يرجع شيوع اصطلاح (الأدب القومي) إلى العشرينات من هذا القرن, وتبلور معناه الاستهلالي قبل ذلك بقليل, ضمن عملية متصلة متصاعدة من تأسيس مفاهيم جديدة ارتبطت بيقظة الوعي الوطني , ولم يكن هناك فارق جذري بين الوعي الوطني والقومي في هذه المرحلة, فالوعي الثاني هو الأول والأول هو الثاني في مقاومة المحتل الذي يهدد الذات الوطنية القومية في الوقت نفسه, ولذلك كان تأصيل مفهوم الأدب القومي, في مصر على الأقل, قرين العملية التي استمدت دوافعها من يقظة الوعي المناهض للاستعمار, ووجدت في انفجار الشعور الوطني مع ثورة 1919 ما ساعد على بلورتها وتحديد مسارها, وكان من نتيجة ذلك ان اكتسبت الهوية الوطنية المزيد من المعرفة بعمقها التاريخي في الزمان مع الاكتشافات المتزايدة لمصر الفرعونية, خصوصا بعد ان اكتمل هيكل الجامعة المصرية التي افتتحت في نهاية سنة 1908, وأخذت في تخريج أجيال جديدة واعية بحضورها الوطني في التاريخ وبالتاريخ. هكذا أصبح الحلم الابداعي في صياغة أدب وطني (قومي) يعكس أماني الأمة ويصور حضورها الخاص في الزمان والمكان, كما أصبح حلما يوازي الحلم الفكري بتأصيل هذا الأدب في عمقه الحضاري وامتداده التاريخي, ويعني ذلك ان معنى الأدب القومي أخذ ينطوي على دلالتين منذ نشأته, الدلالة الأولى قرينة المسعى الابداعي الذي قصد إلى انشاء أعمال أدبية تصوغ وجدان الأمة, وتلتقط خصوصية اللحظة التاريخية التي تعانيها, مستوعبة ميراث الماضي الذي تأصلت به وفيه, والدلالة الثانية قرينة الدرس المنهجي المصاحب لهذا المسعى الابداعي, والموازي له, سواء على مستوى متابعة انجازات الحاضر أو تسليط الأضواء على الابداعات المتواصلة والمتصلة بخصوصيتها في الماضي, ولم تكن دائرة الدلالة الأولى منفصلة تماما عن دائرة الدلالة الثانية, فالدعاة إلى الأدب القومي من أمثال محمد حسين هيكل على وجه التحديد سعوا إلى أن يجسدوا بابداعهم ما قد يصلح لأن يكون مثالا على الأدب القومي الذي حلموا به, وذلك في الوقت الذي حاولوا القاء الضوء على جذور هذا الأدب في الماضي, كما ألحوا على أهمية دراسته وتأصيله, وكان السبيل المنطقي إلى ذلك تأكيد دور الجامعة في ابراز ابداعات الأدب القومي إلى الوجود, وافرادها بالدرس المتعمق الذي يبرز خصوصية الأمة الابداعية, ويبين تفردها بين الأمم في تاريخها الممتد. وقد تخلقت حماسة جيل هيكل الذي انتدب نفسه لهذه المهمة الفكرية داخل سياق تشكل الوعي بالهوية الأدبية, في علاقتها بالآخر المشتبك مع نقائض الهوية الوطنية وفي سياق من الأفكار الوضعية التي أكدتها دراسة الكثير من أبناء هذا الجيل في فرنسا, خصوصا الأفكار التي أبرزت معنى الوسط الاجتماعي, وردت كل شيء في الطبيعة والانسان إلى قوانين حتمية في علائقها السببية ولن أتباعد عن الحقيقة التاريخية كثيرا لو قلت ان هذه الأفكار اتخذت شكل الجبرية الاجتماعية في فلسفة أوجست كونت (1798 ـ 1857) وشكل الجبرية الأدبية في نقد هيبوليت تين (1828 ـ 1892) الذي ألح على ان الآداب والفنون ثمرة طبيعية لتفاعل الجنس والبيئة واللحظة الزمنية للعصر. وإذا استرجعنا كتابات جيل محمد حسين هيكل, وأقرانه من أمثال أحمد ضيف ومصطفى عبد الرازق وعبد الحميد حمدي وعباس محمود العقاد