لا يمكن لأحد ان يحصي عدد (الدنجوانيين أو الدنجوانيات) في أي مجتمع ومعرفة هل هم في تزايد أم نقصان . أما سمات هذه الشخصية, فقد استطاع علماء النفس أن يقدموا لنا بعضا منها, وان كان العرب قد أشاروا إلى (الدنجوانية) ووصفوا حالتهم منذ مئات السنين, ولكن تحت مفهوم آخر, ونحن في مجتمعاتنا العربية كثيرا ما نتحدث عن الرجل (الدنجوان) , ونرصد سماته , ولكن لم يتحدث أحد بعد عن (المرأة الدنجوانة) , وكأن هذه الصفة لصيقة بالرجل, ونحن هنا نرسم ملامح هذه الشخصية, ونرصد الظاهرة ونستدعي من التاريخ والتراث ما يؤكد ذلك. الدنجوانية شيء واحد يجمع بين الرجل والمرأة في هذه الصفة, فالرجل يستنكر ان يعيش طوال حياته مع امرأة واحدة, ويظل كلاهما يغامر ويبحث ويحب, وفي كل مرة يختلف عطاؤه عما سبقها من مرات و(المرأة الدنجوانية) يمكن ان تعرف أكثر من رجل في وقت واحد توزع حبها عليهم, ولكنها في الحقيقة تتسم بالزيف وتعشق التجريب والتغيير, ومن ثم تسعى لجمع أكبر عدد من الرجال في وقت واحد. أما الرجل الدنجوان فهو شخص مغامر, قلق, يعشق التغيير, ويحب الحب, يشعر بالسعادة خلال محاولاته للايقاع بالمرأة. وعلينا ان نميز بين الدنجوان وزير النساء الذي تتيح له ظروفه لأن يستمتع بالحب وقتما يشاء, ولا يمكن للدنجوان ان يتصف بهذا التبلد, هو دائما مرهف الشعور, لا يريد ان تأتيه المرأة طائعة خاضعة, إنما تأتيه نتيجة انتصار حقيقي يحرزه هو, وهذه هي قصته, وهذا ما أكده ابن المقفع وهي (ان غاية الدنجوان هي مجرد امتلاك المرأة الحسناء, وفي ظنه الخادع ان المجهولات أعظم جمالا وفتنة مما ظفر بهن من النساء, وان حبه لا يحيا وينتعش إلا في وجه التحديات والمفاجآت والأزمات .. الحضور والغياب, بين التمنع والقبول. ويؤكد أساتذة الطب النفسي انه ما من شخصية تهز قلوب النساء, وتأسر عقول الرجال مثل (الدنجوانية) على الرغم من انه عديم الوفاء, وبالرغم من قسمه الدائم بالوفاء.. إلا انه كذلك يقف موقفا معاديا للقيم والمبادىء الزوجية. دنجوان طوق الحمامة وفي أكثر الكتب حديثا عن الحب قال ابن حزم الأندلسي في وصفه للشخصية الدنجوانية في كتابه الشهير (طوق الحمامة في الألفة والإلافة): (أهل هذا الطبع أسرع الخلق محبة, وأقلهم صبرا على المحبوب, وانقلابهم على الود على قدر سرعتهم إليه, فلا تثق بملول, ولا تشغل به نفسك, ولا تعنها بالرجاء من وفائه, فإن دفعت إلى محبته ضرورة فعده ابن ساعته, واستأنفه كل حين من أحيانه بحسب ما تراه من تلونه) . وحين يرى الدنجوان ضالته: (فلا يصبر عنها, ويحيق به من الهم ما يكاد ان يأتي عليه حتى يملكها, ولو حال دون ذلك شوك القتاد, فإذا أيقن بتصيرها إليه غدت المحبة نفارا,و ذلك الأنس شرودا, والقلق إليها قلقا منها, ونزاعه نحوها نزاعا عنها..) . دنجوان موليير وجاء على لسان الدنجوان نفسه في أروع مسرحية رسمت الشخصية الدنجوانية للكاتب الفرنسي موليير حين قال شارحا طبيعة الدنجوان وحياته وقيمها وواجباتها: (ماذا؟ تريد ان نتقيد بأول حب, وننقطع إليه رافضين من أجله العالم, ولا نعود ننظر إلى أي انسان آخر في الدنيا بسببه؟ جميل منا ان نتباهى بهذا الشرف المزيف, شرف ان نكون أوفياء فندفن أنفسنا إلى الأبد في حب واحد, يقتل فينا منذ الشباب كل ميل في الاستجابة لأنواع الجمال المختلفة التي نقع عليها , كلا.. , كلا الثبات لا يناسب إلا البسطاء والحمقى وحدهم, فمن حق كل امرأة جميلة ان تفتنا, كما ان مصادفة التقائنا بواحدة منهن قبل غيرها لا تجرد الأخريات من حقهن في غزو قلوبنا) . وتحدث الدنجوان عن نفسه قائلا: (أما بالنسبة لي فإن الجمال يهزني, ويسحرني أنى رأيته فاستسلم بسهولة لقوته الحلوة التي تجذبنا نحوه, ان الحب الذي اكنه لامرأة جميلة لا يجعل قلبي أبدا قادرا على الاجحاف بحق أخريات ترى عيني مزاياهن, واندفع لاقدم لهن ما تفرضه علينا الطبيعة من اتاوة وولاء نحوهن, ومهما يكن من أمر, فأنا لا أستطيع أن أصد قلبي عن أي مخلوق جميل أراه, وحين يطلبه مني الوجه الجميل أتمنى لو كان لدي ألف قلب لأقدمها له, ان لنزعات النفس المتصاعدة سحرها الذي لا يفسر, ولذات الحب تكمن كلها في التغيير والتنويع, لا شك ان واحدنا لا يتذوق متعة ما بعدها متعة, في