لم يكن رحيل الفنانة عقيلة راتب في الساعات الأولى من صباح الثلاثاء الماضي مفاجأة لأحد, بعد أن ظلت هذه الفنانة الكبيرة تصارع المرض سنوات طويلة, وبعد أن دخلت دائرة النسيان منذ حوالي 12 عاماً ولم يعد هناك من يسأل عنها , وظلت طوال هذه الفترة فاقدة البصر وهى التي لقبت في عز مجدها بصاحبة أجمل عيون في السينما المصرية ولم تجد عقيلة راتب خلال هذه الفترة إلا ذكرياتها وابنتها الوحيدة أميمة وأحفادها, والغريب أن هذه الفنانة التي أثرت السينما بنحو ثمانين فيلماً ومائة مسرحية عانت كثيراً من تجاهل المسؤولين وزملاء المهنة حتى أن جنازتها لم يحضرها إلا فنان واحد ممثلاً لنقابة المهن التمثيلية وهو خليل مرسي, وكما عاشت عقيلة راتب آخر أيامها معزولة عن الناس فقد ودعت حياتها أيضاً في صمت بعد مشوار طويل مع الحياة استمر 83 عاماً. وقد بدأت عقيلة راتب مشوارها مع الفن في المدرسة الابتدائية وحاولت أن تنضم لفريق التمثيل بالمدرسة وهى في الصف الأول ولكن والدها رفض ذلك بشدة ونالت عقيلة راتب علقة ساخنة ابعدتها رسمياً عن الفرقة المدرسية, لكن حبها للتمثيل استمر وعندما وصلت الى الصف الرابع كانت المدرسة تستعد لتقديم الحفل الختامي وشاءت الظروف أن تمرض بطلة الفرقة وكادت المدرسة تلغي الحفل لولا أن عقيلة ذهبت الى المدرس المسؤول عن الفرقة وأبلغته أنها تحفظ الدور عن ظهر قلب ولم يكن أمامه حل سوى أن يقبل العرض فوراً وصعدت عقيلة الى خشبة المسرح وأدت الدور باقتدار ولكن ابن عمها كان بين الحاضرين وتطوع بابلاغ والدها وعادت الى المنزل لتجد العائلة مجتمعة لتحاسبها على هذه الجريمة وعاشت بعدها أياماً طويلة تعاني من جراء هذه الجريمة واضطرت مؤقتاً الى الابتعاد عن مجال التمثيل. والدها هددها بالقتل التحقت عقيلة بعد ذلك بمدرسة (توفيق القبطية الثانوية) واستأنفت فيها نشاطها كمطربة وممثلة دون علم أهلها وفي إحدى الحفلات المدرسية شاهدها زكي عكاشة صاحب فرقة عكاشة وعرض عليها العمل كمحترفة في فرقته وطلب مقابلة والدها لإقناعه, وبادرت عقيلة بإخبار والدها بهذا الطلب ولكنه هددها بالقتل وكما تقول في مذكراتها تحولت حياتها الى جحيم فقررت الهرب من منزل والدها وكان عمرها 14 عاماً وذهبت الى منزل عمتها التي كانت توافقها على التمثيل وساعدتها على ذلك وكانت تذهب معها يومياً لحضور البروفات واضطرت (كاملة محمد كامل) الى تغيير اسمها الى عقيلة راتب حتى لا يعرف والدها أنها تعمل بالتمثيل كما اضطرت في الفترة الأولى لعملها بالتمثيل أن تغطي رأسها ووجهها أثناء ذهابها للمسرح حتى لا يعرفها أحد في الشارع, وكان اختيار اسم عقيلة راتب نابعاً من كاملة نفسها حيث اختارت اسم صديقتها (عقيلة) أما راتب فهو اسم شقيقها الذي توفي صغيراً, واشتهرت عقيلة راتب وأصبحت نجمة وانتشرت صورتها واسمها على أفيشات الشوارع واعتقدت أن هذه النجومية سوف تصفح لها عند والدها ولكن بمجرد أن اكتشف والدها أن كاملة ابنته هى عقيلة أصيب بالشلل وظل غاضباً عليها سنوات حتى أوشك على الرحيل فطلب أن يراها فذهبت إليه وطلبت من أن يصفح عنها. وتعتبر عقيلة راتب من جيل العمالقة إذ لمع اسمها في أوائل هذا القرن مع فاطمة رشدي ومنيرة المهدية وكانت عقيلة راتب أحد الأسباب الرئيسية في ارتفاع نجم فرقة عكاشة التي كانت بطلتها ومنافستها لبقية الفرق, وتسبب