بالرغم من ان معظم أمراض العصر ناجمة عن زيادة نسبة التلوث البيئي بالكيمائيات والمواد المشعة والميكروبات, إلا ان هناك أمراضا يسببها نوع آخر من التلوث, وهو التلوث السمعي , ولقد واكب هذا النوع من التلوث الأنواع الأخرى, ومن جراء ذلك ارتفعت نسبة الاصابة بأمراض السمع في هذا العصر بسبب التقدم الصناعي المذهل والتقدم في سبل المواصلات بالاضافة إلى الزيادة الكبيرة في اعداد السكان في كثير من دول العالم وما ينجم عن ذلك من ضجيج, وما يؤكد دور التقدم الصناعي في زيادة أمراض الجهاز السمعي ارتفاع نسبة الاصابة بهذه الأمراض بين عمال المصانع بسبب الضجيج الصادر عن الأجهزة, كما ترتفع هذه النسبة بين العمال المعرضين للأصوات المزعجة الصادرة من المحركات وأصوات المركبات والطائرات وغيرها. وحول الضوضاء وأمراض السمع تناول هذا الموضوع د. عز الدين الدنشاري ود. عبدالله البكيري في كتابتهما أمراض العصر الصادر عن مكتب التربية العربي لدول الخليج. فالضوضاء وفقا لما تشير إليه الدراسات تؤثر في صحة الانسان النفسية والعصبية والبدنية, بالاضافة إلى أثرها السلبي في علاقات الانسان الاجتماعية وطاقته وانتاجه , ولذلك اهتمت العديد من الدول بمعالجة مشكلة الضوضاء التي تضيف إلى المجتمع أمراضا فوق الأمراض الناجمة عن تلوث الهواء والماء والغذاء. ولا يقتصر أثر الضوضاء على الازعاج الذي تسببه للانسان بل يمتد الأثر ليشمل حالته النفسية والحسية والعصبية والعضوية, فهي تؤثر تأثيرا سلبيا في الطاقات الفكرية والابداعية والانتاجية لمخ الانسان بالاضافة إلى انها تعتبر من أهم أسباب أمراض العصر, كأمراض القلب والشرايين والأورام وأمراض نقص المناعة. وأثبتت الدراسات ان الاذن لها طاقة محددة لاستقبال الموجات الصوتية, فإذا زاد تردد هذه الأصوات عن حد معين فإن هذا يؤدي إلى حدوث تلف في الأجهزة السمعية بالأذن وحينما تتعرض الأجهزة السمعية للضجيج بصفة مستمرة فإن هذا يسبب في بادئ الأمر عجزا طفيفا في عملية السمع يستطيع الاختصاصيون قياسه بواسطة أجهزة حساسة, ثم تزداد شدة العجز السمعي تدريجيا حتى يفقد المريض حاسة السمع ويصاب بالصمم, ولقد دلت نتائج الدراسات الطبية التي اجريت في الولايات المتحدة الامريكية على ان اكثر من ثلاثين مليون فرد يشكون من اضطرابات السمع والصمم بسبب الضوضاء الناجمة عن حركة الطائرات والقطارات والسيارات بالاضافة الى الاصوات الصادرة من اجهزة الراديو والتلفزيون واجهزة التكييف وغيرها. وتجدر الاشارة الى ان كثيرا من اصحاب المصانع في امريكا يدفعون ملايين الدولارات سنويا كتعويض للعمال الذين اصيبوا بامراض السمع بسبب ضوضاء المصانع. وبالاضافة الى امراض السمع وهي الامراض التي تصيب الانسان بسبب الضوضاء هناك قائمة من الامراض قد يصاب بها الافراد المعرضون تعرضا مستمرا للضجيج مثل امراض القلب والامراض النفسية والامراض العقلية وامراض الاجنة. وبمتابعة الدراسات التي اجريت في نطاق اثر الضوضاء على صحة الانسان يتضح ان هناك قائمة طويلة من الامراض التي تنشأ بسبب حدوث زيادة في افراز بعض الهرمونات وبخاصة هرمون الادرينالين وهرمون الكورتزون وذلك على اثر التعرض للضوضاء فالزيادة في افراز هرمون الادرينالين تسبب حدوث التصلب في الشرايين وارتفاع الكولسترول وسكر الدم, كما تسبب هذه الزيادة ارتفاع ضغط الدم واضطرابات القلب, وتسبب زيادة افراز الكورتزون تدني مقاومة الجسم للامراض الميكروبية والفيروسية وقد تؤثر الضوضاء تأثيرا سلبيا في قدرة العامل او الموظف وفي انتاجه البدني والفكري, كما تؤثر سلبا في مدى علاقته بزملائه وبالعملاء ايضا او قد تتوتر اعصاب العامل او الموظف سبب التعرض للضوضاء وتعتمد شدة هذا التوتر على حجم الضوضاء وطول الفترة الزمنية. وبينت الدراسات التي اجريت في مجال تأثير الضوضاء في صحة الانسان العصبية والعقلية ان نسبة الاصابات العصبية ترتفع في الافراد المعرضين للضوضاء وذلك مقارنة بالافراد الذين يتمتعون بحياة هادئة. ولقد اوصت بعض الدراسات ان هناك علاقة بين اصابة الانسان بالصمم وارتفاع نسبة الاصابة بالامراض العقلية حيث تبين ان المرضى المسنين المصابين بالصمم يحتمل اصابتهم بحالات جنون العظمة كما يؤدي الصمم الى الاصابة بامراض عقلية اخرى في الشباب ومن مضاعفات الصمم الذي يصيب الانسان في سن الطفولة او في مقتبل العمر حدوث تغيرات ملحوظة في اسلوب ونمط حياة الشخص المصاب بالصمم وبخاصة زيادة الشعور بالعزلة ومما يزيد من الشعور بهذه العزلة ان زملاء المريض الاصم لايعطفون عليه مثلما يعطفون على المريض الاعمى. واثبتت التجارب التي اجريت على حيوانات التجربة ان المؤثرات السمعية كالضجيج الصادر من اصوات الاجراس والسيارات والقطارات يترتب عليها سوء تكوين واضح في اعضاء اجنة الحيوانات, وذلك اذا تعرضت الامهات للضجيج خلال مرحلة الحمل الاولى وهي المرحلة التي يتكون فيها الجنين, واذا كانت المؤثرات السمعية المزعجة تلحق الضرر بالجنين فان سماع الاصوات الجميلة والنغمات الهادئة يساعد على تنمية العصب السمعي وخلايا المخ للجنين, ولذلك ينبغي على الحامل ان تتجنب سماع الاصوات الصاخبة والمزعجة, كما يجب على الحامل عدم التعرض للاضواء الشديدة لانها قد تسبب اضطرابات في تكوين الجنين.