الفاصل الزمني جد قصير بين تاريخ نشر مطبعة جريدة (السفور) لكتاب أحمد ضيف (مقدمة لدراسة بلاغة العرب) سنة 1921, وصدور العدد الأول من جريدة (السياسة) التي تولى محمد حسين هيكل (1888 ـ 1956) رئاسة تحريرها , بوصفها الصوت المعبر عن أفكار حزب الأحرار الدستوريين الذي تأسس في الثلاثين من أكتوبر سنة 1922. وهو فاصل أشهر معدودة في تتابع التعاقب. ولكنها دالة في تحولاتها المرتبطة بالانتقال من مرحلة الدعوة الى إبداع أدب قومي الى مرحلة تأسيس مفهوم لهذا الأدب, مفهوم يجاوز مبدأ الرغبة المعلن في كتاب أحمد ضيف إلى مبدأ الواقع الذي تجسده عقلانية التأصيل النظري الهادىء المتأني الذي لا يأتي, عادة, إلا بعد نماذج إبداعية بارزة, في أنواع مختلفة من الآداب والفنون. أعني النماذج التي أسهم محمد حسين هيكل في صياغتها, أدبيا, ابتداء من نشر القصص الباكرة في (الجريدة) التي رأس تحريرها استاذه أحمد لطفي السيد, مرورا بمقالاته التأسيسية الأولى من كتابه (في أوقات الفراغ) الذي صدر سنة 1925, وهي المقالات التي أضاف اليها ما زادها بدراساته التي نشرها بعد ذلك ضمن كتابه (ثورة الأدب) الذي صدر متأخرا سنة 1933, أي بعد ثلاث سنوات من صدور كتاب رفيق (السفور) القديم مصطفى عبدالرازق عن البهاء, زهير, ذلك الشاعر الذي وصفه مصطفى عبد الرازق بأن مصر نفخت فيه من روحها فأصبح مصريا في عواطفه وفي ذوقه وفي لهجته الى الغاية القصوى وإن كان مولده في بلاد الحجاز. ويلفت الانتباه في هذا السياق أن إلحاح الطليعة على معنى الأدب القومي وأهمية دراسته اقترن بالدعوة الى انشاء كرسي لهذا الادب في الجامعة المصرية الوليدة. وقد ظهرت هذه الدعوة واضحة في كتابات محمد حسين هيكل على وجه الخصوص, ومن ذلك ما كتبه تحت عنوان (الأدب القومي) في جريدة (السياسة) (في 18 مارس 1925) ثم نشره بعد ذلك في كتابه (أوقات الفراغ) حيث نقرأ: (إنك لتدهش حين ترى جامعتنا المصرية تلقى فيها دروس الأدب القديم والحديث للأوروبيين العرب ثلم لايلقى فيها درس واحد عن الأدب المصري القديم والحديث؟ ولا يلقى فيها درس واحد عن التطور الفكري في مصر؟ وكيف تمثل ما ورد عليه من حضارات الشرق والغرب التي وردت عليه؟ وهل خلع عليها حلة من القومية المصرية بتاريخها القديم وبطبيعتها المتسعة وبسماتها الصافيه وبما يمتاز به أهلها من رقة في الخلق وظرف وكياسة؟ أم أن هذه الحضارة بقيت غير مهضومة حتى مرت وحل محلها غيرها؟ ندهش لذلك حقا. فإن هذه الدراسة تعتبر في كل الأمم المتحضرة أساسا من الأسس القومية والتي يجب ان تمتلىء بها نفس أبناء الوطن لتزداد بينهم روابط الولاء لوطنهم) . ولكي يقنع هيكل قراء عصره ـ في العشرينات ـ بأهمية دراسة الأدب القومي لبلده فإنه يقول ان الامريكيين على حداثة عهدهم بالحياة المدنية, وعلى أنهم قوم لم يحط بتاريخهم شيء من هذه القداسة التي تشتمل تاريخ الامم القديمة كلها, قد جعلوا من التعليم القومي وسيلة قوية منتجة لخلق القومية الأمريكية, فصادفوا من النجاح ما جعل الذين نزحوا الى أمريكا ولم يولدوا فيها أكثر تعلقا بها منهم بأوطانهم التي أنشأتهم. ولقد كانوا أول عهدهم بالفن والأدب