وغيرهم, وجدنا أن تخلق مفهوم الأدب القومي في ذهن هؤلاء تحدد نتيجة استجابات ثلاث على وجه التحديد, أولا: الاستجابة الوطنية إلى الحضور العدائي المستفز للآخر المستعمر الأجنبي, ومن ثم تأكيد ملامح الهوية الوطنية في مواجهته, ومقاومته بالاعتماد على عناصر المقاومة المرتبطة بأصول الهوية وتطلعها إلى الاستقلال التام والخلاص من التبعية. ثانيا: الاستجابة الابداعية التي احتدمت بحضور الآخر الثقافي, وهي الاستجابة التي أبرزتها كتابات أدبية من صنف رواية (زينب) لهيكل وأعمال فنية من صنف تماثيل محمود مختار وموسيقى سيد درويش. ثالثا: الاستجابة الفكرية التي اتخذت صفة النظرة الوضعية إلى حاضر الأنا الوطنية من حيث صلتها بأصولها التاريخية من ناحية, وعبقرية موقعها الجغرافي الفريد من ناحية ثانية. هذه الاستجابات متفاعلة المسارات في كتابات أبناء هذا الجيل, لا يمكن الفصل بينها, أو تناول احداها بمعزل عن غيرها, لأن علاقتها المتبادلة تحتم النظر اليها بوصفها عناصر فاعلة منفعلة في سياقات تبادل التأثير والتأثر. واذا كانت الاستجابة الوطنية قد افضت الى الاستجابة الابداعية على سبيل المثال. وتجسدت بها فنا وفكرا, فانها اصبحت اكثر فاعلية بهذا التجسد, ومن ثم اكثر قدرة على التحفيز, شأنها شأن الاستجابة الابداعية التي اكتمل وعيها النقدي بواسطة النظرة التي اكسبتها عمقها الفكري, وذلك بالقدر الذي فرضت به النظرة الوضعية ملامحها بمعنى أو غيره على تجليات الاستجابة الوطنية وتمثيلاتها الابداعية. هكذا, اعلن عبد الحميد حمدي سنة 1918 على صفحات جريدة (السفور) عن حاجة جماعة التاريخ المصري الى جماعة أخرى, تتوفر على جمع الادب العربي المصري من شعر ونثر, ثم دراسته ووضع تاريخ له, فلقد طال العهد على إهمال الادب المصري وتاريخه حتى اصبح اكثرنا يعتقد ان لا أدب للغة العربية المصرية, وتجاوبت مع هذه الكلمات كلمات مشابهة في الدوافع لأحمد ضيف (1880 ــ 1945) الذي استهل محاضراته في الجامعة المصرية, بعد عودته من فرنسا في العام نفسه بالدعوة التي سرعان ما اكتسبت دلالتها بثورة 1919, وما صحبها من تجليات ابداعية, ولم ينس أحمد ضيف ما انطوى عليه اقرانه من هاجس تأصيل أدب وطني, فلم يفلت الفرصة, واستغل مناسبة الحفل الذي اقامته الجامعة المصرية لتأبين الأميرة فاطمة هانم اسماعيل في يوم الجمعة 31 من ديسمبر 1920, والقى كلمة باسم اساتذة كلية الآداب في الجامعة التي اكتمل انشاؤها بفضل تبرعات الاميرة المحبة للعلم, مؤكدا دور الجامعة في تأكيد الوعي الفكري والابداعي بالهوية, وقال ما نصه: (ان الجامعة المصرية, فضلا عن انها ستقوم بعمل جليل لكل العالم العربي, وتعيد لنا ذكرى معاهد بغداد والاندلس, ستكون أيضا من أكبر العوامل لتكوين حياتنا العقلية, وتكوين رأي علمي لنا, مصبوغ بصبغة مصرية وحياة قومية عقلية, نعرف بها عند الأمم الاخرى, ونضرب بسهم وافر في العلوم والفنون. ونرى علماءنا في جوار كبار علماء (الامم المتمدينة) . ويمضي أحمد ضيف قائلا: (إن مصر في إبان نهضة علمية اجتماعية, وهذه النهضة تحتاج لحفظ كيان البلاد العلمي, ولن يكون ذلك إلا إذا كانت الصبغة العلمية عندنا مصرية, وأقل شيء ظهورا في هذه الصبغة ان يكون التعليم بلغة البلاد, وبنوع