لم تشغله اعباء الوظيفة العامة بكل ما تلقيه عليه من مسؤوليات متشعبة ومتناثرة على طول الامارات وعرضها من أبوظبي والعين إلى دبي والفجيرة من القيام بواجبه كاملا نحو والده المسن, انه نموذج للشاب الذي استطاع ان يرضي ربه رغم ما تلقيه عليه الوظيفة من مهام كبيرة . انه من القلائل الذين تعجب بهم وتقدرهم وتحترمهم, فإذا اقتربت منه عرفته من افعاله لا اقواله, آثر ان يقوم على خدمة والده بنفس طيبة فنال بذلك الرضا في الدنيا والجزاء في الآخرة, وبذلك نال الحسنيين. يحرص صاحبنا بوسعيد على ادخال السعادة على نفس والده .. يرافقه في جميع المناسبات العائلية والاجتماعية .. يلازمه .. لا يتوارى عنه أمام الآخرين, يشاركه في رحلاته وخلواته ونزهاته, يجتهد على لادخال البهجة والسعادة اليه, يرافقه في رحلته السنوية للصيد رغم مشاغله واعبائه التي لا ترحم, فيكون خلال تلك الرحلة نعم الخادم والمطيع بلا ضجر, انه من اولئك القلائل البارين بوالديهم والحافظين للحقوق والمثابرين المجتهدين لارضاء خالقهم لقوله تعالى (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا) . لم تشغله أعماله ومسؤولياته الكبيرة عن والده, يصحو مبكرا, يغسل وجه أبيه, يحلق له ذقنه, يساعده في ارتداء ملابسه, لا يترك مكانه حتى يطمئن عليه وحتى ينتهي من إفطاره, يودعه متجهاً نحو مكتبه ومسؤولياته, عاقدا العزم على العودة اليه في نهاية (الدوام) ليكون بجانبه حتى الرابعة مساء من كل يوم, يحرص على ملازمته كل الصباح والمساء لعله يرد بعضا مما عاناه في تربيته وتربية اخوانه, كان الأب يقوم الليل والنهار, ويعمل جاهدا على تنشئتهم النشأة الصالحة دينا ودنيا حتى شبوا عن الطوق, وكان له ما أراد, واصبح ابناؤه بنين وبنات افرادا صالحين في المجتمع بفضل رعاية والدهم, ولقد جاء دور الابناء وكانوا بررة وردوا الجميل بأحسن منه. الأبناء نعمة من الله يرزق من يشاء الذكور, ويرزق من يشاء الاناث ويجعل جلت قدرته من يشاء عقيما. وفي المأثور من القول ان يزيد بن معاوية: ارسل ابي إلى الاحنف بن قيس, فلما وصل إليه قال له: يا أبا بحر, ما تقول في الولد؟ قال: يا أمير المؤمنين, ثمار قلوبنا, وعماد ظهورنا, ونحن لهم أرض ذليلة, وسماء ظليلة, وبهم نصول على كل جليلة, فان طلبوا فاعطهم, وان غضبوا فارضهم, يمنحوك ودهم ويحبوك جهدهم, ولا تكن عليهم ثقيلا ثقيلا, فيملوا حياتك, ويودوا وفاتك, ويكرهوا قبرك, فقال له معاوية: لله أنت يا أحنف, لقد دخلت علي وأنا مملوء غضبا وغيظا على يزيد, فلما خرج الاحنف من عنده رضي عن يزيد وبعث إليه بمائتي الف درهم, فأرسل يزيد إلى الاحنف مائة الف, فأبى الاحنف, وقال: ما كنا لنأخذ لاسداء النصيحة أجرا. هكذا: وقد زرت أخا صالحا تقيا ورعا صاحب جاه ومنصب وقرار فوجدت أثر ذلك في ابنائه الابرار الاطهار. ما دعاني إلى التطرق إلى بر الابناء بالآباء وسرد قصة هذا الشاب الورع البار بوالده هو الحديث عن الناس الطيبين الذي نشر في (استراحة البيان) منذ اسبوعين, والتي وجدت صدى طيباً لدى الأخوة (الطيبين) , ومنذ ذلك الوقت كان من بين مشاغلي, البحث والتنقيب عن مآثر الطيبين, وتلك مهمة اعتقد انها صعبة خاصة بعد ان طغت الماديات وتحجرت القلوب, واصبح البحث عن مثل هؤلاء الناس كمن يبحث عن ابرة في كومة من القش في غرفة مظلمة. نتحدث عن الأبناء الطيبين .. بعد تفشي الماديات في المجتمعات الحديثة واصبح الابناء يلقون بآبائهم بعد ان يبلغوا من العمر أرذله في دور المسنين, بل وربما في مستشفيات الامراض العقلية, والعياذ بالله, ولعل قصة الشاب الامريكي الذي قرأ نعي والده الذي لم يره منذ عامين في الصحيفة وهو في طريقه إلى العمل تعطينا الدليل الواضح على غبن الابناء واجحافهم وتناسيهم لما بذله الآباء من جهد في تربيتهم. وعلى الرغم من ذلك فاننا والحمدلله مازال ابناؤنا بخير ولم يصلوا إلى هذا النوع من الجحود ومازالوا يعيشون في كنف الآباء ويعملون بقوله تعالى: (ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما) , ابناؤنا مازالوا طيبين وسيظلون كذلك إن شاء الله.