الذين تابعوا مسلسل زيزينيا الذي بثته الاذاعات العربية في رمضان قبل الماضي .. ربما توقفوا مليا عند المحور الذي حرص الكاتب المبدع اسامة انور عكاشة على تأكيده في ثنايا العمل الدرامي الحافل بالمشاهد والتواريخ والشخصيات وهو محور الانتماء الذي كان يحس به اليونانيون اهل الاسكندرية نحو وطنهم المصري الثاني, كيف كانوا يتفاعلون بصدق وعمق وشفافية مع احداث مصر افراحا كانت او اتراحا .. ولعل المؤلف التلفزيوني كان يصدر في ذلك عن السلوك الايجابي الذي بلغ احيانا مبلغ البطولة وقد ابداه المرشدون اليونانيون بعد تأميم قناة السويس, اذ وقفوا - صامدين - مع زملائهم المرشدين المصريين فاحبطوا المخطط الانجليزي - الفرنسي الذي اراد ان يثبت للعالم ان القناة لن تستطيع بعد عودتها الى الادارة المصرية ان تقدم خدماتها كمرفق مرور بحري دولي وذلك بعد ان تم غيله بليل سحب جميع المرشدين الانجليز والفرنسيين ومن لف لفهم من خدمة ارشاد السفن العابرة للقناة لعلها تتعطل ويصبح الامر امثولة امام اعين العالم .. وعندما انشد صلاح جاهين من الحان محمد الموجي وشدو العظيمة ام كلثوم - اغنيته الجميلة ومطلعها: ما احلاك يامصري وانت ع الدفة, والنصرة عاملة في الكنال زفة, يا اولاد بلادنا تعالوا ع الضفة - شاوروا لهم وقولوا لهم ريسنا قال: مافيش محال, راح الدخيل وابن البلد كفى .. الخ عندما سمع الناس هذه الانشودة وتابعوا كلماتها في العامية المصرية تدعوهم ان: حيوا الرجال السمر فوق السفينة .. فقد كانوا يحيون ايضا رجالا ذوي وجوه حنطية الملامح, هي وجوه ( الجريج) ابناء اليونان شريكتنا في الاطلالة على البحر المتوسط ... رجال يحملون اسماء باتت محفوظة ومتداولة ومعروفة في حواري مصر وازقتها ستافرو, وكوستا واندريا وسكلاريدس وبابا دوبلوس .. واخيرا وليس آخرا .. دانينوس المهندس الاشهر الذي ارتبط اسمه بمشروع السد العالي. ولست ادري .. هل تذكر ان اسلفنا الحديث عن هذا المهندس يوناني الارومة مصري المولد والمنشأ والمشارب والهوى .. كان صاحب فكرة انشاء سد عال على ضفاف النيل في صعيد مصر الاعلى عند اسوان التي وصفها العقاد يوما, وهي مسقط رأسه كما هو معروف فقال: بلدة الشمس والجمال كيف لاتنجب الرجال والحاصل ان ادريان دانينوس كان صاحب حلم كبير .. وقد التقيته - كما قلت لك - عشية تحويل مجرى النيل في مايو من عام 1964 ويومها اجريت معه حديثا لاذاعة صوت العرب في اطار برنامج كنت اقدمه في تلك الفترة من الشباب الباكر وكان عنوانه (باق من الزمن) تتوالى حلقاته كل يوم ويتناقص عدد الايام مع تناقص المدة التي كانت متبقية على الموعد المرسوم والموقوت وهو منتصف مايو الذي كان مقدرا ان يشهد اشارة البدء بدخول مياه النهر العظيم في لحظة تاريخية الى انفاق السد العالي, ويومها وقف عبد الناصر يستذكر المعارك التي اشتعلت والمعاناة التي تحملها الناس من اجل بناء السد العالي فقال: ان هذا السد استحق هذا الكفاح لا لقيمته الذاتية فحسب, ولكن لانه اصبح رمزا لتصميم الامة العربية على ان تعيد ــ بالارادة ــ صنع مستقبلها . ولقد حدثتك عن المهندس دانينوس وقد زارني في استديوهات اذاعة القاهرة في شارع الشريفين (قبل انتقالها الى مقرها الحالي في ماسبيرو تطل على كورنيش النيل).. وكيف بدا الرجل وقد اثقلته احمال السنين من تقدم العمر وفتور القوة وذبول العافية وكيف كان بسيطا وديعا