تساءلت بيني وبين نفسي وأنا أستدعي الذاكرة متعمدا لماذا يقدم البعض على كبح انفعالاته اليومية مجبراً, ولماذا يتركها آخرون هكذا دون أي اهتمام؟يبدو أن هذا السؤال المثير اندفع هكذا وأنا اتذكر كلبي(محراك)اللذين تتجاوز شهرتهما الكلاب المنقطة101التي أصبحت فيلما سينمائيا مثيراً يعشقه جميع الاطفال والكبار أيضاً . وحتى لا أسهب أشير إلى أن للكلاب استخدامات كثيرة, فهي للحراسة, والكشف عن الجريمة, وعن المخدرات والمتفجرات لما تتمتع به من حاسة شم قوية تفوق غيرها من الحيوانات, وهناك من يستخدمها للصيد, ككلاب السلق, وهي ايضا تستعمل كوسيلة من وسائل التعذيب في الدول التي لاتراعي حقوق الانسان مثل اسرائىل وبعض الدول التي تشابهها في عدم احترام آدمية الانسان. من الناس من يستخدم الكلاب للزينة والتربية في المنازل فتصبح جزءاً من الاسرة ومكوناتها, تلازمها في حلها وترحالها وخاصة الأسر الأجنبية.. فلا يكاد يخلو الكرسي الخلفي للسيارة في الدول الغربية من مظهر (بوبي) ــ اسم الدلع ــ وهو يحرك رأسه شرقا وغربا, ولله في خلقه شؤون. .. الا أن كلبي (محراك) من نوع آخر فهما يعملان ويشتغلان بالسياسة قبل أربعين عاماً مضت.. وكان لهما في ذلك مآرب أخرى! .. محراك كان يسهر على تربية كلبين يعتني بهما أشد العناية. إطعاماً ورعاية يفوقان قدرته وامكاناته الذاتية في ذلك الزمن بطريقة لم يكن يعامل بها حتى بعض اصدقائه. قد تتساءل عزيزي القاريء مَنْ محراك هذا الذي دخل دون استئذان في ثنايا الكلمات متسللا؟ .. محراك اسم مستعار لشخص يدعى سعيد, وهو من إمارة الشارقة.. والناس الذين يذكرونه جيداً أيام الانجليز يقولون انه (خبله) أي مجنون ومخه تعبان! ولكن في بعض الاحيان يصبح للجنون فنون.. فمحراك كان مشهورا لدى عامة الناس.. بارتدائه (اليونوفورم) الكاكي والغترة والعقال, يزّين صدره بنياشين اخترعها وحده أضفاها ومنحها لنفسه.. ولا نعرف ما هي الرتبة التي ابتدعها لسيادته..!! محراك كان يستخدم كلبين للدعاية والاعلان, فهو يهوى السياسة وتهز مشاعره الخطب الرنانة التي كان يستمع اليها من راديو قديم (عتيق) ماركة (سيرا) يتابع من خلاله الأخبار والتقارير السياسية عبر اذاعتي لندن وصوت العرب واذاعات اخرى, وكان محراك كغيره من المواطنين في ذاك الوقت شديد التعلق بخطب عبدالناصر, كان اكثر الناس تفاعلا مع اطروحات (الزعيم) ليس بترديدها أو التصفيق لها, أو المشاركة في المظاهرات للاعراب عن تأييدها, ولكن لمحراك اسلوبه الخاص المتفرد للتعبير عما يجري على الساحة السياسية, والتعليق على تلك الاطروحات بطريقته الخاصة.. فكيف كان ذلك؟ عندما كان يلقي (الزعيم) خطبه النارية التي كانت تلهب أفئدة الجماهير من المحيط إلى الخليج, بحسب المزاج (المود) والموقف السياسي للزعيم تنعكس تلك الخطب والانفعالات على كلبي محراك!. ان انعكاس الحالة المزاجية للزعيم كانت تؤثر على محراك الذي كان يعمل صامتا فهو لا ينام الليل ويسهر ليكتب على جانبي كلبيه (يافطات) بخط كبير أسماء المشتومين من الزعماء ويطوف بالكلبين في الاسواق حتى يشاهدها الناس الذين فاتهم الاستماع الى خطاب (الزعيم) !! والحاضر يبلغ الغائب. لقد كان الناس يعرفون من خلال تلك اليافطات المتنقلة الموقف السياسي في الليلة السابقة.. فعندما يقول (الزعيم) ان فلانا خائن, أصبح الناس في اليوم الثاني يقرأون اسم ذلك الرجل بالخط العريض على أحد كلبي محراك. ومحراك بذلك لم يكن سهلا أو ساذجا كما اعتقد بعض الناس ولا ندري بالمناسبة من أطلق عليه ذاك اللقب الذي يدل على التفرد, فمحراك أول من تنبأ بـ (الموبايل) الهاتف المتحرك الذي نستخدمه الآن, لأنه كثيرا ما كان يشاهد وهو يطوف بالشوارع واضعاً يده بجانب اذنه ويصرخ بأعلى صوته (آلو.. آلو) مثلما نشاهد مستخدمي الموبايل هذه الأيام يكلمون أنفسهم ليرفع كل منهم يداً ويخفض الأخرى, عندما فعل ذلك محراك منذ اربعين عاما قالوا عنه (مجنون ومخبول وبيكلم نفسه) !! .. ولا أعرف حقيقة ما معنى (محراك) الاسم الحركي لسعيد ولكن الناس هنا كثيراً ما كانوا (يتنابزون بالألقاب) وعرفوا الأسماء الحركية كثيراً قبل ان تصلهم عبر وسائل الاعلام الحديثة التي عرّفتهم بألقاب من قبيل أبو اياد وأبو جهاد وأبو نضال! .. الشاهد ان صاحبنا (محراك) ربما لم يكن (خبله) مثلما نقول بل كان شيئاً ما وعلم ذلك عند ربي. لم يكن سهلاً أو ساذجاً كما كان يعتقد بسطاء الناس, والا ما تفسير تلك الشعارات التي كان يكتبها محراك على كلبيه كلما صرح (الزعيم) بشتيمة؟ في زمانه وقبل أربعين عاما كان محراك لا يشاهد التلفزيون ولا يعرف الستالايت أو القنوات الفضائية ولا حتى (الاتجاه المعاكس) , ولو امتد العمر بمحراك الذي كانت نهايته على يد سائق متهور ألزمه المستشفى حتى فارق الحياة.. وهو الأمر الذي لانعرف دوافعه, نقول لو أمتد العمر بمحراك لرأى العجب أو ربما نحن الذين كنا سنرى العجب من شطحاته وتقليعاته ونوادره واختراعاته الاعلامية والكلابية.. التي اثارت اعجاب أهل زمانه. وكانت محل تندر وتفكه جعلت منه (خبله) أو مجنوناً. ويبقى في النهاية ان نتساءل.. هل كان محراك حقاً (خبله) أم أنه كان عبقريا سبق زمانه وأوانه؟!