من خصائص اللغة العربية, التي يشيد بذكرها النحاة واللغويون, انها لغة كثيرة المترادفات, والدليل الشائع على ذلك, ان للأسد في لغتنا الجميلة, أكثر من سبعين اسما, ليس أولها (الليث) وليس آخرها (الهظبر) .. ومن مزاياها ــ كذلك ــ ان لكثير من ألفاظها معاني متعددة , فالقول بأن (فلانة من المخدرات) لا يعني انها تعاطت نفسين من الحشيش, كما كانت تفعل نجمة الجماهير (نادية الجندي) في أفلامها, قبل أن تنتقل فجأة لمقاومة الموساد, بل انه قد لا يعني العكس تماما, وهو انها امرأة فاضلة, لا تغادر خدرها, الذي هو سترها.. بل ان كلمة (الحشيش) ذات نفسها, لا تعني فقط, تلك الجواهر المخدرة, التي يحظر القانون تعاطيها, ويعاقب بالاعدام على جلبها أو زراعتها, بل قد يعني العشب الذي يكسو الحدائق والملاعب. ومع ان البعض يعتبرون تعدد الكلمات لمعنى واحد, من مزايا اللغة العربية, إذ هو ييسر للشعراء قرض القصيد, كلما حبكت معهم القافية, كما ييسر للأدباء استخدام الفاظ مختلفة للمعنى الواحد, مما يدل على ثراء محصوله اللغوي, فإن آخرين يعتبرون ذلك عيبا, لان معظم هذه المترادفات, يسحب من التداول العام مع تطور الأزمان, فينساه الناس, ولا يفهمونه, إذا استدعاه كاتب أو متحدث متحذلق لكي يستخدمه في مقال, أو في خطبة, بل وقد يسيئون فهم مقصده منه, وقد حدث ان كتبت لصديق لي رسالة خاطبته في مستهلها على سبيل المداعبة بـ (حضرة أخي المفضال.. الأخ (الهظبر) فلان الفلاني) , فأرسل لي ردا مليئا بألفاظ السباب ختمه قائلا: أهو انت اللي (هظبر) وستين (هظبر) كمان! ومع ان تعدد معاني اللفظة الواحدة, إلى حد التناقض, أو التباين الشديد, يتيح للشعراء فرصة لابراز مواهبهم, بتكرار استخدام اللفظة الواحدة بمعان وتراكيب مختلفة في كل مرة, الا انه قد يخلق مشاكل أكثر تعقيدا, وقد تنجم عنه كوارث احيانا, وربما يثير الضحك في احيان أخرى, فقد حدث مرة, اثناء الوحدة المصرية السورية, وفي مهرجان خطابي عقد في احدى المدن المصرية, واحتشد فيه عشرات الآلاف من المواطنين المصريين, ان دعا الرئيس عبدالناصر, بعد انتهاء خطابه, الوزراء السوريين في حكومة الوحدة, للخطابة, لكي تتعرف عليهم الجماهير المصرية من جانب, ولكي نتعرف من الجانب الاخر, على المشروعات التي أعدها كل منهم لخدمة الجماهير (وكان مما بشر به) أمين الغفوري وزير المواصلات, الجماهير المحتشدة, وهو ان وزارته سوف تعمل كل كل ما في وسعها لتعميم (المخابرات) في كل أنحاء الجمهورية, وانه لن يستريح الا إذا وصلت (المخابرات) لكل بيت من بيوت المواطنين, وكل قرية من قرى الجمهورية من (القامشلي) إلى (أسوان) . ولا بد ان الهمهمات قد تصاعدت في أنحاء السرادق, كانت تتضمن عبارات من نوع (هو احنا ناقصين مخابرات) .. وهو ما أدركه المشير عبدالحكيم عامر, الذي قفز من مقعده على المنصة إلى الميكرفون, ليقاطع الوزير ويقول للجماهير ان اخوتهم في الاقليم الشمالي يطلقون تسمية (المخابرات) على الاتصالات السلكية واللاسلكية.. وان المقصود هو تعميم (المخابرات التليفونية) , وليس (المخابرات اللي انتوا عارفينها) ! وربما لهذا السبب, يصر الذين يصوغون المعاهدات الدولية, أو القوانين المحلية, سواء كانوا عربا أو كانوا من الفرنجة, على تعريف معنى المصطلحات التي يرد لها ذكر في نصوصها, في (ديباجتها) , حتى لا يختلفون في تفسيرها, عند التطبيق, فتتحول اتفاقية لانشاء نظام للمخابرات التليفونية إلى