ومتواضعا واذكر ان دار الحديث الاذاعي حول ذهابه الى مجلس الانتاج القومي وكان يؤدي في مطالع الخمسينيات من هذا القرن دور مستودع الافكار التي تراود ابناء الشعب العربي في مصر ــ ومنها افكار رصينة لعلماء واكاديميين.. ومنها افكار مسلوقة لناس ــ مثلنا ــ على باب الله ـ ـومنها افكار جسورة وطموحة مثل فكرة صاحبنا دانينوس عن السد العالي عند اسوان, وربما حال تواضع المهندس اليوناني المتمصر وربما حالت صحته الواهنة دون ان يحكي لي قصته من اولها.. وهاانذا اطالع بقية اطراف القصة بفضل الرسالة التي بعث بها المهندس المخضرم الدكتور علي صبري الى زميلنا الاستاذ احمد بهجت (اهرام الجمعة 26/2/99) واختار لها الكاتب الكبير عنوان (لمسة وفاء) وفيها يفيدنا الدكتور صبري بمزيد من المعلومات التي لم نكن نعرفهاعن صاحب فكرة السد العالي, فهو ــ ادريان دانينوس ــ من مواليد الاسكندرية عام 1887 وكان والده البير باشا دانينوس مثقفا كبيرا واستاذا في علم المصريات وربما ملكت عليه حياته وتفكيره وجوارحه فكرة حجز مياه فيضان النيل خلف سد جرانيتي هائل حيث كان 80 في المائة من مياه الفيضان النيلي السنوي يضيع هدرا عند المصب في البحر المتوسط.. وهكذا ظل دانينوس ــ الشاب ــ يطرح فكرته على مسؤولي مصر مند عهد الملك فؤاد ومن بعده الملك فاروق.. ولا حياة لمن تنادي ــ الى ان جاءت ثورة يوليو وحل معها موسم الاحلام الجسورة والطموحة. ولم اكن اعرف, ولا اخبرني دانينوس نفسه انه كان على علاقة وثيقة وقت اختمار المشروع ــ الفكرة ــ مع الضابط الشاب جمال عبدالناصر اذ كانا يلتقيان في مبنى مجلس قيادة الثورة المبنى الصغير الانيق المطل, بدوره, على الضفة الغربية من النيل (على الضفة الشرقية تطل مجموعة فنادق هيلتون وسميراميس وشبرد). ورغم انني كتبت ــ كما قد تذكر ــ الوم الزمن القاسي الذي ضن على دانينوس بشارات التكريم, فهاهو المهندس علي صبري يقول ان الزعيم ناصر لم ينس صنيع المهندس الطموح, اذ منحه مكافأة مالية سخية وقرر له معاشا استثنائيا مدى الحياة وقبل ذلك ــ وخلال فترة اختمار المشروع, كان الزعيم العربي يوفد المهندس دانينوس في مهمات خاصة الى امريكا من اجل دراسة تكاليف ومخططات وتمويل المشروع.. والتفاوض مع العديد من الشركات الامريكية للمشاركة في دراسات الجدوى فنيا وماليا من اجل انجاز الحلم الكبير, وهذه الشركات ــ يضيف الدكتور صبري, هي التي اتصلت من جانبها بالبنك الدولي واسترعت اهتمامه الى ضرورة تمويل السد العالي العملاق. هكذا كانت سيرة المهندس المصري, اليوناني الاصل ــ ادريان دانينوس ــ نموذجا لصدق الانتماء الى الوطن الذي نشأ بين ربوعه والى الثقافة والمجتمع الذي شب بين احضانه وكان النموذج مضيئا رائعا بكل مقياس.. وهل هناك اروع من الخطوة الجميلة التي شاء المهندس دانينوس ان يختم بها السنوات الثماني الاخيرة من حياته الطويلة (89 عاما). لقد اشهر دانينوس اسلامه على يد شيخ الازهر الاسبق المرحوم الدكتور محمد الفحام وتزوج سيدة مسلمة آنست الاشهر المائة الاخيرة من عمره. هكذا.. بدا دانينوس نموذجا للارتباط بوطن عشق ارضه واحب اهله وناسه. واختتم حياته نموذجا للاصغاء الى هاتف الهداية والسير على خطى السالكين والاهتداء بنور اليقين, الا يستحق ان تصدق عليه الكلمة الطيبة المأثورة التي تقول: (خير الناس انفعهم للناس رحمه الله رحمة واسعه) .