منذ سنوات طويلة كنت ازور الراحل سعد الدين وهبة في مكتبه, وكان آنئذ يعمل صحفيا, واستقبلني مرحبا رغم انشغاله وطلب مني فورا ان اقرأ بعض الاوراق واوضح ما غمض من حروفها, وجلست الى مكتب مجاور, احاول ان احل الغازهذا الخط الغريب . وكانوا مستعجلين لانهاء الاوراق وتقديمها الى المطبعة, فلقد كانت اخبارا من الخارج املاها احد كبار الصحفيين بالتليفون وربما كان موسى صبري عن رحلة للرئيس عبد الناصر. وبعد فترة اعلنت فشلي في محاولة حل طلاسم هذا الخط الغريب ... وكذلك فعل سعدالدين وهبه, وسألته ساخطا عن صاحب هذا الخط, فرد: انا! وادهشني ان خطه كان سيئا الى حد عجزه هو نفسه عن قراءته. واناصاحب خط سييء, وعندما يقرأ احد ما اكتبه ويعاني معه اقول له معتذرا : والله لقد كان خطي زمان جميلا وكان هذا اشبه بتلك النكتة المتكررة التي يقولها بعضهم: عندما كنت طفلا كنت اصفر الشعر ازرق العينين! ومن المدهش انني عثرت على صفحات كتبتها وانا في المدرسة فوجدت خطها جميلا, وهي الدليل الوحيد على انني ربما كنت اصفر الشعر ازرق العينين. وكنت اعيد (مرضى) خطي الى الفترة التي عملت فيها سكرتيرا لتحرير عدد من المجلات والصحف. فانت تتلقى الموضوعات تبدل فيها, وتضيف, وتحذف , وتكتب, مقترحات, وعناوين وتعليقات تحت الصور, وتصحح الاخطاء كل ذلك في سرعة البرق لان المطبعة في الانتظار. اتهم هذه الفترة بأنها افسدت خطى. وكان لابد ان ابحث عن طابع على الآلة الكاتبة يعرف كيف يقرأ خطي. وكان ابرز من استعنت بهم (عبدالله) وكان موظفا في وزارة الثقافة, وكنت انا ايضا اعمل في نفس الوزارة, والتقينا في دورة تدريبية وكان المكان جميلا, والكراسي من تلك التي تجدها في اماكن الدراسة الراقية. وكان احد الاساتذة الذين يلقون علينا المحاضرات استاذا لم ار اصلف منه ولا اكثر غرورا, وكان استاذا في الجامعة ويعمل ايضا وكيلا للوزارة, وكان مسؤولا عن الامن. وبدأ الرجل حديثه معنا قائلا اننا لن نفهم ما سيقول, واننا جهلة, وان الشهادات التي اخذناها لا تساوي الورق الذي كتبت عليه, وتململت وقلت له في جرأة ان هذا كله غير صحيح, واننا جميعا نعرف الموضوع الذي سيحاضرنا فيه, واننا قرأنا فيه جيدا. وقال الرجل لي ساخرا: اذا كان هذا صحيحا فاذكر لي اسماء ثلاثة كتب في هذا الموضوع! وكنت اعرف ان ذاكرته حديدية الا في اسماء الكتب, فأخذت ابادله سخرية بسخرية لاكسب وقتاً. فقلت انني ارفض ان اذكر أقل من اسماء عشرة كتب. ثم سألته هل اذكر له الكتب حسب الحروف الابجدية, أو حسب صدورها. وبالطبع كنت أجهد ذهني حينئذ في تذكر اسماء الكتب التي تتناول موضوعه وفتح الله علي بعدد كبير من الاسماء. حتى لقد قاطعني الاستاذ قائلا: هذا يعني انك لست من الذين ينطبق عليهم ما اقول. وجلست متباهيا بين نظرات الاعجاب. والتفت الى جاري (عبدالله..) فوجدته نائما طوال هذا الوقت. فدفعته بمرفقي ساخطا, ففتح عينيه المثقلتين بصعوبة شديدة, وكانت نظرته متجهة الى الامام حيث كانت تجلس زميلة كبيرة الارداف, وكما المحت كانت الكراسي مفرغة من الخلف. وبدت في نظرات (عبدالله..) الدهشة والاعجاب الذي جعلني انفجر في ضحكة مكتومة. وكان ذلك بعد ان قال الاستاذ مباشرة: اما عن الاشتراكية العربية! وتوقف الاستاذ. وقال انه يعرف من حديثي انني ضد الاشتراكية العربية وضد النظام القائم. ولكنه يفضل ان أناقشه بدلا من ان اضحك سخرية. فاقسمت له انني لم اضحك لهذا. وكان مستحيلا بالطبع ان اقول له سبب ضحكي. وقضيت اياما في انتظار رد فعل من الاستاذ مسؤول الامن. وشاركني (عبدالله) قلقي وهو يعتذر عما فعل. ولحسن الحظ لم يفعل الاستاذ شيئا. ولا ادري كيف وافق عبدالله على ان يطبع لي ما اكتب. لكنها كانت