وياوطني لقيتك بعد يأس***كأني قد لقيت بك الشبابا والبيت لاحمد شوقي كما هو معروف, وكم مررنا بهذا البيت وغيره من أشعار الحنين الى الوطن واشعار ملاقاة الوطن وخاصة عند الشاعر الفارس محمود سامي البارودي وما كنا لنقف كثيرا عند هذه النفثات الشاعرة, اللهم إلا من باب استملاح الشعر والاعجاب بموهبة قائلة. ولا يعرف الشوق إلا من يكابده.. لم نكن لندرك عمق مشاعر الانسان وهو يصافح الوطن ــ ارضا وسماء... ويكاد يعانق الوطن ــ مفهوما ومعنى وبشرا وتاريخا.. وعبيرا ومشاهد.. وطيوفا وذكريات. لم نكن لندرك هذا كله إلا بعد ان عشنا لحظة العودة الى الوطن بعد تغريبة السنوات الاحدى والعشرين التي حدثناك عنها في لقاء سلف وهو تغريبة تفوق ــ مع كل التواضع ــ تغريبة بني هلال التي حفلت بها حوليات الفولكلور والشعر العربي في العصر الوسيط, كيف لا؟ وقد تعين على بني هلال ان ينزحوا من جنوب الجزيرة العربية غربا الى حيث برقة الشماء وبعدها تونس الخضراء عبورا بمصر المحروسة.. فصار اهم اجتياز اطراف غربي آسيا وعبور البحر الاحمر والنزول في ربوع الشمال الافريقي المطل على البحر المتوسط.. اما تغريبتنا المعاصرة فحدث عنها بغير حرج او تحفظ.. من مصر الى شرق الجزيرة في روابي الخليج, وبعدها الى بيروت على الساحل الفينيقي المتوسطي ومن ثم الى بغداد ــ دار السلام التي لم يقدر لها ان تنعم بالسلام لا في زمان غربتنا حيث كانت حرب الخليج الاولى مع ايران ولا في الزمان الراهن حيث ما برحت حرب الخليج الثانية مشتعلة الاوار حتى كتابة هذه السطور وبعد بغداد شملت تغريبتنا مرتفعات الحبشة قرب منابع النيل الاثيوبية.. وطمحت التغريبة ثم استشرت فدارت حول حزام الوسط الافريقي في نيجيريا وصولا الى بلاد غرب افريقيا عند بوركينا فاسو وساحل العاج (كوت ديفوار كما تعرف باسمها الفرنسي الراهن), حيث حططنا الرحال ولو مؤقتا في عاصمة النيجر الاسلامي وهي (نيامي) التي يشقها نهر عجوز وتحدق بها كثبان رملية يميل اصفرارها الى بياض عجيب.. ويختلف اليها على طول العام سواح يأتون بشوق عجيب وحماس مريب يمارسون رياضة يسمونها التزلج على الرمال, وقد قصدنا تحديدا الى استخدام لفظة مريب..اذ علمنا ان الكثبان الرملية في مناطق النيجر الاسلامي ــ كما نكرر ــ تحوى كميات من اليورانيوم اكثر المواد خطورة ونفاسة في عصرنا باعتبار انه من ألزم ما يكون في الانشطة النووية. واخيرا حططنا الرحال سنوات وسنوات في ربوع الولايات المتحدة حيث اكتملت عناصر التغريبة من حيث غربة اللسان والثقافة والوجوه والاعراف والاخلاق بل والحياة كلها في ايقاعها العام. وبعد هذه البلاد التي طالما شالتنا وحطتنا وبعد ان شملت تغريبتنا ثلاث قارات بالتمام والكمال متجاوزين بذلك من حيث المكان على الاقل تغريبة بني هلال اياها يظل المذكورون اعلاه ــ بنو هلال ــ يحوزون قصب السبق من حيث الصيت وحسن الذكر وملاحم الشعر الشعبي التي طالما رصعت مجالس السمار في ليالي الوطن العربي عبر عقود, بل وقرون, وتطايرت في اجوائها اسماء (ابو زيد الهلالي) و(دياب بن غانم) و(خضرة الشريفة) كما تطايرت في خيال السامعين سيوف ورماح وقسى وسهام انطلقت من ثنايا روايات شعراء الربابة.. تماما كما تطايرت ايضا كراسي المقاهي وطواقي السامعين واحيانا قطرات من دمائهم وقد احتدم بينهم الشجار لمن يعقدون لواء البطولة أهو ابو زيد ام غريمه دياب؟ وبديهي ان شعراء الرباب وكان لهم القدح المعلى والرزق الموفور في هذه الندوات الليلية قد وفقوا الى الحل السعيد.. وهو نوع من الحل التفاوضي كما يعرفه المصطلح السياسي المعاصر فهم يعقدون لواء النصر مناصفة او تداولا او مناوبة بين (ابو زيد) يوما و(دياب) يوما اخر ثم يعيدون الكرة كي يرضوا الطرفين.. وكان الشعراء بهذا راضين تماما مثل رضا رواد المقاهي الملهوفين الى سماع الروايات الى ان جاء السيد المذياع ـ الراديو ـ فأوى جلالة قدره الى تشتيت شمل الجميع.. اذن فقد رددنا قول شوقي: ويا وطني لقيتك بعد يأس كأني قد لقيت بك الشبابا ولكننا فهمناها هذه المرة حق فهمها.. واذا كان صدر البيت بديهيا فالكل يشغفه الوطن وتتملكه العودة الى ربوعه ومرابعه, الا ان عجز البيت أومأ الينا, لحظة العودة, بمعنى طارئ وجديد.. اذ لا يفهم فرحة لقيا الشباب الا من علا الشيب فوديه واكتهل منه العمر.. ونالت منه يد الزمن وعلى قدر ما حمدنا للعم احمد شوقي استخدامه فعل (كأن) ويفيد الاستحالة وبعد المطلوب ـ على قدر ما فهمنا كيف كان صاحبنا المتنبي منافقا او فلنقل مكابرا أو مزايدا حين اطلق بيته الشهير يقول: خلقت ألوفا, لو رجعت الى الصبا لفارقت شيبي موجع القلب باكيا تأمل المغالطة! يريد الرجل ان يمدح نفسه بأن بها ألفة للاشياء والحقب والازمان.. لو خيروه ان يفارق شيبته وقد توطدت ألفته بها.. ويعود الى شبابه ـ فتيا, عفيا, رائعا.. خلي البال.. لكانت اجابته ـ المتنبي ـ لا يا عم يفتح الله ـ الشيخوخة احسن) . وهكذا شاء المتنبي ان يمدح نفسه بحسن العشرة فكان ان دمغها ـ في مفهومنا ـ بقدر لا يحسد عليه من المكابرة والنفاق. لهذا فنحن نقف في صف احمد الاخر ـ وهو احمد شوقي, لا احمد بن الحسين ـ المتنبي ــ اذ كان شوقي بسيطا, وكان صادقا بقدر ما كان متواضعا, ولهذا لم يكن غريبا ان يرد بيته على الخاطر ونحن نعاين صفحة الوطن بعد التغريبة التي حدثناك عنها.. فقد زايلنا الوطن ونحن في بحبوحة من فتوة ورغد من شباب.. وها نحن نعود اليه ونحن في سن الحكمة وتلك كناية يتمحك فيها المثقفون او هي الاسم الكودي للسن والحالة التي يشيب فيها الرأس وتكاد فيها اجهزة الجسم تناشدهما حبها هاتفة.. يا سيد.. ما نحن الا ماكينات لها اعمار افتراضية وقطع غيار لازمة, هوّن عليك وخفف الوطأة.. امضغ في تؤدة وتحرك في بطء.. وحذار ان تحني الظهر الا بقدر, او تفرد الذراع الا في حدود.. ولا يكلف الله الجوارح والعضلات والاعضاء الا وسعها.. واحرص ـ رعاك الله ـ على ممارسة الرياضة إياها وهل هناك سوى رياضة المشي شوية اميال في الصباح أو المساء ما استطعت الى ذلك سبيلا.. والمشي هو رياضة الذين بلغوا او كادوا ـ مثلك ـ يبلغون سن الحكمة.. وبعد هذا كله يمكن ان تعاود ما جبلت عليه من نشاط.. وان تستعيد ذكريات ما سلف, وان تستدعي كل ما احببت بين حنايا الوطن وقد عدت اليه بعد طول اغتراب.