أكد عبيد محمد ابراهيم القاضي بمحكمة الشارقة الاستئنافية بأن الاتجار في الإسلام ليس الهدف منه تحقيق مصالح خاصة بالدرجة الأولى وانما الهدف اقامة المصالح المشروعة ودرء المفاسد التي تنهى عنها الشريعة وجلب المصالح بتقريب السلع لطالبيها حفظا لضروراتهم وتخفيفا للمشقة عنهم وتيسيرا لحياتهم مشيرا إلى ان الغرض من الاتجار في القانون التجاري الحديث هو الربح فقط وتحكيم المصالح الخاصة والمنافسة والجشع والأثرة والأنانية وحب الذات وكل هذا يؤدي إلى حرية الاستغلال. وقال إنما يدعم مثل هذه النظرة مجموعة من القواعد الجائرة مثل مبدأ سلطان الارادة وقاعدة العقد شريعة المتعاقدين وذلك ان رضا الضعيف بشروط القوي اهدار لحقوقه, على عكس الإسلام فليست هناك حرية مطلقة في التعاقد بل وضع فقهاء الإسلام قواعد للتعامل في اطار روح الإسلام العامة وطبقها المسلمون الأوائل فعاشوا سعداء متسامحين. وقال ان القوانين الأجنبية لم تعرف الحماية التشريعية للمستهلك إلا بعد عام 1945 أما الإسلام فقد سن ذلك في عصر تكوين الشريعة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قبل أكثر من أربعة عشر قرنا. وحول حماية المستهلك في الشريعة الإسلامية قال القاضي عبيد محمد ابراهيم: هناك العديد من التوجيهات الإسلامية للتجار من أجل حماية المستهلك ومن أبرز هذه التوجيهات انه جعل للتاجر الصدوق في تجارته منزلة تبلغ الأنبياء والصديقين والشهداء فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (التاجر الصدوق يحشر يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (التجار الصدوق تحت ظل العرش يوم القيامة) وتوعد الإسلام من لا يتقي الله من التجار ولا يصدق في تجارته بالعذاب يوم القيامة وروي ان النبي صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم إلى السوق فرأى الناس يتساومون ويتبايعون فقال: (يا معشر التجار) فرفعوا أعناقهم ومدوا أبصارهم استجابة لندائه, فقال: (ان التجار يبعثون يوم القيامة فجارا إلا من اتقى الله وبر وصدق) , كما عد الذي يغش في تجارته من غير المسلمين, فقد قام الرسول عليه الصلاة والسلام بجولة تفتيشية على السلع في السوق فمر برجل يبيع الطعام فأعجبه ظاهره, فأدخل يده فيه, فوجد به بللا فقال: (ما هذا يا صاحب الطعام) , فقال: (أصابته السماء, ـ يريد ان المطر نزل عليه ــ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فهلا أبقيته فوق الطعام حتى يراه الناس, من غشنا فليس منا) . وقال عليه الصلاة والسلام: (من غش مسلما في بيع أو شراء فليس منا ويحشر مع اليهود يوم القيامة) , وقال أيضا: (من غش أخاه المسلم نزع الله بركة رزقه, وأفسد عليه معيشته ووكله إلى نفسه) . وقال القاضي عبيد ابراهيم ان الإسلام أوجب على البائع والصانع ان يبين العيب ان كان بسلعته عيب وحرم اخفاء عيوب السلعة, فعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (المسلم أخو المسلم لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا وفيه عيب إلا بينه له) . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم بايع جريرا على الإسلام وذهب جرير لينصرف فجذب الرسول ثوبه واشترط عليه النصح لكل مسلم, فكان جرير إذا باع سلعة ذكر عيوبها وخير المستهلك وقال له: (ان شئت فخذ وان شئت فاترك) فقيل له: (انك ان فعلت ذلك لم ينفد لك بيع) , قال: (انا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم) يضاف إلى ذلك ان الإسلام حظر الاحتكار وتوعد المحتكر بالحرمان من رحمة الله وبالجذام والافلاس لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من احتكر الطعام أربعين يوما برئ من الله وبرئ الله منه) , كما حذر من الدعاية الكاذبة لترويج السلعة فحرم على البائع ان يثني على سلعته ويصفها بما ليس فيها فهذا ظلم وغش وكذب وقائله محاسب بما يقوله, قال الله تعالى: (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) ويحرم ان يحلف بالله لكي يروج سلعته, حيث قال سبحانه وتعالى: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم), أما إذا كانت اليمين كاذبة فهذا من كبائر الذنوب ويمحق البركة, فعن أبي هريرة رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة, غني مستكبر, ومنان بعطية, ومنفق سلعته بيمينه) . وحرم على التاجر ان يبخس في الكيل والوزن وتوعد الله من يفعل ذلك بالويل والعذاب الشديد وفي القرآن الكريم: (ويل للمطففين الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون. ألا يظن أولئك انهم مبعوثون ليوم عظيم. يوم يقوم الناس لرب العالمين) المطففين: 