في واحد من الصور يظهر رجل يعتمر قبعة عريضة وهو يتطلع ويتأمل نحو الأفق في السهول الواسعة . وفي صورة ثانية يصرر خيال أسنانه وشد الرسن بيد ويلوح باليد الأخرى السوط وهو على صهوة جواد وفي صورة ثالثة يتحلق عدد من الرجال حول موقد يشوون عليه قطعة ضخمة من لحم البقر. هؤلاء هم الـ (غاوتشو) فرسان الأرجنتين الأسطوريين الذين صورتهم كاميرا ألدو سيسا, أحد أشهر المصوريين الفوتوغرافيين في الأرجنتين. بالنسبة لمعظم الأرجنتينين أصبح الغاوتشو شيئاً من الماضي, يجسد كل الفضائل, مثل الوفاء والروحية الاستقلالية الشديدة. وكان هدف سيسا هو أن يثبت بالصور للمجتمع المديني أن الغاوتشو لايزال موجوداً. وقد أقام سيسا مؤخراً معرضاً عرض فيه أكثر من مائة صورة في كتابه الجديد بعنوان (الغاوتشو) وفي مقابلة صحفية قال سيسا إن هدف إقامة المعرض هو إبراز أن الغاوتشو حي يرزق, وانه مثله مثل معظم مواطنيه كان يعتقد ان الغاوتشو انقرضوا (ولكنني رأيتهم بأم العين وهم حقيقيون) . هذا النوع الفردي من رعاة البقر الجنوب أمريكي كانوا في السابق فرساناً مستقلين ثم تحولوا الى هاربين من القانون في منطقة السهول, الى أن تحولوا الى عمال في المزارع في مطلع القرن مع ازدهار صناعة اللحوم وتسوير مناطق واسعة من تلك السهول بالأسلاك الشائكة. والصور التي التقطها سيسا تبين الغاوتشو أثناء العمل واللهو وترويض الخيول ورعي الأبقار وأكل اللحم المشوي وحضور حفلات الرقص في القرى. وقال سيسا انه شاهد خمسة من الغاوتشو الشبان يخرجون في ساعات الفجر لاصطياد الخيول المتوحشة بالبوليادورا, وهى أداة تتألف من ثلاث كرات من الجلد بحجم كرة البيسبول موصلة ببعضها بعضاً بحبال جلدية طويلة تلقى نحو الأحصنة وتعرقل قوائمها. بدأ سيسا مشروع الغاوتشو قبل خمس سنوات عندما قابل خوان خوزيه جويرالديز رئيس اتحاد الغاوتشو الأرجنتيني في مزرعته في سان انطونيو اريكو شمالي بيونس ايرس. غويرالديز هذا هو ابن شقيق زيكاردو جويرالديز مؤلف الرواية الكلاسيكية (دون سيجوندو سومبرا) , وهى عن جاوتشو هرم يتبنى فتى يتيما ليعلمه قيم ومهارات حياة الغاوتشو الى حين بلوغه مرحلة الرجولة. والاتحاد الذي يرأسه خوان خوزيه يسعى الى ابقاء تقاليد الغاوتشو حية عن طريق إقامة المهرجانات والمعارض. ويقول خوان خوزيه: (قال لي ألدو سيسا انه يريد أن يصور الغاوتشو وسألني ما إذا كان هذا الشيء موجوداً بالفعل. لقد جاء باحثا عن خرافة فعثر على واقع حي) . وفي السنوات الاربع التالية قطع سيسا وغويرالديز معا أكثر من 25 ألف ميل من مراعي السهوب الواسعة الى منطقة باتاغونيا القاحلة الجرداء, ومن المنطقة الاستوائية في الشمال الشرقي في البلاد الى تييرا دل فويغو المتجمدة في الجنوب. وكانت حصيلة هذه الأسفار التقاط حوالي 50 ألف صورة, ثم عرض 130 صورة منها ــ ملونة وبالأسود (الأبيض) حتى 12 أكتوبر الماضي في قصر الزجاج في العاصمة بيونس ايرس. ويقول غويرالديز: (لقد كانت مهمتي مساعدته على الاقتراب من موضوع التصوير. لقد ساهمت بمعرفتي للغاوتشو وهو ــ ألدو ــ ساهم بحساسيته كفنان. لقد سجل الطبيعة والشعب والتقاليد والعادات والأفراح والعزلة والوجوه على ألوف الصور. سيسا المولود في بيونس ايرس سنة 1939 يتناوب العمل كرسام وكمصور. وقد قدم رسوم كتب عديدة لمؤلفين مشهورين منهم جورج لويس بورغيس وراي برادبري, وعرض أعماله في المعارض في مختلف أنحاء العالم ومنها المركز الدولي للتصوير الفوتوغرافي في نيويورك ومتحف فيكتوريا وألبرت في لندن, وقاعة كونستهول في هامبورج. في مقدمة الكتاب الذي يحمل عنوان (أشباح إلى الأبد), كتب برادري: (هذا هوالفريق, ألدو سيسا وراي برادبري أو راي برادبري وألدو سيسا. تأمل أن لا تستطيع أن تميز أين ينتهي أحدهما ويبدأ الاخر بل تعرف فقط كيف يركض الاثنان معا) . النقاد والمعلقون أشاروا في كتاباتهم الى طريقة استعماله للضوء مثلاً, يكفية تراقص ضوء النار على وجوه مجموعة من رعاة البقر المتحلقين حول الموقد. وينوي سيسا وغويرالديز أن يتجولا بمعرضهما في المدن الكبرى في الأرجنتين على أن يقوما لاحقا بجولة في الخارج. ــ أ.ب بيونس ايرس, دانيال زادونيسكي