اتفاقية للتعاون المشترك في مجال المخابرات اللي انت عارفها.. كما يحرص الباحثون الاكاديميون في المسائل السياسية والاجتماعية والاقتصادية, في أبحاثهم وفي محاوراتهم العلمية, على ان يبدأوا الحوار بالاتفاق على المفاهيم الاساسية, حتى لا يفاجأون بعد ساعات من المناقشة, ان ما يجري هو (حوار طرشان) , وان أحدهم كان يتحدث عن (المخابرات) بالمفهوم الشامي, بينما يتحدث عنها الاخر بالمعنى المصري, أو ان احدهم كان يتحدث عن (الحشيش) الذي هو ضرب نفسين, بينما كان الآخر يتحدث عن (الحشيش) الذي أكلت منه الناقة بالهنا والشفا.. سهمين! ولا أخفاك يا عزيزي القارئ (الهظبر) انني من المعجبين باللغة العربية, حين يتعلق الأمر بالأدب والشعر, أو حتى قلة الأدب وقلة الشعر, الا انني أصبحت انزعج انزعاجا بالغا, من طريقتنا في استخدام اللغة, حين يتعلق الامر بالمجادلات السياسية والفكرية, خاصة بعد أن شاع عدة مدارس وتيارات سياسية بعينها, ذلك الترخص البالغ في استخدام اللغة, واستسهال القاء الاتهامات في وجه الذين يختلفون معهم في الرأي, أو الاجتهاد, وفي مقدمتها توجيه تهمة (الخيانة الوطنية) ببساطة وسهولة, وكأن الواحد منهم, يقول لك: صباح الخير.. أو هات سيجارة.. أو تشرب شاي, أو شيء من هذا القبيل. ذلك مرض عربي قديم وجديد, ويبدو انه من النوع المستعصي الذي لا شفاء منه, وتكفي نظرة واحدة إلى صفحات الصحف العربية التي صدرت على امتداد هذا القرن, لنكتشف ان الاتهام بالخيانة الوطنية كان أول الاسلحة التي تنزل إلى ساحات الخلافات بين الفرق والتيارات السياسية, في لحظات التوتر.. وخلال نصف القرن الأخير وحده, اتهم الاخوان المسلمون والتيارات التي خرجت من معطفهم, دعاة القومية العربية, بأنهم عملاء للغرب الصليبي, تربوا في أحضان المبشرين الذين دعموهم لكي يقاوموا المد الاسلامي, ويحولوا دون عودة مجد الخلافة, بينما اتهم القوميون الاخوان بأنهم عملاء ينفذون مخططا استعماريا لوقف المد القومي المعادي للامبريالية, ووضعوهم في سلة واحدة مع الشيوعيين باعتبار الطرفين من العلمانيين الكفرة انصار الطاغوت الصليبي, في الوقت الذي كان فيه الشيوعيون يصفون القوميين بأنهم عملاء للمخابرات الامريكية ينفذون مخططها لتصفية حركة الطبقة العاملة, ويصفهم القوميون بأنهم عملاء لموسكو يتلقون تعليماتهم من صوفيا, ويعملون من أجل الحاق العرب بالامبراطورية السوفييتية! ولم يقتصر تبادل الاتهام بالخيانة على التيارات التي كان بينها من الاصل اختلافات أساسية في الرؤى السياسية أو الايديولوجية, بل امتد كذلك إلى انصار الاتجاه الايديولوجي أو السياسي الواحد, حين تتعدد وتتنافس تنظيماتها أو حين ينتهي الصراع داخلها إلى انشقاقات, فإذاً برفاق الأمس يتبادلون الاتهام بالخيانة, وإذا بكل منهم, يشطب اسم الآخر من قائمة المناضلين الشرفاء ليضيفه إلى بقية الذين كان يختلف معهم من الاصل, في قائمة الخونة المارقين! والامثلة على ذلك لا حصر لها في تاريخ الأحزاب القومية, وتاريخ الاحزاب الشيوعية بل وفي تاريخ النظم الثورية العربية ذات نفسها, ومن أبرز هذه الأمثلة, ما حدث حين احتدم الصراع ــ في أعقاب وفاة الرئيس (عبدالناصر) ــ بين ورثته السياسيين فقد أعلن (السادات) , الذي انتصر في الصراع وانفرد بالميراث, ان خصومه الذين هزموا في المعركة كانوا من عملاء السوفييت, بينما أعلنوا هم انه عميلا أمريكيا, وهي واقعة تاريخية غير صحيحة, ولم