1ـ 2. وقال تعالى: (أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين وزنوا بالقسطاس المستقيم ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين) (الشعراء 181 ـ 182). وقال القاضي عبيد ابراهيم: ولقد طلب الإسلام من التجار تعلم الأحكام الشرعية للتجارة ليلتزموها, ولا يقعوا في مخالفتها. وليطمئن المستهلك في التعامل معهم, روى الإمام زيد بن علي عن أبيه عن جده رضي الله عنهم ان رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله إني أريد التجارة فادع الله لي, فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أوَ فقهت في دين الله؟) قال: أوَ يكون بعض ذلك؟ قال: (ويحك الفقه ثم المتجر, ان باع واشترى ولم يسأل في دين الله ارتطم في الربا, ثم ارتطم) , وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (لا يتجر في سوقنا إلا من تفقه في دينه, وإلا أكل الربا شاء أو أبى) , وقال الإمام النووي رحمه الله: (من أراد التجارة لزمه أن يتعلم أحكامها فيتعلم شروطها وصحيح العقود من فاسدها, وصحيح أحكامها. زيادة الانتاج وحول توفير السلع للمستهلك ومراقبته أسعارها قال القاضي عبيد ابراهيم ان زيادة الانتاج وتوفير السلع للمستهلك من صحيح العقيدة الإسلامية وذلك لأن المسلم يعتقد بأن الله تعالى استخلفه لعبادته ولعمارة الأرض, وعمارة الأرض لا تكون إلا بانتاج طيبات الرزق كما قال تعالى: (هو الذي جعلكم خلائف في الأرض) فاطر: 3, كما ان الله تعالى أمر بالسعي في الأرض لطلب الرزق, ومثل هذا السعي يزيد في الانتاج, كما ان على ولي الأمر ان يجبر بعض الناس على الانتاج ان كان للرعية حاجة إلى هذا الانتاج. قال ابن القيم: (ان كان الناس محتاجين إلى فلاحة قوم أو نساجتهم أو بنائهم صارت هذه الأعمال مستحقة عليهم يجبرهم ولي الأمر عليها بعوض المثل, ويوجه الإسلام إلى ان يكون هناك تناسب بين الأجر والانتاج لما في ذلك من تحفيز العامل على العمل وزيادة الانتاج, قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (ان ولي الأمر ان أجبر أهل الصناعات على ما يحتاج إليه الناس من صناعتهم كالفلاحة والحياكة والبناية فإنه يقدر أجر المثل) . وفي تشريع الزكاة دافع كذلك لزيادة الانتاج, وذلك ان يعطي الزكاة عن نفسه أو عن مال القاصر لديه ويسعى لزيادة جهده في العمل والانتاج لتعويض المبلغ الذي دفعه زكاة, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (اتجروا في مال اليتيم حتى لا تأكله الزكاة) , وفي هذا التشريع تحفيز للفقير على العمل والانتاج ليكون غنيا يدفع الزكاة فينال اجر المزكين المتصدقين, واشتكى الفقراء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ذهب أهل الدثور بالأجور, يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون) . محاربة الإسلام للاحتكار وأضاف القاضي عبيد محمد ابراهيم: واجه الإسلام الاحتكار وذم المحتكر وتوعده بعذاب الدنيا والآخرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من احتكر حكرة يريد أن يفلس بها على المسلمين فهو عاص) , وقال أبو يوسف صاحب أبي حنيفة: (كل ما أضر الناس حبسه فهو احتكار وان كان طعاما أو شرابا) , وعن أبي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (من احتكر يريد ان يغالي بها المسلمين فهو خاطئ وقد برئ منه الله) , ورغب الإسلام في ترك الاحتكار والصدق والأمانة في التجارة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (التاجر الأمين الصدوق المسلم مع الشهداء يوم القيامة) , وقال أيضا: (من جلب طعاما فباع بسعر يومه فكأنما تصدق به) , ولذلك نجد نماذج من التجار كانوا عظماء بامتثال هذه المبادئ, وجدير بتجارنا ان يقتدوا بهم. روى حجة الإسلام الغزالي رحمه الله في كتابه احياء علوم الدين عن بعض السلف: (ان تاجرا كان بواسط, فجهز سفينة حنطة إلى البصرة, وكتب إلى وكيله: بع هذا الطعام يوم يدخل البصرة ولا تؤخره إلى الغد, فوافق سعة في السعر, فقال له التجار: لو أخرته جمعة ربحت فيه أضعافه, فأخره جمعة فربح فيه أمثاله, وكتب إلى صاحبه بذلك, فكتب إليه صاحب الطعام: يا هذا إنا كنا قنعنا بربح يسير مع سلامة ديننا, وانك قد خالفت, وما نحب ان نربح أضعافا بذهاب شيء من الدين, فقد جنيت علينا جناية, فإذا أتاك كتابي هذا فخذ المال كله فتصدق به على فقراء البصرة وليتني أنجو من اثم الاحتكار. ولقد واجه الإسلام الاحتكار بوسائل عملية وذلك باكراه المحتكر على بيع ما عنده بقيمة السوق, قال ابن قيم الجوزية رحمه الله: (على ولي الأمر ان يكره المحتكرين