بعد كثير من التأخير, وجدت أنشودة (الحلم العربي) طريقها للانتشار في مصر, والأهم من الانتشار في حد ذاته أن معظم جمهورها من الشباب. وهكذا تقف في اشارات المرور فتتصاعد الأغنية من كاسيتات السيارات الواقفة . وقد تكون الأنشودة متوسطة القيمة من الناحية الفنية, ولكن ذلك يزيد من أهمية الظاهرة التي تجعل الشباب الذي تعرض لأبشع حملات غسيل المخ, ولموجات تلو موجات من الاغاني الهابطة.. يتوقف مع نفسه ويحتضن هذا الحلم العربي البعيد. أيضا يزيد من أهمية الظاهرة أن الأغنية لاتذاع في التلفزيون, ومرة واحدة أذيع جزء منها في برنامج للمذيع اللامع حمدي قنديل, ولم تستكمل الأغنية لأسباب خارجة عن إرادته. ويقال إن المبرر هو وجود صورة عبد الناصر. وهو أمر في غاية الغرابة لا يمكن أن يكون نتيجة لسياسة عليا, فالتلفزيون المصري هو الذي أنتج فيلم (ناصر 56) الذي هز مشاعر العالم العربي, وهو الذي أنتج (رأفت الهجان) و(دموع في عيون وقحة) , لكن صغار الموظفين أحيانا يفسدون الأمر, وكبار الموظفين أحيانا يخشون من مسؤولية التصحيح! ما علينا, فالأغنية تملأ شوارع القاهرة وهواءها, وتتسلل بهدوء الى أفئدة الجيل الجديد الذي كنا نظن من كثرة ما كتب عن سلبياته, ومن قسوة ما نعرف من الحملات الموجهة له.. أنه غير مشغول إلا بالـ (كامننا) والـ (ألابنده) و(خد الفلوس وإجري) . وأنا أحب أن أرقب الأحداث من تحت الجلد وليس من تلك المظاهر الخادعة في عالمنا العربي كالأحزاب والانتخابات والبرلمانات. رد فعل الشباب في قرية نائية قد يكون أحد من كل ذلك, أغنية تتردد على شفاة البنات قد تكشف الكثير مما في الصدور, رواية أو قصيدة شعر قد تفتح أمامك الطريق لعالم جديد. وأظن أن الأرض العربية يتم الان حرثها لحصاد جديد. وأن الليل الطويل الذي نعيشه لن يستمر, وأن جيلاً جديدا سوف يفتح لنفسه أبواب الخروج من الأزمة. ومهمتنا الأساسية الان أن نمهد له الطريق, ونزيل العوائق, ونترك أشجار الأمل تنمو وتزدهر. وبعيداً عن السياسة نتكلم, فهذه لها مكانها الآخر وحديثها المختلف, ونترك أنفسنا مع ما يجري من تطورات في كل الساحات تنبىء عن الجديد القادم, أو على الأقل تعلن عن شوقها له. في المسرح أوشكت ظاهرة المسرحيات الهابطة على الانتهاء. وشهد الموسمان الماضيان انصراف الناس عن هذه المسارح التي تعتمد على مضحكاتي وراقصة وعدد من النكات التي يخجل المشاهد منها والتي جعلت العائلات لا تستطيع ارتياد هذه المسارح. وفي السينما سقطت سينما النجوم التي سيطرت عشرين سنة بنفس الوجوه ونفس الأسلوب وحكاية النجم الذي يضرب الجميع وتموت في حبه كل النساء, والنجمة التي تلعب الكاراتيه وتتاجر في الحشيش وتحارب اسرائيل في نفس الوقت, ولم يعد المشاهد يهضم حكاية النجمة التي تصر على لعب دور الفاتنة التي يتصارع عليها الرجال أو طالبة الجامعة الكتكوتة بينما عمليات شد الوجه لا تستطيع أن تخفي ما فعله الزمان بها وبنا. وفي الغناء مل الناس من أغنيات الخبط والصراخ والفيديو كليب الذي يتوهم فيه كل أخنف أنه يستطيع أن يتفوق على مايكل جاكسون ببعض الفتيات الجميلات وبايقاع لا يترك مجالا للمتعه الحقيقية أو الاستمتاع الهادىء. وتتوهم فيه كل فتاة أنها أم كلثوم مادامت تملك أن تشتري لحنا مسروقاً وتخرج الأغنية في التلفزيون, وتجد من ينفق ربع مليون جنيه لإنتاج أغنية ليس فيها إلا تلعيب الحواجب واستعراض الأزياء والراقصات الواردات من روسيا طبقا لمقتضيات النظام العالمي الجديد! وأظن ان السلاح