نجاح عقيلة كمطربة وممثلة في اثارة الغيرة لدى بطلات الفرق الأخرى لدرجة أن منيرة المهدية أغلقت عرضها (كليوباترا) ذات يوم وذهبت لمشاهدة هذه النجمة الجديدة فى (أوبريت هدى) وتحولت غيرتها إلى إعجاب وصارت بينهما صداقة استمرت سنوات طويلة, وكان أوبريت هدى من أعظم ما قدمت عقيلة في هذه المرحلة وكان يذهب لمشاهدته كبار القوم الى جانب الجمهور العادي لدرجة أن اسماعيل باشا صدقي رئيس الوزراء في ذلك الوقت شاهد العرض وأثنى عليه. رفضت الريحاني وفضلت الكسار ولم تستمر فرقة عكاشة طويلاً وذلك بسبب خلافات بين زكي عكاشة وأخيه وانهارت الفرقة وانتقلت عقيلة الى فرقة علي الكسار وقدمت أول عروضها معها بعنوان (ملكة الغابة) ولشدة نجاح هذا العرض كان يتم تقديمه مرتين في الليلة الواحدة على مسرح (ماجيستيك) ولأن نجم عقيلة راتب كان عالياً جداً في تلك الفترة فقد عرض عليها نجيب الريحاني الانضمام الى فرقته لكنها رفضت لأنها كانت تشعر بالانتماء لفرقة علي الكسار ورغم الاغراءات التي قدمها الريحاني إلا أنها أصرت على موقفها ورفضت مسرحية (الجنيه المصري) وجاء انفصالها عن فرقة (الكسار) لأسباب أخرى وهي خلاف بينها وبين احدى البطلات ولم تشأ الذهاب الى الريحاني بعد أن رفضت عرضه فانضمت الى فرقة فوزي منيب أحد نجوم الكوميديا في تلك الفترة وكان يقدم عرضه بالاسكندرية وحققت فرقته أعلى إيرادات حيث وصل إيراد الليلة الواحدة الى أربعمائة جنيه ولكن علي الكسار ذهب اليها بالاسكندرية وتوسل إليها كي تعود للفرقة التي أوشكت على الإفلاس ولم تستطع عقيلة أن ترفض طلبة فاعتذرت لفوزي منيب وعادت مع الكسار الى القاهرة. أيام المجد وتذكر عقيلة راتب في مذكراتها انها مرضت اثناء عملها مع الكسار ودخلت المستشفى لإجراء عملية الزائدة الدودية بعد أن سقطت على خشبة المسرح وبمنتهى الالم تقول أن المستشفى قد امتلأ بباقات الورد ولم تنقطع عنها الزايارات حتى عندما عادت الى المسرح بعد اسبوع ووضعت يدها على الجرح طالبها الجمهور بعدم استكمال العرض خوفاً عليها, أما الان فلم يعد يهم أحداً ان كانت عقيلة مريضة أم لا ولم يعد حتى جرس التليفون يدق مرة واحدة للسؤال عن صحتها باستثناء مرات قليلة ونادرة جداً ولم يعد بجانبها إلا ابنتها أميمة واحفادها. وكما كانت عقيلة راتب نجمة مسرحية خلال سنوات عمرها الأولى فقد قدمت أيضاً لمسرح التليفزيون في الستينات العديد من المسرحيات الشهيرة مثل (حلمك يا شيخ علام) مع أمين الهنيدي و(مطرب العواطف) مع محمد عوض, وكانت ايضاً نجمة سينمائية كبيرة تقاضت أعلى الأجور وكانت سبباً في اكتشاف نجوم كبار مثل محمود المليجي الذي كان كومبارساً ورشحته لدور البطولة في فيلم (الغيرة) , وكذلك عماد حمدي الذي كان يعمل موظفاً في استديو مصر فاسندت له دوراً في فيلم من انتاجها وهو (السوق السوداء) بعدها انهالت عليه أدوار البطولة ليصبح فتى الشاشة الأول, قدمت عقيلة راتب أحد أطول المسلسلات في تاريخ التلفزيون المصري وهو (عادات وتقاليد) الذي استمر على مدى 338 حلقة, كذلك كانت بطلة مسلسل (القاهرة والناس) الشهير وفي الستينات حصلت عقيلة راتب على وسام الدولة من الرئيس الراحل جمال عبدالناصر, كما كرمها الرئيس الراحل أنور السادات في السبعينات وكانت نهاية الثمانيات بداية أفول هذه النجمة الكبيرة. القاهرة ــ هشام علي