كم يصبر كثير من مثقفي العالم العربي على قراءة كثير من كتب من يعجبون بهم من اساطين الثقافة في الشرق والغرب وحفظ اسمائهم وترديدها بغير ملل في كل مجلس او مقهى ثقافي , ان اكثرهم يكادون يحفظون تفاصيل حياة اولئك الاعلام وخصوصا الغربيين منهم ويحفظون تعاليمهم ويقلدون طرائق كلامهم وحتى ملابسهم وقصات شعورهم ولحاهم اذا التحوا, والغريب ان المثقف اذا اعجب برمز غربي او شرقي تروق له دعواه في الادب وان كان ذلك مطلق اللحية اطلق هذا المفتون العربي لحيته تشبها بذلك واسماها حرية وعلامة من علامات الثقافة واذا اطلق سواه لحيته تدينا سمى ذلك ارهابا ورجعية بغير بحث ولا قراءة في فكر هذا المتدين حوار حضاري معه. ولا وعودا على بدء اقول ان مثقفينا العرب واستثني منهم بقية باقية على الخير اقول ان اولئك مجتهدون في حفظ كثير من الاسماء والاعلام واسماء الكتب الغربية منها بالذات ويتخلقون بأخلاق اصحابها ويتمثلون تعاليمهم ويطبقونها احيانا حرفيا ولا يحيدون عنها قيد انملة, وهو ـ اي المثقف منهم ـ , على اهبة دائمة ان يمحو معك ظلمة الليل ويريك شروق الشمس وطلوع الصباح وهو يحدثك عن رمز مذهبه الفكري الذي يعتقد وعن الحريات والحقوق واحترامها والواجبات الانسانية وادائها فإذا اذن مؤذن الفجر بل الظهر بل العصر بل غير تلك الاوقات تلهى عنك ذلك المثقف والذي ان شئت سمه محمدا او عمرا او عبدالرحمن او مباركا او مبروكا او حافظا للذكر او محفوظا او غير ذلك من اسماء الاسلام الذي هو ثقافة عالية قبل ان يكون دينا فحسب (فالثقافة معرفة) المعرفة علم. اذن فالاستقامة على شرائع الاسلام ليست تعبدا صرفا خاليا من العلم الذي هو لب الثقافة بل الاسلام معرفة وثقافة قبل العبادة ولا تنفع العابد عبادة خالية من معرفة حقه بالخالق والمعرفة هنا ليست هي معرفة بعض المتصوفة المدعاة بل هي معرفة اهل السنة الذين فهموا المعرفة للخالق بإنها الاعتراف بوحدانيته ونفي استحقاق العبادة لسواه. ان ذلك العلم العظيم الذي هو معرفة الخالق ومن ثم طاعته والقيام بحقوقه امر مستهان به من قبل كثير من المثقفين في عصرنا هذا وكأن الثقافة عدوة الدين وكأن المثقف يزري به ان يكون ذا دين وذا التزام بل الاشد من ذلك دعاوى عدم جواز الزام المثقف الكاتب والمبدع بالالتزام الديني لان ذلك يحد من امكانيات ابداعه كما زعموا. والامر في حقيقته ليس خشية على تقييد الابداع والحجر عليه ولكنه خوف من التقيد بأوامر ونواه هي للخالق لانها تحرم المثقف من الانطلاق والانقضاض على حريات المجتمع لان تلك القيود على حريات الافراد ما هي في الحقيقة إلا حماية لحريات المجتمع عامة من شذوذ الافراد بعضهم على بعض لو تركوا لشهواتهم ورغباتهم دون امر ونهي, غير ان كثيرا من مثقفينا في عالمنا العربي يعدون ذلك تخلفا ورجعية الى القرون الوسطى فهم ـ وهم المسلمون ابناء المسلمين ـ ازهد الخلق في دينهم وعلومه وتعاليمه ـ لا يعلمون من دينهم ألا انهم مسلمون بالميلاد فهم مثقفون إلا في دينهم, لا يعلمون من القرآن إلا اسمه فاذا قرأوه تلجلجوا واخطأوا ورفعوا المنصوب ونصبوا المرفوع وفخموا المرقق من حروفه ورققوا المفخم وفكوا ادغام المدغوم وادغموا ما لا حاجة الى ادغامه, لاغرو في ذلك فهم مثقفون في غير القرآن وعلومه وفنون قراءته وفهمه ولقد كان احرى بهم وهم المثقفون ان يجتهدوا على الاقل في امعان التعرف على قرآنهم ان لم يكن تدينا فعلى الاقل ادبا وتأدبا بلغة هذا القرآن المعجز الذي شهد له الكافرون ومازال يشهد له غير المسلمين بأنه ارقى النصوص لغة وجمالا وثراء لا يوازيه ثراء وانهم لو اقبلوا على القرآن اقبال متلهف على الاستفادة من لغته وعظمة اسلوبه لجرهم ذلك الى ثقافة عظيمة بدينهم وعلومه التي ليست كعلوم اي دين آخر, ان لعلوم القرآن والاسلام الية معرفة وبحث عالية الجودة بعد ان تعرفه بدينه تعرفه ايضا بعلوم ومباحث جمة عظيمة في اسلوب البحث العلمي في شتى مناحي البحث, من ذلك علم البحث في مصطلح الحديث في السنة الشريفة وهو علم قائم بذاته يدخل الانسان المسلم الباحث في عدة وجوه للمعرفة منها معرفة الرجال من الرواة, وهو ما يمكن تسميته بفن السيرة وآدابها ومنها علم الروايات الحديثة واصطلاحاتها واسماء اول الكتب التي صنفت في هذا الفن الاسلامي الفريد الذي لا يماثله فن وعلم في اي دين آخر ومن ذلك معرفة اسلوب النبي المعجز الجامع الذي آتاه الخالق لنبيه فقال لذلك (أوتيت جوامع الكلم) . ثم ماذا بعد ذلك؟ ان بعد ذلك علوما كثيرة وكبيرة يجر اليها القرآن المثقف اللاهث وراء الثقافة عامة لا شهوات الثقافة منها علم العقيدة والتوحيد وعلم التفسير والمعاني ان كل ذلك لو حصل للمثقف العربي الجاهل بدينه بإقباله على قرآنه لقام يصلي لخالقه شكرا على معرفته بجهله بدينه.