قال صاحبي بعد ان حدثته عن بقايا نزعة رومانتيكية في شعر محمد مصطفى بدوي, ولكن حتى لو صح ذلك, فلماذا يدفع ذلك محمد مصطفى بدوي الى مهاجمة الشاعر الحديث الذي يتميز بدرجة كبيرة من الوعي بالذات والتأثر بالنظريات ؟ قلت: لان الرومانتيكية تنطوي على التسليم بتلقائية الكتابة الشعرية, وفطرية الابداع الذي لا يعرف الصنعة, وعفوية الاسترسال أو التدفق الوجداني الذي لا يأبه كثيرا بالتنظير. ولا تنس ان (نظرية التعبير) التي هي الوجه النقدي للابداع الرومانتيكي تفتح الابواب للانطباعية او التأثرية بما يجعل من النقد الادبي استجابة ذوقية عفوية للكتابة الابداعية. قال صاحبي: يبدو ان ذلك كان السائد في النصف الاول من الستينات, حيث كانت بقايا نزعة الوجدان الفردي او الوجدان الجمعي لا تزال ماثلة فيما كنا نقرأه في ذلك الوقت لكبار المبدعين, وحيث كانت تشيع افكار محمد مندور واستاذه طه حسين عن السذاجة الشعرية واهمية التلقائية او التدفق الشعري, وكيف ان الشعر العظيم ظل قرين عصور الفطرة في التاريخ. قلت لصاحبي: معك حق فيما تقول. وأضيف اليك ان ما كان شائعا في الستينات. من الميل الى النقد التطبيقي والانصراف عن التنظير, انما يرجع الى ميراث نقدي عربي قديم, وجد سنده الاقوى في طه حسين الذي لم يتردد في مخاصمة صديقه محمد حسين هيكل حول معنى النقد الادبي في العشرينات من هذا القرن. قال صاحبي: وكيف كان ذلك؟ قلت: كان طه حسين متأثرا بكتابات المدرسة التأثرية في النقد, ميالا الى الاستجابة العفوية للاعمال الادبية, ممارسا للنقد التطبيقي بوصفه نوعا موازيا من الابداع الادبي, ولذلك قسم الادب الى قسمين: الادب الانشائي, وهو فنون الادب التي نعرفها من شعر وقصة ومسرحية, والادب الوصفي وهو النقد الادبي الذي يدور حول الاعمال الادبية ويوازيها في الابداع. وقد رفض محمد حسين هيكل هذه النظرية نتيجة تأثره بالفلسفة الوضعية في عمومها, ونظرية الناقد الفرنسي هيبوليت تين عن الزمان والمكان والعرق في خصوص توجهها. وفي حين اصر محمد حسين هيكل على ضرورة ان يلحق النقد الادبي بدائرة العلم, على الاقل بمعناه المستخدم في العلوم الانسانية والاجتماعية, ذهب طه حسين الى النقيض والح على ان النقد الادبي ادب وصفي, يشبه الادب في جوانب عدة منها انه يصور نفسية الناقد في الوقت الذي ينتقد فيه تماما كما يعكس الادب مشاعر صاحبه وقت الكتابة. قال صاحبي: وطبيعي ان يترتب على نظرة طه حسين الميل الى النقد التطبيقي بالمعنى الذي يجعل منه فضاء مفتوحا لذوق الناقد وانطباعاته, ويتزايد النفور من النقد النظري الذي يمكن ان يتهم بأنه نقد يخلو من نضارة الذوق وعفوية الاستجابة وبراءة التلقي. قلت لصاحبي: وهذا ما حدث تماما, خصوصا عند تلاميذ طه حسين الذين تأثروا بشخصه ومذهبه النقدي على السواء واشهر هؤلاء محمد مندور الذي بدأ من حيث انتهى استاذه طه حسين وظل يرفع شعار تلقائية الاستجابة النقدية بما جعل من النقد التطبيقي القائم على الذوق والوجدان نقيضا للنقد النظري القائم على العقل والاستنباط, بل بما جعل من وجود احدهما نموذجا للذوق السقيم, بينما رفع من شأن الآمدي والجرجاني اللذين عدهما نموذجا للناقد التطبيقي الذي لا يعتمد الا على الذوق, ولذلك ايضا هاجم مندور دعاة الافكار الوضعية الذين تمسكوا بأهمية النظرية النقدية بوصفها الدليل العقلي