الرسم الصامت الذي يخفي في طياته كل مظاهر الزمان والمكان هو الذي يحمي رسام الكاريكاتور السوري على فرزات من ولوج السجن او القبر حتى اليوم. الشخصيات في رسوم فرزات تركز على مهنة او وظيفة ما ولا تتخاطب سوى بلغة الاشارة دونما تحديد لجنسية ما . يقول فرزات لرويترز رسوماتي تخاطب هموم الانسان وقضاياه بالجملة لان الانسان انسان اينما كان وفي اي زمان. ليس في رسوماته رمز لشخصية مميزة كما عند العديد من رسامي الكاريكاتور لان الرمز بحسب قوله منتشر بين الناس وفي سلوكهم ولذا ليس بالضرورة ان يكون هناك رمز دائم في الرسم. ويقول فرزات رسوماتي هي حوار مستمر بين شرائح اجتماعية مختلفة مثل العلاقة بين رجل الشرطة والمواطن وبالتالي فان حوار الشرائح الاجتماعية المرمز لا يحتمل ان يتضمن شاهد رمز كما حنظلة عند ناجي العلي. وكان العلي الذي عرف بنقده اللاذع والساخر للاحتلال الاسرائيلي ولسياسات معظم الانظمة العربية قد سقط برصاصات مجهول في العاصمة البريطانية اواخر الثمانينات. وتتضمن رسومات فرزات رغم صمتها موقفا واضحا يتطلب قوله جرأة استثنائية في منطقة تقول منظمة العفو الدولية ان سجون دولها تعج بنزلاء لم يرتكبوا سوى التعبير عن رأيهم. ويقول فرزات عن جرأة المواقف في رسوماته ان التاريخ الكبير للقمع في هذه المنطقة زرع شرطيا في رأس كل مواطن لكنني قررت ان اقتل هذا الشرطي في راسي وارسم. ويضيف لا احد يستطيع ان يتهمني انني اقصده شخصيا برسوماتي لانها لا تحاكي صورة اي انسان محدد ولكن بامكان اي فاسد او قاهر لاخيه الانسان ان يرى سلوكه وحركاته فيها من غير ان يتمكن من محاسبتي. غير ان لعبة الرمزية هذه لم تحم رسومات فرزات من مقص الرقيب اذ يقول ان اعماله ممنوعة من دخول العديد من الدول العربية منها العراق واليمن والاردن وليبيا واراضي الحكم الذاتي الفلسطيني. اما في سوريا حيث انتقاد السلطات يحمل الكثير من المخاطر ايضا فان فرزات يقول على الرغم من عملي في احدى الصحف الرسمية فان بعض رسوماتي منعت من الظهور على صفحات الصحيفة في العديد من المرات الى ان زار الدكتور بشار الاسد احد معارضي ورأى بعض الرسومات الممنوعة واصر على ظهورها على صفحات الصحيفة وهذا ما حصل لاحقا. ويتمتع بشار النجل الثاني للرئيس السوري حافظ الاسد بسمعة طيبة في اوساط المثقفين السوريين كما يسود الوسط السياسي في دمشق اعتقاد ان ترقيته مطلع العام الحالي الى رتبة عقيد في الجيش ما هي الا مقدمة لدور كبير في دوائر صنع القرار السوري. منذ عامين لم تعد الوان اللوحات التي يرسمها فرزات محصورة باللونين الابيض والاسود كما هي عادة الكثير من رسامي الكاريكاتور بل انتقل للرسم بالالوان. ويقول فرزات عن تجربته الجديدة (للرسم بالاسود والابيض وقعه الخاص لكن فكرة الرسم بالالوان راودتني منذ سنوات وبقيت مترددا في الخوض بها طوال هذه الفترة خوفا من ألا يلبي ذلك الايقاع نفسه للونين الاسود والابيض) . ويضيف (احاول دائما ان اجعل معالجة الالوان جزءا من بناء فكرة الموضوع ولا اخفيك ان الرسم بالالوان يشكل بالنسبة الي تحديا يوميا فلكل لون عدة احتمالات وتفسيرات ترتبط بالحالات الانسانية المختلفة) . احترف فرزات البالغ من العمر 50 عاما فن الكاريكاتور في مطلع السبعينات وعمل في صحف عربية عدة منها في سوريا والكويت والامارات العربية لكنه انتهى مؤخرا الى العمل في صحيفة (الاهرام) المصرية وصحيفة (تشرين) السورية بالاضافة الى ارسال رسوماته بصورة غير منتظمة الى عدد من الصحف العربية. يقول ان اول رسم له استقاه من دهان اتى ليطلي جدران منزل العائلة وكان يتلهى اثناء فرصة غدائه برسم وجوه بشرية على الحائط بقلم خشبي. ويرجع بذاكرته ليضيف تلك الوجوه انتزعتني من حالة ساكنة في داخلي الى حالة فاعلة مشرقة حيث كنت احمل الفحم من المنقل لاكرر تلك الرسوم على جدران الحي اوراق بيضاء او معاملات للناس كان يجلبها ابي معه الى المنزل. اما اول رسم ظهر له في الصحف فكان في مرحلة دراسته الاعدادية يومها ارسلت احد الرسوم الى صحيفة (الايام) التي كانت تصدر في دمشق اوائل الستينات وهي تتناول بالتعليق الانسحاب الفرنسي من الجزائر فنشرتها ولم اكن اتجاوز الرابعة عشرة من عمري وفوجئت عندما ارسل لي رئيس تحرير الصحيفة حينها نصوح بابيل رسالة يدعوني لمقابلته من اجل بحث امكانية التعاون. وقال ان تلك الواقعة لعبت دورا كبيرا في تشجيعه على مواصلة الرسم رغم انه لم يذهب الى الصحيفة لخشيته ان يطرده صاحبها بسبب صغر سنه. ولكنه في عام 1980 تقاسم جائزة الرسم الكاريكاتوري الاول في العالم العربي مع الرسام الراحل ناجي العلي.