في مثل هذا اليوم من الأسبوع الماضي نشرت (البيان) تقريرا من السودان عن الحياة في شارع الجمهورية, الذي يعتبر من مناطق الجذب الرئيسية في الخرطوم, فهو يشابه كما يقول التقرير شارع الحمرا في بيروت . وصف الحياة فيه يربط بين الذكريات الجميلة التي تسكن وجدان السودانيين عن هذا المكان وبين الحاضر. الجمهورية كان شارع الموضة والأناقة والثقافة والاستراحة والتسوق, والسياح الأجانب الذين كانوا لا ينقطعون عن السودان وعن الجمهورية تحديدا. الوصف المكتوب عن الجمهورية كان في الزمن الجميل أما اليوم فتغير شارع الجمهورية وتغيرت الخرطوم وتغيرت أشياء كثيرة, أهمها الإنسان, حلت عليه هموم الدهر من كل صوب, أصابه الجوع والفقر وداهمته الفيضانات والأمراض, ولم يعد يتنفس في مناخ صحي تميزه نسمة الحرية وبقاء الود حتى في حالات الاختلاف. اختفت عنه الابتسامة التي تميز بها في كل الظروف والأزمنة وأصبح شاحب القلب والملامح. وأنا أقرأ تقرير شارع الجمهورية, تذكرت روائع التيجاني يوسف بشير, ومحمد الفيتوري وصوت الكابلي والوردي وأجمل ما كتب الطيب صالح من (عرس الزين) و(دومة ود حامد) إلى روايته الخالدة (موسم الهجرة إلى الشمال) تألق هؤلاء كثيرا ووصلت روائعهم إلى مختلف بقاع العالم لأنهم أبدعوا, وإبداعهم هذا توّلد في زمن الابداع. شغلهم هاجس الابداع لأنهم اطمأنوا لأمن السودان, أما اليوم فمن من أهل هذا البلد لا يشغله غير هم وحيد هو توفير لقمة العيش هذا لمن يسكن الداخل, اما خارج الوطن فإن السوداني لا تهمه اللقمة فقط وانما وجع الداخل يجعل أحزانه مضاعفة, فهذا الشعب أكثر الشعوب ارتباطا وحنينا لوطنه. قراءة وصف حالة شارع الجمهورية, جعلتني أشعر بالألم لحاضر السودان, في اليوم التالي عرفت ان زملائي السودانيين كانوا في حالة ألم بالأمس أيضا, ولكن السبب مختلف, فجزئية وردت في استراحة الأسبوع الماضي زادت من أحزانهم وتمنوا انني لم أكتبها وفي الواقع انني ذكرتها كنوع من الطرافة, فحدث ان أعطت مفهوما آخر, وأزعلت بعضهم. ولأن علاقتي بالسودانيين متينة وقديمة فانزعجت لأنني أزعلتهم عن غير قصد, فالزميل والزملاء (الزولات) الذين عرفتهم طوال السنوات الماضية عرفت فيهم معنى الصداقة الحقيقية وحبهم وإخلاصهم الشديد لهذا البلد وهذه المهنة, وجهدهم في تقديم خبرتهم للآخرين. ومن لا يحب السودانيين وفيهم بعض طباع لو وجدت عند مختلف أبناء هذا الوطن الكبير, لاختلف حال هذه الأمة كثيرا. مثل طبع انهم جميعا قلب واحد, يتعارفون في أي مكان يلتقون به وتسري بينهم الألفة, وفي الغربة تقوى هذه الرابطة, فتجدهم رحماء فيما بينهم, يتواصلون, ويحاول كل منهم ان يكون سندا للآخر. ومن طبعهم ان قلوبهم تشبه ثيابهم بيضاء دائما, قد يغضب السوداني وكثيرا ما يغضب ويزعل, ولكن سريعا ما يرضى أيضا, ومهما بلغت ثورة الغضب عنده فإنها لا تسري إلى قلبه ولا تترسب في دواخله يُبقي قلبه أكبر من كل الضغائن والهواجس. حادثتني سيدة سودانية منتصف الأسبوع, معاتبة, قالت إنها انتظرت يومين قبل ان ترفع سماعة الهاتف وتكلمني, سألتها لماذا؟ أجابت لأنها كانت غاضبة وزعلانة, وأنها صبّرت نفسها حتى تهدأ ثورتها, ولكي لا أسمع منها إلا الكلام الطيب. وموقف السيدة السودانية تملك ان تعممه, فالسودانيون يعنيهم كثيرا ترك الانطباع الجيد عنهم عند الآخرين, يحبون ان يكونوا محترمين, لهم وجه واحد وقلب واحد يحمل الحب فقط. فمتى يعود سودان الزمن الجميل, وتعود لشارع الجمهورية الحياة, ونزور السودان لنراه على الطبيعة, بالتأكيد إنه سيكون جميلا كأهله.