يقدم أحد من الطرفين, أي دليل مقبول يثبت صحتها قبل الطرف الآخر.. حتى الآن على الأقل! ومنذ فترة, كنت أقلب في أوراق قضائية تتعلق بمحاكمة أحد التنظيمات الشيوعية المصرية, خلال الخمسينات, فعثرت على أوراق ضبطتها الشرطة لدى كل أعضاء التنظيم, تتضمن تعميما يلفت نظرهم إلى ان هناك بعض الجواسيس الذين يعملون لحساب المخابرات المحلية والدولية, ويتظاهرون بأنهم شيوعيون, وتحذرهم من التعامل معهم أو الثقة فيهم, وأدهشني ان القائمة المرفقة بهذا التعميم, كانت تضم أسماء زعماء التنظيمات الشيوعية الأخرى, أما الذي أضحكني فهو ان أجهزة الأمن, قد استرشدت بهذه القائمة, لكي تقوم بالقبض على كل الأسماء التي تضمنتها, إذ كانت تعلم انهم شيوعيون, وليسوا جواسيس! ولو ان الاضرار التي تترتب على استخدام هذا السلاح الفاسد في الصراعات السياسية, قد اقتصرت على ذلك ومثله لهان الأمر, ولو انها اقتصرت على استنزاف طاقة القوى السياسية في صراعات مريرة وعقيمة تدور حول قضايا وهمية, وتجول دون تعاونها في القضايا الحقيقية, لاكتفينا بتحذيرها من تكراره, ولذكرناها بأن معظم الذين تبادلوا الاتهام بالخيانة خلال نصف القرن الماضي, قد عادوا بعد ذلك للتعاون معا, واضطروا إلى نقل أسماء خصومهم, بعد أن انتهى الخلاف, من قائمة الخونة المارقين, إلى قائمة المناضلين الشرفاء.. ولو ان هذا الضرر اقتصر على افساد التاريخ المعاصر, والاساءة لسمعة شخصيات السياسة, لما تطلب الأمر أكثر من اعطاء المؤرخين والباحثين في التاريخ بعض المنشطات حتى يستطيعوا غربلة ما تحفل به وثائق هذا التاريخ من خزعبلات كأثر من آثار استخدام هذا السلاح الفاسد والفاجر في الصراع السياسي! ولكن الضرر الحقيقي, لاستمرار استخدام هذا السلاح, بعد كل الذي جرى والذي كان, هو ما يحدثه من تأثير على تكوين الاجيال الجديدة, التي لم تتحصن بعد, بالمعرفة أو التجربة التي تجعلها تتعامل مع مثل هذا النوع من التوصيفات باعتباره مجرد (طق حنك) وان الذين يتهمون الاخرين بالخيانة لا يقصدون الى ذلك حقا, ولكنه نوع من المبالغة, من نوع عبارة (باحبك موت) التي نكثر من تردادها في اللحظات العاطفية, وهي ككل مبالغة فيها درجة من الكذب, فتكون النتيجة أن يصدقوا اتهام الكل للكل بالخيانة, فينصرفون عن العمل السياسي باعتباره عملا لا يمارسه الا المؤهلون لخيانة أوطانهم, أو ان يكذبوه بالنسبة لتيار سياسي بعينه, فينضمون اليه, وينشطون في صفوفه, ويصدقونه بالنسبة لآخرين, فيستقر في يقينهم بأن كل من يختلف معهم في الرأي هو خائن وعميل.. لتكون تلك هي الخطوة الأولى للتعامل معه, بالطريقة الوحيدة للتعامل مع الخونة, وهي اطلاق الرصاص عليهم في أول فرصة تتاح له. ولا يعني ذلك, انه ليس هناك ــ أمس أو اليوم أو غدا ــ خونة, ولكن معناه, اننا في حاجة إلى ضبط مصطلح الخيانة, واستخدامه بمعناه المحدد في القوانين , حتى لا يفسره كل واحد على هواه, والمعنى القانوني للمصطلح, هو (السعي لدى دولة أجنبية معادية أو التخابر معها, أو امدادها باسرار عسكرية أو استراتيجية, تعينها في عملياتها العسكرية ضد الوطن) ! ومع انني مع الذين يرفعون شعار: الخيانة ليست وجهة نظر, الا انني في معظم الاحيان أشعر بأنهم يقصدون منه, ان كل وجهة نظر, تختلف معهم, هي خيانة ولذلك لا أواصل قراءة ما يكتبون, مفضلا ان استمع إلى أغنية عبدالحليم حافظ الشهيرة, تخونوه.. وعمره ما خانكم.. ولا اشتكى منكم.. قلبي!