الذي ينبغي ان يهتدي به الناقد, كي لا تضله تلقائية الذوق التي يمكن ان تنقلب الى فوضى. ولا تنس ان محمد مندور كانت له مناظرة نقدية شهيرة مع زكي نجيب محمود في الاربعينات, وكان زكي محمود يؤكد اهمية النظرية والتنظير في الممارسة النقدية, بينما كان مندور يميل عن ذلك, ويرى في التنظير اجدابا للممارسة النقدية, وتجفيفا لمنابع الذوق العضوي في الفعل النقدي, ويدعو الى الاعلاء من شأن النقد التطبيقي على حساب النقد النظري الذي ظل ينظر اليه شذرا طوال حياته. قال صاحبي: واذن فأنت تعتقد ان شيوع هذا الاتجاه واستمراره في الهيمنة خلال النصف الاول من الستينات هو الذي دفع محمد مصطفى بدوي الى التوجس من النزعة العلمية الصارمة والمنحى التجريبي (الامبريقي) الغالب على كتاب رتشاردز, وذلك من منظور يستريب في ترك العنان للنزعة العلمية في النقد, ويؤثر الابقاء على سماحة الذوق وموهبة القارىء المتميز. قلت لصاحبي: هذا صحيح إلى حد كبير, لكن مع احتراز مهم, فقد ظل بدوي معجبا بكتاب رتشاردز النقدي, خصوصا في انضباطه المنهجي ومحاولته الكشف عن اسرار عملية التوصيل, تلك المحاولة التي قادته إلى التركيز على اللغة الادبية والتوغل في معرفة أسرارها بالقياس إلى لغة العلم, ولولا اعجاب بدوي بكتاب رتشاردز ما ترجم الكتاب ابتداء, وما قدم له تقديما متميزا, وما اضاف اليه ترجمة كتاب رتشاردز الصغير عن (العلم والشعر) ويمكن ان اضيف إلى ذلك ما رآه بدوي في منهج رتشاردز من اساس علمي يبعدنا عن العشوائية والذاتية, وما اعجب به من التلاحم المنطقي لمنهج الكتاب, وذلك من المنظور الذي يجتذب الباحثين عن النظام في حياة بدت اغلب الاشياء فيها بلا نظام, ومع ذلك فان اعجاب بدوي برتشاردز لم يمنعه من نقده, سواء في اسرافه في النزوع العلمي من ناحية, وهجومه على نظرية الحدث عند برجسون من ناحية ثانية. قال صاحبي الذي كان مستغرقا كل الاستغراق, يستمع إلى ما اقول استماع المشوق إلى المزيد: ولكن ما علاقة الفيلسوف برجسون شبه المتصوف ببدوي وصاحبه رتشاردز الذي هو ابعد ما يكون عن التصوف فيما اعرف عن نزعته السلوكية في التحليل النفسي, قلت: معك حق في ابعاد رتشاردز عن التصوف, فقد اتخذ موقفا مضادا من نظرية برجسون في الحدس, ونفر نفورا واضحا من آرائه شبه الصوفية, وذلك لانه كان يدعو إلى بناء النقد على اسس علمية, اما بدوي الذي لم تفارقه جذوره الرومانتيكية القديمة فأذكر انه كتب, مرة, قائلا: إن دينه لبرجسون عظيم, وعلى الرغم من انه لم يكن يقبل نظرية برجسون في الحدس بوصفه ملكة تعارض العقل أو التفكير الاستدلالي, وهو في ذلك متأثر برتشاردز بمعنى من المعاني, فانه كان يؤمن أن نظرية برجسون في الديمومة والحرية صادقة بشكل عميق, وانها لم تترك اثرها في تفكيره وحده وانما في نظرته الخيالية وكتابته الابداعية على السواء, ولذلك رفض ما انتهى اليه رتشاردز في التعليق على انتشار المذهب البرجسوني الذي وصفه بأنه غزو لفساد خلقي, وذهب بدوي في الرد على ذلك إلى أن الكثيرين ممن لم يفهموا برجسون اتخذوا من فلسفته مسوغا لآرائهم الحمقاء المخبولة, ولكننا اذا فهمنا هذه الفلسفة على حقيقتها وجدنا انها مران ذهني صارم, ان التفكير الواضح فيما يتعلق بالحركة الحيوية للحياة اشق بكثير من التفكير الواضح فيما يتعلق بعالم ثابت منظم, عالم ركبه الانسان لكي يسهل