الصحافي الهرم الممسك بالقلم والدفتر, ذو الشاربين الشائبين والمرتدي معطف السفاري وهو يجري مقابلة مع احدى الفتيات المقاتلات مع الثوار ليس صحافيا عاديا . ومع ذلك فان ما كان يفعله جابريال جارثيا ماركيز وهو يدون الملاحظات خلال محادثات السلام بين الحكومة الكولومبية والثوار اليساريين ليس عملا عاديا وطبيعيا وليس من مستوى جائزة نوبل للادب التي يحملها, ان ماركيز وهو اليوم احد اشهر الكتاب في العالم, ابعد ما يكون عن العيش على امجاد الماضي رغم انه بلغ الحادية والسبعين من عمره. ولقد شمر عن ساعديه مؤخرا وسار في درب تحقيق حلمه القديم جدا. وقد اشترى الروائي مجلة اسبوعية مكافحة تدعى (كامبيو) التي تضم طاقما من المع الصحافيين الكولومبيين, وهو يحمل اكثرية اسهم المجلة ومحررها الرئيسي ومدير هيئتها التحريرية (وابو) المؤسسة. في حديث هاتفي قال جارثيا ماركيز: انني صحافي وكنت صحافيا على الدوام, ولو لم اكن صحافيا لما استطعت تأليف كتبي لان كل موادها مأخوذة من الواقع. والحقيقة ان روايات الاديب الخيالية - بما فيها اشهر رواياته (مائة عام من العزلة) ــ مستوحاة من الحقائق الواقعية واللامنطقية والعنيفة غالبا لهذا بلد. وكان جارثيا ماركيز او (غابو) كما يلقبه مواطنوه قد عمل مخبرا (صحفيا) يقتات من عمله في الصحف اليومية الكولومبية منذ ان كان في التاسعة عشرة وبعد تخليه عن دراسة القانون عمل مراسلا في نيويورك لوكالة الانباء الكوبية برنسا لاتينا. وقال جارثيا ماركيز انه عندما فاز بجائزة نوبل للادب سنة 1982 قرر ان يخصص القيمة المالية للجائزة لشراء صحيفة يومية. وتبين لاحقا ان ذلك المبلغ لايكفي ليضمن لجارثيا ماركيز وشركائه الصوت التحريري المستقل الذي كانوا يسعون اليه. ولذلك فان الفكرة لم تخرج من النفوس الى دور الطباعة انذاك. وبعد مضي 16 سنة على ذلك القرار سنحت الفرصة من جديد. وقال الاديب المقيم في مدينة كارتاجينا في الكاريبي: (وهكذا سحبت ذلك المبلغ. هذا كل مافي الامر. ليس هنا شيء رومانطيقي, لاشيء عاطفي) في هذا الموضوع الذي لا يشكل عنصرا خبريا. ويقول جارثيا ماركيز انه يختار بعناية فائقة المواضيع والمقالات التي يرفقها بتوقيعه لانه يكره الدعاية لنفسه. ومع ذلك يتلقف القراء بلهفة المقالات التي لاتحمل توقيعه. وقد دفعت صحف صادرة باللغة الاسبانية خارج كولومبيا اكثر من 1000 دولار مؤخرا للحصول على حق نشر مقال كتبه في مجلة كامبيو في بداية عملية السلام في كولومبيا. ومجرد وجود جرثيا ماركيز في المجلة بدأ يؤثر على اوضاعها تأثيرا مؤاتيا. فخلال الشهر الاول في عهد الادارة الجديدة للمجلة التي توزع 45 الف نسخة في الاسبوع ارتفعت ايرادات الاعلانات خمسة اضعاف, ويزداد عدد المشتركين الجدد بمعدل 120 مشتركا جديدا كل يوم كما يقول مدير تحرير المجلة موريسيو فارجاس. ويتوقع فارجاس ان يتضاعف عدد المشتركين في المجلة التي تأسست قبل خمسة اعوام خلال السنة الحالية, مع انها كانت مشروعا خاسرا حتى الآن وتأتي في المرتبة الثانية مع منافستها مجلة سيمانا بفارق 3 الى 1 على صعيد التوزيع. وستتوقف قوة ديمومة مجلة كامبيو على استمرار دعم جرثيا ماركيز لها. وقال آش جرين رئيس تحرير النسخة الامريكية للمجلة في راندوم هاوس ان جارثيا ماركيز يشدد على انه سيكرس نفسه تماما للمجلة, رغم انه منصرف لكتابة كتب, احدها عن مذكراته. ولقد اثبت جارثيا ماركيز خلال فترة قصيرة جداً انه مراسل يتمتع بقدرة لا تصدق على الوصول الى مصادر الاخبار ويقول جرين:( عندما يتصل بأي شخص فإن ذلك الشخص يلتقط سماعة الهاتف على الفور) . وقد كان جارثيا ماركيز, الصديق المقرب من الزعيم الكوبي فيديل كاسترو, موجوداً في هافانا لتغطية زيارة الرئيس الكولومبي اندريس باسترانا الاخيرة, وكتب في كامبيو مقالاً شاملاً غير موقع بعنوان (من الكراهية الى المحبة) . واحتوى نفس عدد المجلة مقابلة مع خوليو ماريو سانتو دومنيجو, احد اقوى الصناعيين الكولومبيين الذي اشتهر انه يقاطع وسائط الاعلام الكولومبية منذ سنوات عديدة. ولماذا قرر هذا الصناعي في النهاية ان يتكلم؟ الصناعي المذكور رد بنفسه قائلاً:(لان شخصاً من مستوى جارثيا ماركيز, صديق العمر, هو الذي طلب مني ان اتكلم) . وفي مقال حديث عكس اعجاب جارثيا ماركيز بالرئيس الامريكي بيل كلينتون, وصف الكاتب المحقق القضائي الامريكي المستقل كينيث ستار (الذي يلاحق كلينتون) بأنه (أصولي) وقال ان ستار يستمد (متعة خلاعية) من حملته الهادفة الى عزل كلينتون. ورغم كل حسنات الشهرة الجديدة التي اكتسبها جارثيا ماركيز فان شهرته هذه تقف حجر عثرة في طريق تقمصه كصحفي. فالصحافيون يلاحقونه بالاسئلة اينما ذهب. ويقول:(انني اتوسل زملائي ان يتركوني وشأني ويعترفوا بحقي في القيام بعملي وليس لمساعدتهم على القيام بعملهم) . خدمة أ.ب بوجوتا - فرانك باجاك