, فماذا تتوقع ان يكون المستقبل.. مستقبل الوطن؟! اعود للصوت الاذاعي الجديد, فهو مثل الموجود في الهدف والموضوع, واسوأ لأن المحطات الاخرى تسمع فيها اصوات ابناء وبنات هذا الوطن في التقديم والفاصل, اما هذا ومن اطلالته التجريبية فلا وجود فيه لحس ابن البلد, وهذه مصيبة ليست في هذا المشروع الوليد, وحده, لكنها في جميع قنوات الاعلام بالدولة, فمع وجود هذا العدد الضخم ـ والذي سيتزايد خلال الفترة المقبلة ـ من الصحف العربية والانجليزية والاذاعات والتلفزيونات التي تحمل اسم الامارات, الا ان عدد الوجوه والاسماء التي تحرك وتدير العمل بهذه الاجهزة ضعيف جدا, ونسبته لا تزيد على 10% من طاقة العمل ببعض هذه المؤسسات! مع وجود كشف عريض وطويل ويكبر كل عام لخريجين وخريجات يبحثون عن عمل, في أية مهنة وبأي ثمن. هذا الاعلام بوسائله المختلفة, لم يخطط بالامس لمثل هذا اليوم, لم يبادر بانشاء معهد للتدريب او وضع خطة الزامية للتوطين, والغريب انه طوال السنوات الماضية التي كان فيها المواطن يبحث عن عمل فيه ولا يجد, كان هذا الاعلام يستوعب موظفين من مهن لا يتخيل العقل ان تكون في هذه الصناعة الفنية التي تتطلب علوما ومهارات ومواصفات خاصة من (دريولي) وبائع طوابع بريد, وحلاق و(جرسون) مطعم تجدهم محررين وفي وظائف فنية مختلفة. امثال هؤلاء دخلوا الى اعلامنا وهم لا يحملون اي مؤهل ومع ذلك وجدوا من يدخلهم, وتعلموا, ووصلوا الى درجات وظيفية يصعب الوصول اليها بحكم متطلبات التخصص الا بعد مراحل عمل طويلة. هذا واقع موجود في مؤسساتنا الاعلامية, حدث في زمن ما, يفترض اليوم ان سياسة التغيير نحو الافضل, والنظر الى المستقبل برؤية تعتمد على التخطيط والتنظيم واعداد انسان الوطن وتأهيله, اهداف يسعى الاعلام لترسيخها في بناء مستقبل الامارات, واولى في الاعلام ان يطبقها على مؤسساته واجهزته لتكون الرسالة اكثر صدقا, ابحثوا عن المواطن, وهو موجود وافتحوا له الابواب, ليكون صوت الامارات اسما.. ومعنى.