يوكيو ميشيما هو الاسم الادبي لكيميثاكي هيراوكا, الذي يعد من ابرز الكتاب اليابانيين. فالعالم لا يستطيع تجاهل خاتمته الغريبة المعروفة باسم (المسيبوكو)وهي الطريقة اليابانية التقليدية للانتحار , حتى في اليابان اعتبر بعضهم انتحاره الشعائري هذا على انه من اولى العلامات لانبعاث القومية العسكرية وترميم التقاليد اليابانية حيث كان ذلك في 25 نوفمبر عام 1970 بعد ان ترك اربعين مجلدا تضم اكثر من مائة عمل ما بين الرواية والمسرحية والمقالة والخاطرة بالاضافة الى شعر مرحلة الشباب. اعتبر ميشيما مزيجا من الغموض والمبالغة والقسوة والشهوة والموت, اذ يخضع مشيما لمنطق الازمات الداخلية والتحولات الدقيقة حيث تأتي فيها الحركات المصيرية مقتضبة خفيفة غالبا, ولايكون احيانا لهذه الازمات والتحولات والمسارات سوى العودة الى بعض اليقينيات المحسوسة والى تفاؤل عالم اختل لحظة رغم وجود تحولات اخرى ومسارات اخرى تقود الى ما هو مستحيل وعابر لا يقود إلا الى الموت, اننا مع ميشيما ندخل عوامل مختلفة تماما: عوالم غريبة, خفية مأساوية تشير الى استمرار اليابان القديمة في العالم المعاصر, والى الحنين اليها, انها عوالم تفتح آفاقا غريبة لليابان في عالمنا المعاصر هذا. ان شخصيات ميشيما في بحثها عن الآخر, عن المكان الآخر, عن الغد الآخر, الافضل, في هذا البحث يتم اتحاد الجمال, والحقيقة, داخل ذواتها اليائسة المتوحدة ان رجال ونساء ميشيما لا يقترب الواحد منهم من الآخر عن طريق الحب او الكراهية وانما يتم هذا الاقتراب عن طريق الموت, لان كاتبا مثله كان من البداية مفتتنا بالموت, وكان دائما يراقب من خلاله شخوصه وهم يتقدمون منه, لانه كان يعتبر نفسه دائما تحت مجهر الموت. فميشيما الذي كرس الجمال, وكان جماليا مرهفا تحول فجأة الى زعيم لمجموعة مسلحة وهو الذي هرب اثناء الحرب العالمية ولم يظهر لها حماسا ففي ذروته الاكثر شعبية حيث التهمت انتصاراته في مبارزاته بالسيف عناوين الصحف الكبيرة وكذلك فيلمه (وطنية) الذي مثل فيه واخرجه كل ذلك تركه ميشيما فجأة عام 1967 ليثير الدهشة من جديد, وخاصة عندما تدرب سرا مع قوات الدفاع الذاتي اليابانية, ليكون في عام 1968 جيشا خاصا من مئة رجل.. هذا هو ميشيما صاحب الحياة الفلسفية وكاتب الحياة الصعبة حيث نجد الفلسفة والصعوبة في جميع كتاباته التى عكستها حياته اصدق انعكاس. خمس روائع من حديثة ليوكيو ميشيما من مسرح (نو) الياباني: بتمهيد من المترجم علي الخش للتعرف على مسرح (نو) الياباني المأخوذ من كتاب لمرجريت يورسينا بعنوان (ميشيما: رؤيا الفراغ) حيث يقول: الكثير من الفرنسيين يعرفون المسرح الياباني القديم (نو) عن طريق السماع, وآخرون تأتت معرفتهم به من قراءة او تصفح بعض آثاره المترجمة او لانهم شاهدوها تمثل على المسرح في اليابان, وثمة كثيرون يعتمدون في معرفته على البحث الجميل الرنان الذي كتبه كلوديل وهو بحث يجمع التبسيط الى المبالغة: فالمسرح اليوناني