كثيرون هم الذين لعبت الصدفة بتحالفها مع الحظ دورا في تغيير مسار حياتهم فأصبحوا من المشاهير رغم قلة حيلتهم وربما تواضعهم في أمور كثيرة, وربما ينطبق ذلك على شريحة الفنانين إن كانوا ممثلين أو مطربين وخاصة في وقتنا الحالي, والاستثناء من هؤلاء قلة ويعدون على أصابع اليد الواحدة . لا أقول ذلك تقليلا من شأن هؤلاء أو من ابداعهم إن كان هناك ابداع, ولكن كما يقول المثل الشعبي الدارج (الماء زاد على الطحين) , لذلك علينا أن ندرك وبكل تلقائية أن خللا ما يواجه الساحة الغنائية, ولانني لست ذاك الضليع في هذا المجال وأعتمد فقط على حاستي الشعرية وذائقتي الخاصة, أترك الأمر لذوي الاختصاص من الذين بحت أصواتهم وكلت سواعدهم من النقد والكتابة والتوجيه في زمن الشهرة السريعة, وأعود إلى حيث الصدفة تلك التي تأخذ بيد البعض وتجعله ذاك الذي يشار إليه بالبنان. ولانني لست كأرخميدس لن أصرخ وأجري غاويا وجدته.. وجدته.. وجدته, فقد لعبت الصدفة كثيرا في حياتي وحاولت أن تغير من مساري لكن دون فائدة, فأرخميدس قبض على لحظة التجلي التي قادتها الصدفة إليه وأنا تركتها إلى حيث لا رجعة.. فما هي الحكاية؟ قبل أن أجيب أشير إلى ان أرخميدس واضع القانون الذي يحمل اسمه هو يوناني من سرقسطة الواقعة في جزيرة صقلية, وقد روي ان ملك سرقسطة ارتاب كما تقول المراجع في ان صائغا قد خدعه, فطلب إلى أرخميدس أن يتحقق مما إذا كان ما ابتاعه من الصائغ من الذهب الخالص أم لا, وفيما بعد وبينما كان أرخميدس في الحمام, لاحظ ان جسده أزاح الماء بجسمه المغمور في الحوض, ومن فوره أوجد طريقة لحل معضلة الملك, وقد بلغت به الاثارة مبلغا عظيما لهذا الاكتشاف المثير فنهض من فوره وغادر الحمام, فالبيت مهرولا دون أن يهتم بارتداء ملابسه وهو يصيح (يوريكا, يوريكا) أي وجدته وجدته, فلقد وجد الحل الذي قادته الصدفة إليه. وحكايتي تختلف في شكلها ومضمونها عن حكاية هذا العالم المثير ولكن تجتمع أو تتشابه معها في الصدفة. كان ذلك في العام ,1986 وكنت برفقة اثنين من الزملاء في مهنة المتاعب, ففي ذاك الربيع وبعد أن أنهينا مهمة صحافية في القطر الشقيق الجزائر حطت بنا الطائرة بشكل مؤقت في باريس قبل أن تقلنا من جديد إلى دبي.. وفي عاصمة النور قضينا ليلة من ألف ليلة وليلة, امتدت خيوطها إلى الفجر خاصة واننا نزورها للمرة الأولى, وقد اقترح أحد الزميلين أن نقضي سهرتنا في احد المطاعم العربية, فرحبنا بالاقتراح وحددنا المطعم الذي يعتبر تحفة معمارية قادمة من الشرق, وهنا بدأت الصدفة تنسج خيوطه,ا فقد كان أغلب الحضور غير عرب جاء وا للاستمتاع وتذوق الفن العربي من اكل وطرب. صمم المكان بشكل جميل ومثير فهو يدعو للاتساع ومد النظر والحميمية في الوقت نفسه, وكأن اللمسات الشرقية في زواياه تحملك إلى زمن بعيد ورحب, زمن ولاّدة وابن زيدون, وتلك الليالي التي كتب عنها المؤرخون ولم نرها إلا قراءة. عندما بدأت يد العازف تتراقص على آلة القانون وكأنه ينسج سجادة عجمية خيل اليّ ان ابواب الشرق انفتحت وان تلك النغمات الحزينة سقطت على قلوبنا وارواحنا كالبرد, ولم تسقط تلك الرؤية الشفيفة الا عندما دخل عازف العود بنغماته السلسة وبريشته التي تضفي نغما اصيلا وكأن زرياب حاضر في كل ترديدة من تلك الترديدات الجميلة: وأدِرْ ذكري كأساً ما امتطت كفَّك كاسُ واغتنم صفوَ الليالي انما العيش اختلاسُ لقد تمايلت الرؤوس بتؤدة أعجاباً بهذا الفن والتهبت الأكف وهي تصفق, ونحن ننظر لهذا الحضور المثير من اولئك الذين يفهمون لغة الموسيقى رغم سقوطهم المباشر في اللغة الغنائية. وبعد استراحة الفرقة الموسيقية طلب احد الزميلين من المطرب المرافق للفرقة أن يؤدي احدى الاغنيات الخليجية فاعتذر لأنه لا يحفظ الكلام, لكنه اشار إلى ان الفرقة تحفظ جميع الالحان, واذا كان بيننا من يستطيع اداء احدى الاغنيات ان يتقدم, وهنا اصر الزميلان على ان اقوم بهذا الدور رغم امكانياتي المتواضعة في الاداء, فأنا لا أملك ذاك الصوت الجميل, وفوق هذا او ذاك لا أستطيع ان أواجه جمهورا مستمعا ومتذوقا للغناء العربي. وبين الاخذ والرد وجدت نفسي اواجه الجمهور وخلفي الفرقة الموسيقية العتيدة, فكانت ليلة من ليالي باريس المثيرة, فما انتهيت الا وجدت الحسناوات يطالبن بتوقيعي على (اوتوجرافات) وانا اكتب ما لا اعرف في مناسبة لم اخترعها او احددها على الاطلاق, فقد حضرت الصدفة والحظ في المكان, وغبت انا متعمدا حتى لا اركب قطار الشهرة الغنائية. ولكن الان وبعد هذا الزحام المثير والشهرة السريعة التي تقدمها شركات الانتاج الفني والفضائيات لكل من هب ودب, اجد صوتي المتواضع وغير المعدل على الآلات, يستحق ان ينطلق من حيث بدأ وتوقف في ليلة من الف ليلة وليلة.