التغلب على قلب شابة جميلة بالخضوع لها وفي تأمل التقدم البطيء الذي يحرزه يوما بعد يوم في هذا الاتجاه, وفي مقاومة حيائها البرىء بالدموع والتنهدات والافتتان, الذي يستصعب التغلب على نفسه كما يجد متعة عظيمة حقا في تخطي العقبات التي تنثرها في طريقه واحدة تلو الأخرى, وفي الانتصار على الوساوس التي تتمسك بها. وبعد فتنة هذا الهيام, ونرقد في سكون هذا الحب.. أشعر ان قلبي مخلوق لكي أحب العالم كله, وأرغب كما رغب الاسكندر في ان توجد عوالم أخرى لكي أتمكن من ان انقل إليها فتوحاتي الغرامية) . المرأة الهيستيرية ويرى اساتذة الطب النفسي ان المرأة الدنجوانة تمتلك نفس مواصفات الرجل الدنجوان, فهي تعطي الشخص كلاما براقا, ودائما يمس أعماقه ويشعر انه محور اهتمامها, وهذا مفهوم صادق تماما في الرسالة التي وصلته منها, وهنا يقترب منها الرجل, وبمجرد اقترابه تكرهه وهذا ما يسمى بالشخصية الهستيرية, وهذه المرأة لديها مواصفات جذابة, وتمتلك أدوات تستخدمها في الايقاع بالرجل والرجل ذاته أبعد ما يكون لديها, فهي لا تطلب غير الحب, وهي تثير الاهتمام حولها في كل مجال ومكان مما يسبب غيرة شديدة عليها بالرغم من تأكد الآخر انها ليست من هذا النوع السهل, وآخر يرى انها امرأة ثلجية كما قال آرثر ميلر عن مارلين مونرو بعد طلاقهما. دنجوانة الجاحظ وبما ان الشخصية الدنجوانية ليست وقفا على الرجال, فقد جاءت الكتب العربية حافلة بأقاصيص نساء كن على جانب كبير من الثقافة والفتنة والذكاء, يتحدثن عن مغامراتهن الغرامية. وفي رسالته (فن القيان) قدم لنا الجاحظ وصفا رسم فيه شخصية (الدنجوانة) فقال: (لا تكاد تخالص في عشقها, ولا تناصح في ودها لأنها مكتسبة ومحيولة على نصب الحبالة والشرك للمتربصين ليقعوا في أنشوطتها, فإذا شاهدها المشاهد رامته باللحظ, وداعبته بالتبسم وغازلته في أشعار الغناء, ولهجت باقتراحاته, وأظهرت الشوق إلى طول مكثه, والصبابة لسرعة عودته والحزن لفراقه, فإذا أحست بأن سحرها قد تقلب فيه, وانه قد تغلغل في الشرك, تزيد فيما كانت قد سرعت فيه, وأوهمته ان الذي بها أكثر مما به منها, ثم كاتبته تشكو إليه هواها, وتقسم له انها مدت الدواة بدمعها, وبلت الحساء بريقها, وانه شجوها في فكرتها وضميرها في ليلها ونهارها, وأنها لا تريد سواه, ولا تؤثر أحدا على هواه, ولا تنوي انحرافا عنه...) . وأكد الجاحظ على خفة الدنجوانة ومرونتها, وقدرتها على مغازلة أربعة رجال في آن واحد, والفوز بقلب كل واحد منهم وكأنه حبيبها الأوحد, فيصفها قائلا: (أكثر أمرها قلة المناصحة, واستعمال الغدر وسيلة في استنطاق ما يحويه المربوط, والانتقال لغيره,وربما اجتمع عندها من مربوطيها ثلاثة أو أربعة على أنهم يتحامون الاجتماع, ويتغايرون على الالتقاء فتبكي لواحد بعين, وتضحك للآخر بالعين الأخرى, وتغمز هذا بذاك, وتعطي واحدا سرها, والآخر علانيتها, وتوهم أنها له دون الآخر, وانها تظهر خلاف ضميرها, وتكتب لهم عند الانصراف كتبا على نسخة واحدة, تذكر لكل واحد منهم تبرمها بالباقين, وحرصها على الخلوة به دونهم. والمرأة هنا تتصف بالتقلب السريع, والاستجابة المباشرة للمثيرات العاطفية والغرامية المحيطة بها, بهدف ابقاء الحب. الدنجوان عديم الوفاء والشخصية الدنجوانية تريد دائما ان يظل العشق متوهجا متقدا وفي محاولات مستمرة للبقاء بهذا الحب والبحث عن كل ما هو جديد ليدعم هذا الحب, وفي سبيل ذلك يرفض الدنجوان العلاقات العاطفية الدائمة, ويرفض مؤسسة الزواج المستقرة, بالرغم من وعوده وايمانه الغليظة بالزواج لما يتبعه من سأم وملل في الحب, فهو دائما يريد ان يشعر انه في مغامرة عاطفية, وفي كل مرة يلجأ إلى التنويع والتبديل في علاقاته, كما وصف ابن حزم الدنجوانة بأن انقلابها على الود بقدر تسرعها إليها. وكما ينفض الدنجوان يده من شريعة الامتداد نجد لابن المقفع في كتابه (الأدب الكبير) نصا واضحا عن نظرة شريعة الامتداد إلى الشخصية الدنجوانية, فقال: (اعلم ان من ارفع الأمور في الدين أنهكها للجسد, وأتلفها للمال وأضرها بالعقل, وأنداها للمروءة, وأسرعها في ذهاب الجلالة والوقار.. الغرام بالنساء) . وهذا يعني ان الدنجوان لا يقيم وزنا للدين ولا يهتم بتوفير المال.