الادراك والتصور والذكاء الذي يمتاز به اهل البلد, وان تكون انواع الحركات العلمية مصرية في شكلها مع حفظ الصلة بيننا وبين الامم الاخرى بمعرفة لغتاتها واتقانها, لسهولة الاخذ عنها, والوقوف على حركة الرقى عندها. نعم ان الحقائق العلمية واحدة. ولكن لكل أمة ميزة خاصة ظاهرة فيها, هذه الميزة هي التي تكون لها من تعليمها القومي, واكثر ما تكون الوطنية ظهورا في هذا التعليم, لذلك نجد المتعلم منا في بلد أجنبي يميل الى هذا البلد, ويحب علومه, وهذا أثر التعليم القومي الاجنبي) . وما كان يقصد اليه احمد ضيف بالكلمات الاخيرة هو تأكيد اننا في أبان نهضة سيقودها شبابنا, وان هذه النهضة لن تثمر ثمرها المطلوب إذا كانت عقول شبابنا ناسجة على منوال أمة اخرى, أو مصبوغة بصبغة اجنبية تميل الى الاندماج في غيرها, ومن ثم محو شخصيتنا. وإذن فلابد من حياة عقلية قومية. تجعل لنا شخصية علمية وفكرية وابداعية لاتعرف الانغلاق على نفسها, وتسعى الى الحوار مع غيرها بقدر ما تسعى الى تأكيد هويتها الوطنية, خصوصا في تطلعها الى المستقبل الواعد الذي رآه أحمد ضيف ممكنا بواسطة التعليم القومي في الجامعة المصرية. ويسهل ملاحظة ان عبارة (التعليم القومي) لم تكن تعني شيئا سوى (التعليم الوطني) في كلمات احمد ضيف, ذلك لانه لم يكن هناك فارق بين معنى الوطنية والقومية في هذه الفترة. ولكم تكن الكتابة الخاصة بالموضوع قد استوعبت التمييز اللاحق بين (الوطن) الذي يشير الى (القطري) ويمايزه من حيث هو (إقليم) و(القومي) الذي يضم المعنى (الوطني) ويجاوزه الى الوحدة التي تجمع الاوطان برابطة العروبة: (اللغة, الدين, التاريخ المشترك, المطامح الواحدة). واتصور ان امثال احمد ضيف لم يكونوا يفكرون في المعنى القومي الا بوصفه المعنى الوطني, تأكيدا لاستقلال وطنهم في مواجهة المحتل, ونتيجة عدم تبلور فكرة القومية العربية في هذه الفترة, وجريا على ما اعتادته الاقلام من ترجمة الصفة الاجنبية NATIONAL بالقومي والوطني على السواء. ومهما يكن من امر, فقد كان لكلمات احمد ضيف امتدادها المؤثر في دروسه الجامعية الاولى التي تحولت الى صفحات كتابه (مقدمة لدراسة بلاغة العرب) الذي طبعته مطبعة جريدة (السفور) نفسها سنة 1921 حيث نقرأ عن مصر التي اصبحت في حالة تطور, يشبه من بعض الوجوه ان يكون عصر النهضة بما حدث فيه من انقلاب وتغير وميل الى الجديد في كل شيء حتى في النفوس التي لاتحب غير القديم. وأول هذا الجديد اكتشاف هوية الذات الوطنية في تحررها الذي يحاول الوصول الى اقصى ما يمكن ان يصل اليه العقل البشري من الذكاء والاتقان في التعبير عن حضوره الخاص, هذا الحضور الخاص موصول بارادة الاستقلال التي تعني ـ من المنظور الادبي ــ اهمية ان تكون هناك (آداب مصرية تمثل حالتنا الاجتماعية وحركتنا الفكرية, والعصر الذي نعيش فيه, فتمثل الزارع في حقله, والتاجر في حانوته, والأمير في قصره, والعالم بين تلاميذه وكتبه, والشيخ في أهله, والشاب في مجونه وغرامه) . بعبارة موجزة, أراد احمد ضيف ما أراده ابناء جيله, وعلى رأسهم هيكل, أن تكون لأمته (شخصية) أدبية واحدة تؤكد وحدتها, فتؤكد وجود (آداب مصرية عربية: مصرية في موضوعاتها ومعلوماتها, عربية في لغتها وبلاغتها واساليبها) .