على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند الضرورة وحاجة الناس) . وقال ابن حجر الهيثمي رحمه الله: أجمع العلماء على انه لو كان عند انسان طعام واضطر الناس إليه يجبر على بيعه دفعا للضرر عنهم, وأجاز عقاب المحتكر بعقوبة تعزيرية رادعة, من ذلك ما روي ان علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أمر باحراق طعام المحتكر. التسعير التسعير هو الزام ولي الأمر ببيع السلعة بثمن المثل مع ربح يقتضيه العرف من غير اضرار بالبائع ولا المشتري, ولكن إذا كان الناس يبيعون سلعهم على الوجه المعروف من غير ظلم فلا يجوز التسعير أما إذا امتنع أرباب السلع عن بيعها مع ضرورة الناس إليها بزيادة على القيمة المعروفة فهنا يجب عليهم بيعها بقيمة المثل فإن لم يفعلوا كان للدولة الزامهم بذلك, يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (ان السعر منه ما هو ظلم لا يجوز ومنه ما هو عدل جائز, فإذا تضمن ظلمه الناس واكراههم بغير حق على البيع بثمن لا يرضونه أو منعهم مما أباحه الله لهم فهو حرام, واذا تضمن العدل بين الناس مثل اكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل, ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ زيادة على عوض فهو جائز بل وواجب, وممن اجازوا التسعير الامام مالك في رواية عنه وسعيد بن المسيب وربيعة الرأي واحتجوا بالأدلة التالية: ان التسعير فيه مصلحة للناس بالمنع من اغلاء السعر عليهم, ان عدم التسعير فيه ضرر للمشتري والضرر ممنوع لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار) وإذا تعارضت مصلحة المشترين مع مصلحة التاجر فإنه يجب تقديم مصلحة المشترين لأنها مصلحة عامة مقدمة على مصلحة التاجر الخاصة, كما ان النبي صلى الله عليه وسلم منع من الزيادة على ثمن المثل في عتق الحصة من العبد المشترك, فقال: ( من أعتق شركا له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل لاوكس ولا شطط فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد) , فهنا ألزم النبي صلى الله عليه وسلم بقية شركاء المعتق للعبد بيع حصصهم بقيمة المثل وهذا هو حقيقة التسعير في الفقه الإسلامي, ويعتبر التسعير مصلحة للتاجر كذلك ويكون بمنع البيع بأقل من سعر السوق, جاء في كتاب الموطأ للإمام مالك رحمه الله بأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مر بحاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه وهو يبيع زبيبا له في السوق, فقال له عمر : (لولا ان رجلا أراد فساد السوق فحط عن سعر الناس, لرأيت ان يقال له : إما لحقت بسعر الناس وإما رفقت, ثم قال لحاطب: إما ان تزيد في السعر وإما ان ترفع من سوقنا) . مراقبة السوق ويقول القاضي عبيد ابراهيم: ان مراقبة السوق في النظام الإسلامي تعرف بنظام الحسبة, والمحتسب ليس اسما لشخص بل هو اصطلاح لنظام متكامل, إذ أوجب لكل حرفة من الحرف خبيرا بصناعة أهل الحرف بصيرا بطرق غشهم وتدليسهم حتى يتمكن مسؤول الحسبة من منع ما خفي من الغش والتدليس, ومشروعيتها نابعة من قول الله سبحانه وتعالى (ولتكن منكم امة يدعون الى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر واولئك هم المفلحون) آل عمران ــ 104, وقد قام الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه بمهام الحسبة فقد مر عليه الصلاة والسلام على رجل وهو يبيع طعاما فأعجبه فأدخل يده فرأى به بللا فقال: ماهذا؟ فقال: اصابته السماء, فقال: هلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس من غشنا فليس منا) , واستعمل الرسول صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب وعبدالله بن سعيد بن اصبحة بن العاص على سوق المدينة واستعمل سعيد بن العاص على سوق مكة, كما اهتم الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه بكل ما يدخل في نظام الحسبة فكان يتجول في الاسواق ويضرب على ايدي من ينتهك حقوق المستهلكين. ومن مهام جهاز الحسبة: مراقبة الاسعار, الاهتمام بالنظافة العامة بالنسبة للخبازين والجزارين والتأكد من دقة ونظافة الادوات الصحية لدى الاطباء, انكار البيوع الفاسدة مثل الربا والميسر وبيوع الغرر, منع وانكار اي غش في السلع, مراقبة البخس في المكاييل والموازين ويجوز له ان شك في شيء من الموازين ان يختبرها لان الشريعة جرمت بخس الكيل والميزان, مراقبة الجودة يقول الامام الماوردي رحمه الله: ولهم ان ينكروا عليهم في العموم فساد العمل ورداءته) , يمنع التعامل في الاطعمة الفاسدة او المحرمة لاضرار ذلك بالصحة, الامر بالمعروف والنهي عن منكرات الاسواق. كتب السيد الطنطاوي