الذي تم استخدامه لترويج هذه (الأصناف) المغشوشة قد ارتد على أصحابها. فالكل كان يسعى للتلفزيون, وعندما عرضت المسرحيات الهابطة أدرك المشاهد مدى تفاهتها, وأصبحت الفضيحة بجلاجل في المحطات الفضائية والأرضية. وعندما تم تخليص الأفلام من المشاهد الجنسية ليمكن عرضها في التلفزيون لم يعد هناك إلا شرائط مهلهلة. وعندما زادت جرعة الأغاني إياها ولم يعد هناك ما يميز بعضها عن البعض الآخر,, وفقدت حكاية (الفيديو كليب) جدتها.. عندما حدث ذلك بدأ الناس ينصرفون عن كل هذه الضجة وعادوا يبحثون عن شىء مختلف, وصحي, وممتع. وهذه هى المشكلة الان, الموجة السائدة والهابطة انتهى مفعولها, ولكن الجديد لم يولد بعد. والبديل الان مسرح يحاول فقط إعادة الاحترام لخشبة المسرح, وسينما مازالت تتلمس الطريق على أيدى جيل جديد من الموهوبين في السيناريو والاخراج والتمثيل, وأغنيات مازالت تولد, فلا تجد الأجيال الجديدة وهى تنتظرها إلا العودة للقديم. وبالأمس كنت في حفل لفرقة الموسيقى العربية التي يقودها المايسترو القدير سليم سحاب, والقاعة ــ رغم ارتفاع الأسعار نوعاً ما ــ لا يوجد بها مقعد خال, والبرنامج من إبداعات زكريا أحمد والسنباطي وعبدالوهاب والموجي وكمال الطويل, والظاهرة الملفتة أن الغالبية العظمى بين الجمهور هى من الشباب الذي يسمع ويستمتع دون أن يهز الوسط أو يدق الأرض, أو يبتذل اللحظة الجميلة. ولعل هذا يفسر أيضا أن مبيعات شرائط أم كلثوم وعبدالحليم تتجاوز كل الحدود, في حين سقطت كل الألبومات الجديدة هذا الموسم رغم ما أنفق عليها. وهو أمر لا يعني أن هناك حالة إفلاس فني, ولكنها حالة من انتظار الجديد الحقيقي والقادم لا محالة رغم الحصار الذي يتعرض له على جبهات كثيرة منها جبهة التلفزيون. وعندما نسمع فنانا جاداً مثل علي الحجار يشكو من الاهمال, ويقول بكل وضوح إن أغانيه لا تذاع بينما تذاع أغنيات من يدعون الرشاوى, فإن الرد على ذلك لا يكون بمقاطعة الحجار نهائياً كما يهدد البعض, وإنما بمناقشة الظاهرة التي فرضتها شركات الكاسيت على العديد من التلفزيونات, والتي أصبحت من خلالها الأغاني تذاع بالواسطة, وتوضع فيها أغنية متواضعة لمطرب أكثر تواضعاً على الخريطة عدة مرات في اليوم, لأنه عرف الطريق ودفع الثمن. وهو ما يفسر الموقف الكوميدي الذي تضع فيه بعض المحطات نفسها عندما تستضيف من يفهم, فيتحدث ويشرح وينتقد ثم يطلب أن تذاع أغنية (ولد الهدى) فتذاع بدلاً منها أغنية لمطربة من الصنف إياه, لأن أم كلثوم ليس لها واسطة. وللمقارنة.. قبل سنوات أصدر (الحجار) ألبوما جميلاً بعنوان (لم الشمل) وسقط الألبوم غدراً, وكان السبب أنه ألبوم سياسي يتحدث عن المصالحة العربية, ويدعو لأن ننتج ما نأكله ونستهلكه بدلا من الاعتماد على الأجنبي في كل شىء من لقمة العيش حتى الفن والثقافة, وكان يردد ببساطة جميلة: عاوز تأكل.. كل من خيرك عاوز تسمع.. اسمع (سيكا) وتمت محاصرة الألبوم, ولم يجد طريقه للاذاعة أو التلفزيون, واختفت أغنياته الجميلة التي كتبها الصديق الشاعر جمال بخيت, ولحنها المبدع فاروق الشرنوبي. المناخ الان يختلف, والوعي يعود ولو ببطء, والجديد قادم مهما كانت الصعب, والشباب يسمع ويغني (الحلم العربي) و(لم الشمل) ويشتاق لسينما جديدة ومسرح جديد, وفي عز الأزمة الشاملة التي يراد لها أن تخنف كل الأحلام العربية, يرتفع من وسط الظلام صوت اليقين يهتف: على صوتك بالغنا لسه الأغاني ممكنة وما أجمل الغناء.. حين يعانق الفجر, ويبشر بالصباح!