حظ القرد في التاريخ انه نال وصف الاقبح شكلا, فنقول عندما نبالغ في الثناء على إخلاص انسان ما, انه كالكلب في وفائه, وعن الغباء انه كالحمار, والقوة انه اسد, والمكر والدهاء انه مثل الثعلب, وفي القبح انه كالقرد . وهذا القبيح مشكلتنا معه نحن البشر, انه اقرب الحيوانات لنا, لهذا تعمد المختبرات العلمية إلى اجراء التجارب والاكتشافات عليه قبل الحكم على جدواها وصلاحيتها للانسان, وبعيدا عن النظرية (الداروينية) في اصل الانواع, فان تقريرا للجمعية العالمية لحماية الحيوانات يؤكد ان القرود لها قدرات ذكاء عالية وتملك القدرة على المعاناة العاطفية والحزن, وانها ــ اي القرود ــ تتطابق بنسبة 97% جنينيا مع الانسان, وتشاركه في 98.4% من مكوناته الجسمانية والخاصة بالخلايا, وان هذا القرد بالاضافة إلى انه ذكي, فله شخصيته الخاصة ويعي ما حوله وقادر على تشكيل روابط عاطفية عميقة ويملك قدرات لغوية اساسية. ماذا ينقص القرد لكي يتحول إلى انسان؟, لم يحدد التقرير (القردي) سببا يمنع ذلك, واجد للقرد في ذاكرتي بقايا صور قديمة تحمل اوصافا متناقضة لهذا الحيوان, فمنظره يثير الفرح عند الاطفال تحديدا, لانه يعني التسلية, والضحك بالحركات والمواقف الطريفة التي يصطنعها, ولكنه يملك طبيعة الغدر, فمهما احسنت اليه واقتربت منه, وقضيت معه وقتا طويلا واشعرته انه جزء من بيئتك المحيطة والمقربة منك, فانه في لحظة قد ينسى هذه العشرة وينقلب عليك, والقرد ايضا مزاجي, فعنده لحظات ونس وايضا ساعات غضب وزعل, اتذكر في الطفولة اننا كنا نلتقيه جالسا على هامات النخيل, ويكون كريما معنا عندما ينفض عذق النخلة الموغل في البعد وبين الاشواك, فيتساقط مافيه من رطب ناضج أو على وشك, ونتسارع لجمعه شاكرين للقرد فعلته, وقد نأتيه في اليوم التالي, وفي المكان نفسه, ونطلب منه الكرم, فيتجاهلنا وكأننا لم نتصاحب معه في الايام الماضية, بل قد يقترب من شجرة المانجا ويرمينا بثمارها التي لم تنضج والتي اذا اصابت احدنا فانها بالتأكيد ستؤلمه وقد تجرحه. التقيت القرد بعد ذلك في حدائق عديدة للحيوانات بمختلف مناطق العالم لكنه كان دائما مقيدا بقفص حديدي, شاهدته لاول مرة على الطبيعة وعن قرب, بمرتفع جبلي عند رأس الرجاء الصالح, كنا في شارع ضيق متعرج على ارتفاع شاهق نحاول الوصول إلى نقطة النهاية, واذا بسائق الباص يقف فجأة في منتصف رحلة الصعود, اصابنا الخوف من هذا الوقوف وفي هذا المكان, فوقوع حادث عند هذه النقطة يعني نهاية مأساوية للطرفين, فنحن على حافة الجبل وفي نقطة مرتفعة منه وتحتنا غابة كثيفة يصعب دخولها. سائق الباص اشار إلى قطيع من القرود يجلس في منتصف الطريق, وافراد منه على اغصان الاشجار وجماعة تتحرك جيئة وذهابا بين الشارع الاسفلتي الاسود والغابة الخضراء, مجموعة من القرود الصغار كادت ان تدفننا عند نهاية العالم. تذكرت القرد, واخترته موضوعا للاستراحة, وانا اقرأ تقريرا نشر قبل ايام عن بدء حملة عالمية يقودها علماء ومثقفون من اجل منح القرود حقوقا قانونية دولية مشابهة لحقوق الانسان في اطار اتفاقية دولية لحقوق القرود. الحملة التي حصلت على دعم 38 من العلماء والمحامين والفلاسفة تأمل ان تحقق انتصارها الاول في الاسابيع المقبلة من خلال اقتراع برلمان نيوزيلندا على قانون حقوق الحيوان مما سيجعل المنطقة القطبية اول دولة في العالم تمنح القرود وضعا قانونيا مشابها لوضع الانسان. هذه الحملة العالمية تهدف إلى اقناع الامم المتحدة باصدار (الاعلان العالمي لحقوق القرود) ويتألف مشروع الاعلان المأمول من عدة نقاط اولها: حق القرد في الحياة, حقه في عدم التعرض إلى معاملة لئيمة أو مذلة, حقه في عدم استخدامه في تجارب علمية لا تجرى على الانسان, وحقه في الحرية وعدم السجن من دون عملية قضائية مكتملة وعادلة. المعارضون لهذه الحملة يقولون انها سطحية, ولا تدخل العقل, فالقرود من اين لها العقل لكي نعطيها ونطالب لها بمثل هذه الحقوق الكبيرة. فمثلا اذا قتل قرد مثيله في الغابة, هل نستأجر فريق محامين للبحث في القضية, ويقولون كذلك ان الحقوق تستدعي واجبات, فكيف تشرح للقرد مسؤولياته مثلا! زمن عجيب ننشغل فيه بالبحث عن حقوق القرود, الانسان .. أولى.