قوامه شيء يحدث, اما مسرح ال(نو) فقوامه شخص يقبل ولقد نكتفي بهذا التعريف ان كنا نبحث عن صيغة يسهل تذكرها. ولكن الروابط التاريخية مع الفن الدرامي الياباني الكلاسيكي واضحة, لكن في حين ان الدلالة في ال(نو) تظل ماثلة ابدا وان تفاوت تخفيها فإن الجانب الروائي في العرض الذي يملك دوما مصادر قصصية هو الذي يهيمن بواسطة صياغة شكلية معقدة ومتصلة, ولم يحدث إلا مؤخرا ان الجانب الروائي في العرض الذي يملك دوما مصادر قصصية هو الذي يهيمن بواسطة صياغة شكلية معقدة ومتصلة ولم يحدث إلا مؤخرا ان الجانب الروائي الذي كان غاية في ذاته وان كان يعبر بصورة غير مباشرة عن عواطف انسانية نادرة قلما نجدها في أب آخر, والكاتب ميشيما يحاول عبر هذه المسرحيات الخمس تمجيد الحب وتقديسه كعاطفة تمتلك قوانينها الخاصة لايمكن ان يعرفها او يدرك سرها إلا من يعيشها بروحه وقلبه, وهو يجعل من الحب في هذه المسرحيات لغزا غير عادي, يتناقض تناقضا كليا مع ما هو سائد من مفاهيم واعراف, فالحب عند ميشيما هو الوفاء المطلق الذي يستمد قوانينه وقواه ومعانيه من القدر والمصير, وكمالميشيما فلسفته الخاصة عن الحب, له ايضا فلسفته الخاصة عن الحياة والموت, وهذه الفلسفة مرتبطة بقوانين علم الجمال الياباني, ففي مسرحيته (سوتو باكوماشي) يشير ميشيما الى قناعته ومفاهيمه عن فكرة الموت والحياة حيث تقول العجوز للشاعر: (يقينا, عمري تسع وتسعون سنة وانظر كم انا قوية البنية) ثم تضيف العجوز: (كل الرجال الذين قالوا لي اني جميلة ماتوا, وانا اعلم الآن ان كل من يقول لي اني جميلة فموته وشيك) . بهذه الصورة الرائعة يحاول الكاتب وصف العلاقة بين الشاعر الشاب وبين العجوز فهذه العلاقة اقوى مما يستطيع اي انسان ان يفصم عراها, لان فلسفة ميشيما عن اهمية الشباب في حياة الانسان وعلاقة ذلك بالحب الذي يصمد عند الكاتب في هذه المسرحية امام كل التحديات لكنه ــ اخيرا ــ يموت امام الترهل والضعف, اللذين اعتبرهما الكاتب بمثابة السم القاتل لاقوى العواطف الوجدانية, لان الشاعر الشاب يحس اخيرا بعاطفة ما نحو العجوز, وما هذه العاطفة سوى الحب, كما تؤكده المسرحية فهذا الحب لا يعرف المستحيل لكنه لا يقوى على تحقيق حلمه لان التعب والملل قد استطاعا التغلب عليه بينما تريد الحبيبة العجوز ان يبقى قويا, وبالفعل عندما يتفوه الشاعر الشاب بعواطفه للعجوز, لا يبقى منه سوى جثة هامدة, وكل ذلك في حديقة عامة امام مرأي من الناس, يقول الشرطي: (واحد آخر سكران ميت!انهم يذيقوننا الامرين هؤلاء السكارى, هيا! انهض, ولكن اتراه قد مات؟ ياعجوز, هل تعرفين ما حدث؟ هل كنت هنا؟ العجوز: ترفع رأسها قليلا (يبدو لي انه مر وقت طويل على هذا كله الشرطي: ولكنه لايزال حارا. العجوز: هذا يدل على انه مات لتوه الحياة حلم هذا ما تقوله مسرحيات ميشيما وكأن شخصياته بموتها تعيد الوهم الى مكانه لذلك تستدعى قراءة مسرحياته تأويلات لا نهاية لها. بقلم ــ لقمان محمود