عيالا على أوروبا وعلى الأدب الانجليزي بنوع خاص فيما يقول هيكل, ثم لم يلبث الامريكيون بفضل هذه النشأة القومية ان ظهر من بينهم امثال لنجلفو وإمرسون شعراء وكتاب تمثلوا الحياة القومية الامريكية, وكانوا المشخصين لمجموع هذه الحضارة الجديدة القائمة على أساس من النشاط العملي وحب الحياة. ويمضي هيكل في توضيح تمثيله قائلا ان الامريكيين يعنون بهذا الجانب القومي وبغرسه في نفوس ناشئتهم برغم حداثة عهدهم به وتأخرهم عن سواهم من الأمم فيه. وهم بهذه العناية قد خلقوه عندهم خلقا وجعلوا منه للأمريكي موضع فخر. أما نحن في مصر فقد أهملنا على ما رأينا في الجامعة المصرية, كما أهملنا في الأزهر وسائر المعاهد الدينية, وتعلق جماعة منا بالآداب العربية القديمة في غير مصر, وتعلق آخرون بالآداب غير العربية. ومن المصادفات الطريفة أن دعوة هيكل الى اهتمام الجامعة المصرية بدراسة الأدب القومي لم تتحقق فعليا إلا عندما تولى هو وزارة المعارف العمومية. وأصبح وزيرها المسؤول عن تعليم أبناء الأمة. ولعه أوعز الى الجامعة, أو لعل الجامعة استجابت الى دعوته القديمة, فتقدمت إليه بناء على رغبة كلية الآداب بطلب إنشاء كرسي جديد في قسم اللغة العربية للأدب المصري. وبالفعل صاغ هيكل وزير المعارف مذكرة بانشاء الكرسي في الثالث والعشرين من إبريل سنة 1939. وكان من نتيجة هذه المذكرة أن صدر في الخامس والعشرين من إبريل سنة 1939 مرسوم ملكي (من فاروق الأول ملك مصر والسودان الى حمد محمود باشا رئيس مجلس الوزراء) بإنشاء كرسي خاص للأدب المصري في العهد الاسلامي بكلية الآداب بالجامعة المصرية. وأبلغت الجامعة بهذا المرسوم لتنفيذه, فتقرر نتيجة لذلك نقل أحمد أمين (1886 ـ 1954) من كرسي الأدب المصري. وترقية عبدالوهاب عزام الاستاذ المساعد الى استاذ للأدب العربي. وعلى ذلك أصبح أحمد أمين أول استاذ يشغل هذا الكرسي. وظل فيه الى أن وصل أمين الخولي الى المرتبة الجامعية التي تؤهله لشغل الكرسي. فشغله سنة 1943, وتولى تدريس الأدب المصري الذي أصدر كتابه عنه في السنة نفسها. والمسافة جد بسيطة بين هذه الأفكار ونقطة البداية التي انطلقت منها النظرية الإقليمية في دراسة الأدب العربي, وهي النظرية التي وصلت الى صياغتها المتكاملة في كتابات أمين الخولي (1895 ـ 1966) التي كان تعميقا لأفكار هيكل, خصوصا كتاب (في الأدب المصري) الذي أصدره الخولي عن مطبعة الاعتماد في القاهرة سنة 1943, والذي كان ذروة محاولاته التي بدأها بالكتابة عن (مصر في تاريخ البلاغة) سنة 1934. وهي البداية التي مايزت بين بلاغة الذوق الذي لايفارق متعة النص وبلاغة النظر الفلسفي الذي يتباعد في تجريده عن رونق النصوص الأدبية وطبيعتها السمحة. وكانت البلاغة الأولى بلاغة بهاء الدين السبكي الذي بدا كما لو كان الوجه الآخر لشعر البهاء زهير في الاقتراب من البساطة التي كانت أثرا من آثار (الوسط الطبيعي) المصري. وما بين البداية التي يمثلها بحث الخولي سنة 1934, عن أثر الوسط الطبيعي لمصر في الدرس البلاغي الذي أنتجته, والذروة التي وصل اليها اجتهاده سنة 1943 مع صدور كتابه (في الأدب المصري) كانت نظرية كاملة عن