على نفسه عملية تحليله. سكت صاحبي الذي اخذه التأمل, وكنا نسير وراء كلية الآداب, حول مستطيل العشب الاخضر الذي يفصل بينها وبين كلية العلوم السياسية, فتركني اكمل الكلام دون مقاطعة واقول: واظن ان رحابة الموقف النقدي لبدوي, اعنى الرحابة التي جعلته يجمع ما بين برجسون ورتشاردز على السواء, ناقدا كلا منهما في الوقت ذاته, هي ما انتهت به إلى الاسهام في توسيع دائرة معارف المثقف العربي في زمنه, فأفادنا بترجمته كتاب ستيفن سبندر (الحياة والشاعر) واذكر هذا الكتاب جيدا لأن أستاذتي سهير القلماوي عليها (رحمة الله) هي التي راجعت ترجمته, كما راجعت ترجمة كتاب هاملتون, ولم يتركني صاحبي اكمل الجملة وقاطعني قائلا: اخشى ان تستطرد كعادتك, وتترك الموضوع الذي اثرت اهتمامي به حول النقد التطبيقي والنقد النظري, دعني اسألك عن رأيك في الموضوع, هل انت من حزب طه حسين ومندور ام انك من حزب هيكل وزكي نجيب محمود؟ قلت: مادمت قد طرحت السؤال صريحا على هذا النحو فالاجابة أنني مع الحزبين على السواء, قاطعني صاحبي مرة أخرى قائلا: ولكن هذه وسطية, وانت تكرر كثيرا ان الوسطية قريبة من التلفيقية, قلت: لا يا سيدي, وانما هي محاولة للجمع بين الاضداد في مفهوم جدلي, فالنقد الادبي تنظير وتطبيق على السواد, وهو اشبه بالطائر الذي لا يطير من غير جناحين, النقد النظري يستنبط القواعد والمفاهيم الكلية من الاعمال الادبية المتعينة ليصوغ النظرية التي تهدي خطى الناقد, والنقاد الذي يزعم انه لا يبدأ من نظرية, ولو على مستوى اللاوعي, انما هو ناقد يضلل نفسه ويضلل غيره,, ولذلك حتى في دائرة النقد التطبيقي فالناقد يبدأ من نظرية, ولكنه يغدو ناقدا خائبا لو طبق قواعد النظرية تطبيقا حرفيا, ذلك لانه يتمثل النظرية لينساها على مستوى الممارسة, ويسلم نفسه للنص, ويخرج من ممارساته العملية بأفكار جديدة تضيف إلى النظرية وتثريها, ولذلك فالعلاقة بين النظرية والممارسة النقدية هي علاقة تفاعل بين طرفين يقوم كل منهما بتعديل الاخر ومراجعته على نحو مستمر, واذا طغى احدهما على غيره, فقدت العملية النقدية عنصر المراجعة والتعديل, ومن ثم فقدت حافز التغير ودافع التطور, ان وجود الاثنين معا اشبه بوجود الجناحين اللذين يحلق بهما طائر النقد الادبي إلى آفاق أبعد وابعد, والصحيح في النقد الادبي ان نسلم بدعاة الذوق في النقد التطبيقي بسلامة موقفهم الجزئي, ونسلم لدعاة التنظير بسلامة موقفهم الجزئي ايضا, لكن الاصح ان نصل بين الموقفين الجزئيين في موقف كلي موحد, أكثر تركيبا وفاعلية, ومن ثم اكثر قدرة على المراجعة الذاتية التي هي السبيل الاولي إلى التجدد الواعد والتطور الخلاق. وادهشني صاحبي بأنه لم يختلف معي على مجرى عادته, بل قال لي وهو لا ينظر إليّ, فقد كانت عيناه تمرح في الفضاء الذي يحيط بمباني الجامعة: معك حق فيما تكرره, عادة, من ان علينا ان نبدأ من حيث انتهى اساتذتنا, لنمضي إلى افق اكثر وعدا, مؤكدين معنى الدرس الذي تعلمناه منهم, حين بدأوا, بدورهم, من حيث انتهى أساتذتهم ليضيفوا إضافاتهم الكيفية التي نبدأ نحن منها بوصفها نقطة بداية وانطلاق وليس بوصفها نقطة نهاية أو اتباع, ولم اعلق على ما قاله صاحبي بشيء, وانما تركت عيني تمرح في فضاء الجامعة التي اسهم هؤلاء الاساتذة في تأكيد معناها بوصفها الافق الخلاق لفعل المساءلة الدائمة.