رحلة طويلة استمرت سنوات. لم يكن يسألني عن كلمة واحدة, فلقد كانت الكلمات كلها واضحة له. وكان عبدالله صديقا في نفس الوقت. وذات يوم قال لي انه يحس انه آلة وان ماكينة الطباعة تحوله الى اسلاك وصفائح, وقرر ان يكف عن هذا العمل. ومضت سنوات طويلة قبل ان اجد (عبد الحميد) وانظر الى محاسن الصدف. فهذا عبدالله وهذا عبد الحميد. وكان عبد الحميد معجبا بي اشد الاعجاب. واسعدني هذا, وما كنت اظن انه ينقلب الى نقمة. في البداية كان يبدي اعجابه بما اكتب. واذا كان العمل مسرحية أو مسلسلا ابدى رغبته في تمثيل هذا الدور أو ذاك. ووفقت في ايجاد فرصة له ليمثل. حتى صار من الطبيعي ان يمثل في كل عمل اكتبه. وكان المدافع الاول عن العمل فاذا احس ان ممثلا يتهاون في عمله. واجهه بعنف بانه ينطق دررا (!) فعليه ان يجهد نفسه. واصبحت احس بالخجل مما يفعل. وكان ذلك في الوقت الذي ظن فيه مجنون سعاد حسني, فاسموه مجنون العبد الفقير. ووصل الاعجاب به انه اخذ نسخة من مسلسل تلفزيوني كتبته وقدمه الى الاذاعة على انه من تأليفه. ووقعت الاذاعة في المصيدة. ولما واجهت اخانا بما فعل سألتني بدهشة: هل كنت تريد تقديمه في الاذاعة ايضا؟! وبين عبدالله وعبد الحميد وقبلهما وبعدهما اسماء كثيرة, اذكر منها انني عندما كتبت مسرحية (الحامي والحرامي) أعطاها مسرح الخليج العربي لاحدهم ليطبعها. فحاول الرجل ان يفك الخط ففشل, فأعاد النص الى المسرح واعتذر. ولم يكتف بهذا بل اخذ عنوان الفندق الذي كنت اقيم فيه عندما عرف انني كنت موجودا واخذ يلومني بعنف على انني اكتب هذا الخط. وحاولت ان اشرح له ان خط الانسان مثل حظه لايملك منه شيئا, لكنه رفض كلامي. قلت له ان الخط كشكل الانسان تتحكم فيه الوراثة وغيرها. لكنه ظل يصرخ في وجهي وقلت له انني احمل شهادة من عبدالمنعم شريف الذي يعتبر واحدا من اعظم الخطاطين في الستينات بانني صاحب اجمل خط (وحش) ! لكنه رفض تقبل المزاح فالقضية خطيرة وهي ان خطي غير مقروء! ومنذ ان بدأت الكتابة في (البيان) وانا اعاني من انتظام الكتابة الذي لا افهمه, ويعاني الزملاء العاملون في قسم التصحيح من خطي. وكنت اقدر دائما معاناتهم, ولذلك اخذت احاول تحسين الخط ومن الغريب انني كلما حاولت ذلك ازداد سوءا. غيرت الاقلام, وعدت بعد سنوات طويلة الى اقلام الحبر, لكن دون جدوى. وعندما كنت في معرض الكتاب ذهبت الى حيث تباع الكتب القديمة, واخذت انتقي منها بسرعة ودون تدقيق احيانا, فوجدت بين يدي كراسة لتحسين الخطوط, فالقيتها على ما اشتريت, وانا اذكر (البيان) ومعاناة الاخوة في قراءة خطي. وكان في ذهني انني ربما استخدمتها في تجويد خطي لعل الزملاء يرضون عني. لكنني عندما عدت الى البيت واخذت افتش في الكتب التي اشتريتها وامارس تلك الاكتشافات الصغيرة, فهذا الكتاب نادر ولو ان بائعه طلب عشرة اضعاف سعره, لدفعت له, وهذا الكتاب لايستحق حمله من هناك الى هنا. وهذا الكتاب عندي منه نسخة الخ... ووجدت كراسة الخط امامي فاذ بها وثيقة تاريخية جميلة. الكراسة مطبوعة في النمسا عندما كانت امبراطورية في عام 1901 وهذه المعلومات مكتوبة باللغة العربية. مما يدل على انها طبعت لحساب وزارة (المعارف) اما الطالب الذي استخدمها فكان في عام 1906 ولو ان هذا الطالب عاش حتى الآن لزاد عمره عن المائة, واغلب الظن انه مات منذ زمن طويل, فمن باع كراسته ولماذا؟ وايضا لماذا اشتراها بائع الكتب. اما انا فاعرف سبب شرائي لها. وان لم تصلح للغاية التي اشتريتها من اجلها, وهي اصلاح هذا الخط.. ولابد ان احسنه ــ مهما كان سوء الامر ــ بالرضا فانا رجل والحمدلله حسن الحظ, فلم لا اكون سيىء الخط, الاولى لي.. والثانية لآخرين كان الله في عونهم.