تعتمد امورنا اليومية المعاشة كثيرا على المفارقات من حيث لاندري, فنحن لا نحسب حساب التفاصيل الصغيرة ولا نعيرها اهتماما, ولكن هناك من يتفنن في تحويل تلك التفاصيل التافهة الى ارقام واحصائيات, فيطرح هذا ويجمع ذاك , ويربط هذه المعلومة بتلك ويكوّن منها موضوعا مثيرا يصلح ان يكون قصة خبرية يعتني بها الجميع. ويبدو هذا الفن المثير الذي يعتمد على اقتناص المعلومة وربطها باخرى, يبدو انه لم يجد من يعتني به وينميه او يمنهجه اذا صحت العبارة, ومن هنا نجده مهملا رغم اهميته, وكنت قد مررت بتجربة من هذا النوع حتمت عليّ الابحار طواعية باتجاه المعلومة المضغوطة, التي تنعش القارىء وتجعله حريصا على متابعتها وعدم المرور عليها مرور الكرام, فاستمتعت بها واستفدت منها, لكن ضغوط العمل اليومي سرقت مني تلك المتعة وذاك الاستغراق الجميل مع التفاصيل الصغيرة, فحرمتني لذة الاكتشاف والبحث عما تخبئه النفس احيانا. ولكن من جديد وجدت نفسي لاهثا نحو هذا العشق المخبوء فاقتنص من هنا رقما, ومن هناك سنة ومن هذا وذاك تاريخا محددا يدخل في سياق تلك اللعبة الفكرية اللذيذة. لقد تبين لي كما هو الحال لآخرين غيري ان الملل لا يتخلل من يعشق فن التفاصيل الصغيرة, بل يجد من يحاول البحث والتنقيب في هذا البحر انه امام عوالم اخرى لم يكتشفها بعد, لذلك استميحكم عذرا وابدأ في سرد ما احتوته الارقام والاحداث والاعلام فأرصد تفاصيلها ومفارقاتها المثيرة. من غرائب الواقع السمات المشتركة التي جمعت بين كل من الرئيسين الامريكيين, ابراهام لينكولن وجون كيندي, تلك المفارقات المثيرة التي تجعلنا نضع اكثر من علامة تعجب وراء الاسمين, فقد انتخب الرئيس لينكولن لمجلس الكونجرس في العام 1846, وانتخب كيندي في العام 1946, بينما انتخب لينكولن رئيسا للولايات المتحدة الامريكية عام 1860, وانتخب كيندي رئيس لامريكا عام 1960, وكان لينكولن ابا لولدين هما ادوارد وروبرت قتل منهما ادوارد, وكذلك بالنسبة للرئيس جون كيندي الذي كان ابا لولدين هما روبرت وادوارد قتل منهما روبرت. لقد وصل التشابه المثير في حياة الرئيسين الى درجة الاستغراب, فالارقام والاحداث والمناسبات والمفارقات تجعل منهما حدثا يستحق التوقف والتأمل, وكأن الأيام والأحداث والدقائق التي مرت على لينكولن ارادت ان تقف مائة عام بشكل جبري وتستيقظ من جديد في زمن كيندي, ومن يتأمل يجد ان كلا الرجلين اهتم بالحقوق الانسانية, فقد اهتم ابراهام لينكولن بحقوق الملونين وعمل في سبيل الغاء الرق وتوحيد الشمال والجنوب, ومثله اهتم جون كيندي بالدفاع عن حقوق السود, وكلاهما اغتيل يوم الجمعة بحضور زوجتيهما, فقد اصيب لينكولن في رأسه ومثله جون كيندي, وكلاهما نبه من قبل سكرتيره الخاص, والمثير ان سكرتير لينكولن يدعى كيندي, وسكرتير كيندي يدعى لينكولن وكأنهما يتبادلان الادوار!. وكان الرئيس لينكولن يستخدم سيارة من ماركة فورد, وهي نفس الماركة التي استخدمها كيندي في يوم الاغتيال, ومن يدقق جيدا في الارقام يكتشف ان جون بوث قاتل لينكولن ولد عام 1839, وان قاتل كيندي لي اوسوالد ولد عام 1939, وجاءت المفارقة ان كلا القاتلين يتكون اسمهما من 15 حرفا وكلاهما قتل قبل المحاكمة, والغريب ان لينكولن اغتيل في المسرح ووجدت جثة قاتله في المخزن, بينا اصيب جون كيندي بطلقة صادرة من المخزن, ووجدت جثة قاتله بالمسرح واخيرا تشير تلك التفاصيل الصغيرة في شكلها والمثيرة في معناها الى ان القاتلين كانا من الجنوب, وان اهل الجنوب بالذات كانوا وراء نجاح الرئيسين للوصول الى سدة الرئاسة الامريكية. وبعيدا عن لينكولن وكيندي اقول ان من يدقق في الارقام والاحداث يجد تفاصيل اخرى, فمثلا يتسيد الرقم 69 احداث الاكتشافات الانسانية, فقد اكتشف العالم جيمس واط في العام 1669 القوة البخارية وفي العام 1869 اكتشف اديسون الكهرباء, وفي نفس العام استخدم الفرنسي جوزيف رافيل البترول كوقود للسيارات لاول مرة في تاريخ البشرية, كما تم في نفس العام نشر الجدول الدوري للعناصر بواسطة الكيميائي الروسي ديمتري مندلييف, وهو الجدول الذي رتبت فيه العناصر وفقا لتكوينها الذري, وفي نفس العام ايضا اقيم مهرجان ضخم لتدشين قناة السويس, فسار في طليعة السفن التي مخرت مياهها اليخت الامبراطوري الفرنسي (ايجل) . اما العام 1969 فقد شهد نزول اول انسان على سطح القمر هو آرمسترونج وقد وضع لوحة الى جانب راية بلاده كتب عليها (جئنا الى القمر باسم الانسانية جمعاء) . عموما من يحاول ان يلعب تلك اللعبة المثيرة يكتشف اهمية تلك التفاصيل الصغيرة في رسم صور اخرى لعوالم مثيرة, فهل حاولتم الدخول من ابواب تلك التفاصيل.