حضور الشخصية القومية في الأدب قد اكتملت وتأسست. وسواء أطلقنا على هذه النظرية (النظرية الإقليمية) في دراسة الأدب, أو رددناها الى الاصل الذي تولدت منه, وهو مفهوم الأدب القومي على النحو الذي أكده الرعيل الأولي, فإن النتيجة واحدة من حيث تحديد المنطق الذي بدأ منه المرحوم عبداللطيف حمزة محاولته المهمة في تأصيل معنى (الشخصية المصرية) سنة 1947, سواء من حيث تاريخها أو معالمها المرتبطة بالبيئة والموقع وامتزاج الأجناس الذي لايبعدنا كثيرا عن (عبقرية المكان) لو استخدمنا المصطلح المتأخر لجمال حمدان, أو (الوسط الطبيعي) لو استخدمنا مصطلح هيبوليت تين الذي أشاعه أمثال محمد حسين هيكل وأحمد ضيف وطه حسين وأقرانهم من أبناء الرعيل الجامعي الأول. ولذلك كان صدور كتاب المرحوم عبداللطيف حمزة عن (الحركة الفكرية في مصر في العصرين الأيوبي والمملوكي الاول) سنة 1947 حلقة من حلقات سلسلة متكاملة, متصلة, متصاعدة, في عملية تأصيل (مفهوم الأدب القومي) الذي تحول مع الممارسة الى (النظرية الإقليمية في دراسة الأدب) وهي النظرية التي يعد كتاب أمين الخولي عن الأدب المصري أبرز انجازاتها النظرية, وذلك بالقدر الذي يمكن ان نعد به كتاب عبداللطيف حمزة أبرز انجازاتها التطبيقية. والواقع ان كتاب حمزة يبدأ من حيث انتهى أحمد ضيف ومحمد حسين هيكل وأمين الخولي, ليمضي بعدهم الى مناطق لم تكن قد استكشفت بعد من منظور النظرية الإقليمية عارضا المزيد من الاجتهادات, كاشفا عن المزيد من الأدلة والبراهين التي تثبت صحة النظرية, ومن ثم خصوصية الحياة الفكرية في مصر من حيث هي استجابة للوسط الطبيعي أو عبقرية المكان في الوقت نفسه. ولكن هل كانت هذه النظرية سليمة تماما؟ الواقع أنها ظلت فاعلة لفترة سرعان ما انتهت بالنقد الجذري الذي أخذ يتوجه اليها من المنظور القومي السياسي الذي يؤكد الوحدة على حساب التنوع, ومن المنظور الادبي النقدي الذي رأى ان تأثير التراث الأدبي وتقاليده يفوق تأثير الوسط الطبيعي في الآداب الاقليمية الوطنية. والمفارقة الدالة في هذا المقام أن صعود الوعي السياسي بالمشروع القومي, ومن ثم تحديد الهوية القومية بما يجاوز الهوية الوطنية, ويحتويها, هو الذي وضع المعنى الأول للأدب القومي موضع المساءلة, وانتقل به من بعده القطري المحدود الى بعده الاشمل الذي يستوعب كل الاقطار العربية. وفي الوقت نفسه, يتصدى للنزعات الإقليمية التي نظر إليها بوصفها نزعات انفصامية. لم يكن من قبيل المصادفة, والامر كذلك, ان النقد الجذري الذي انصب على المفهوم القديم للأدب القومي (الوطني) وعلى ما ترتب عليه من (نظرية إقليمية) في الأدب بدأ بساطع الحصري شيخ العروبة الذي وهب حياته لتأصيل مفهوم القومية العربية والدفاع عن حلمها بالوحدة القومية. ولم يكن من قبيل المصادفة, كذلك, ان عبدالعزيز الأهواني الذي تأثر بأفكار ساطع الحصري القومية هو الذي تولى توجيه النقد الجذري ـ على المستوى الأدبي ـ لتطبيقات النظرية الاقليمية التي أكمل تأصيلها أمين الخولي وأكمل تطبيقها عبداللطيف حمزة, وكان ذلك كله في الجامعة المصرية التي تولد المفهوم مقترنا بالرعيل الأول من أبنائها.