في الطائرة التي أقلتنا إلى دمشق ألقى إلينا الدكتور أسامة الباز نبأ وفاة لطفي الخولي. يمتد الحوار حول الرجل وتتدافع الذكريات. الصعود في الستينات مع المد القومي والمصالحة مع اليسار . العلاقة بجزائر الثورة وفلسطين. العلاقة الملتبسة مع السادات ثم الصدام مع كامب ديفيد. تغير المسار وتبدل الأحوال بعد ذلك وصولا إلى كوبنهاجن والتطبيع وحكايات أنصار السلام المزعومين في اسرائيل. عرفت الخولي في السبعينات, وتشاركنا في الصدام مع السادات وكامب ديفيد وكان الائتلاف الوطني الذي ضم العديد من الشخصيات الوطنية هو الاطار الذي تحركنا من خلاله. ثم زاملته في عضوية مجلس نقابة الصحفيين المصريين لفترة قليلة ترك بعدها العمل النقابي, وانتهى الأمر بخلاف كامل بعد كوبنهاجن. دراما إنسانية كاملة عاشها الرجل وهو ينتقل من موقع لموقع. ولست أشك في ان الفترة الأخيرة كانت قاسية عليه للغاية. فليس سهلا ان تترك أصدقاء العمر أو يتركوك, وليس سهلا تبرير كل شيء وأي شيء مهما امتلكت القدرة والموهبة. وليس سهلا في نهاية العمر أن تقول ان كل ما اقتنعت به وحاولت اقناع الآخرين به كان وهما من الأوهام! في الطائرة دعانا الدكتور أسامة الباز لحضور محاضرته التي يلقيها في جامعة دمشق في اليوم التالي. قاعة المحاضرات تابعة لكلية الطب, والطريق إليها مزدحم بملائكة الرحمة من الطبيبات والممرضات اللاتي أشرفن على النظام, ولم تكن المهمة سهلة في ضوء ازدحام الألوف في القاعة وحولها. الهتافات في القاعة أعادتني إلى أيام الوحدة المصرية السورية قبل أربعين عاما. وهي ذكريات تطاردني منذ أن تلقيت الدعوة لزيارة دمشق. ما زال حلم الوحدة حيا حتى ولو أصبح بعيد المنال. ليست العروبة وهما كما تصور البعض, وليست فكرة طارئة انهزمت وانتهى أمرها كما يروج البعض الآخر. يفسح لي الاشقاء ــ رغم الزحام ــ مكانا في المقدمة. جاري في القاعة أستاذ في العلوم السياسية, يتصل الحديث بيننا في أمور السياسة وأوجاع الأمة. يذكر لي كل الأصدقاء من أساتذة العلوم السياسية في مصر وعلاقتهم الوثيقة به وبجامعة دمشق وأساتذتها. فجأة.. يتحدث جاري على الجانب الآخر متسائلا: هل أنت من مصر؟ التفت إليه مجيبا, هيئة الرجل تختلف عن الأساتذة الذين يحيطون بي. هذا رجل له جسم رياضي فارع ووجه يحمل شيئا كثيرا من الطمأنينة, يفاجئني بأنه من مصر ويعيش في دمشق. اسمه أحمد.. وينادونه في الشام بـ (أحمد المصري) ترك مصر منذ سنوات بعيدة والتحق بالمقاومة الفلسطينية, خاض معها المعارك وعاش أيام الغزو الاسرائيلي للبنان وحصار بيروت. خرج في النهاية مع الخارجين ولم يعد إلى مصر بل جاء إلى الشام فقد كان خلال رحلته مع المقاومة قد تزوج من فتاة سورية وأنجب منها. يقول أحمد بهدوء مثير: ــ بعد الخروج من لبنان, قررت أن أبحث عن بداية جديدة. تركت السلاح وابتعدت عن السياسة. وقررت أن تكون مهمتي هي تربية الأبناء. لي أربعة هذا أكبرهم. يلتفت أحمد المصري إلى الجانب الآخر ويقدم لي ابنه باعزاز كبير. انه ــ كاخوته ــ متفوق في الدراسة. وهو بطل سوريا في الجودو. ولكنه لا يستطيع الحصول على البطولة لانها مقصورة على الأشقاء السوريين. أريد أن أحل له هذه المشكلة, أتمنى أن يشارك في البطولات بمصر, وان يلعب هنا بصورة رسمية, وأن يكون على علاقة بمسؤولي اللعبة, فأنا أتوقع له مستقبلا كبيرا. أسأل المقاتل السابق عن عمله الحالي, فيجيب بأنه يملك محلا لبيع (الفروج المشوي) وان الأمور تسير بخير, والمهم أن يحافظ على الأبناء وأن يربيهم كأحسن ما يكون. وأظن انه يفعل ذلك على أكمل وجه, وبإيمان عميق بأن هذه هي الرسالة التي يستطيع أن يؤديها للوطن والأمة. تبدأ المحاضرة, وينقطع الحوار. ويتحدث أسامة الباز عن سوريا بحميمية شديدة. لكن الحوار الذي دار لابد أن يثير الشجون عن حال الأمة وما مرت به خلال السنوات الماضية. الحلم الذي أخذ لطفي الخولي إلى بؤرة النضال القومي قبل ثلاثين عاما, هو نفسه الذي أخذ أحمد المصري ليقاتل في الأغوار مع المقاومة. والانكسار الذي أخذ الخولي إلى كوبنهاجن لم يستطع أن يأخذ أحمد المصري الا إلى دمشق ليواصل المهمة على طريقته باعداد الأبناء لسنوات طويلة من الصمود والقتال. * * * تنتهي المحاضرة. أطلب من أحمد المصري رقم الهاتف لأتصل به. أعود إلى الفندق في منتصف الليل. لكن سرعان ما أخرج إلى الشارع أبحث في جو دمشق الذي تختلط فيه البهجة بالحماسة عن الحلم الجميل. تمطر السماء فأتذكر ما قرأناه عما حدث هنا قبل أربعين عاما. كيف زحفت مئات الألوف إلى مقر الضيافة لترحب بعبدالناصر عندما جاءها للمرة الأولى. وكيف ظلوا طوال الليل يحيطون بقصر الضيافة رغم المطر والبرد. كأنهم كانوا يحرسون الحلم من الذين تربصوا به ونجحوا في ضربه بعد ذلك. شوارع دمشق وحواريها ومبانيها حكايات لا تنقطع. أتجول فيها فتحاصرني الذكريات, وأتحدث إلى الناس فيلتقطون اللهجة ويتحول الحوار على الفور إلى (أبو خالد) .. كم أحبوه وكم أحبهم وكم كانت الأقدار ظالمة حين حرمته وحرمت العرب جميعا من قاعدة الوحدة التي قامت قبل أربعين عاما وانهارت بالخطأ من جانبنا والتآمر من الآخرين. ثم.. كم كانت الاقدار ظالمة حين اختطفت عبدالناصر وهو يستعد لزيارة لسوريا ربما كانت غيرت مسار التاريخ. في سوق الحميدية تنازل البائع عن بعض الثمن مقابل أن أقرأ له الفاتحة على ضريح (أبو خالد) . وقبلت المجاملة وأنا أقرأ الفاتحة بغير ثمن مرات ومرات, وسائق التاكسي رفض أن يأخذ أجره اكراما لنا, والعاملون في الفندق كانوا يدللوننا وكأننا نجوم سينما, و(راتب) الذي رافقنا في رحلتنا أصر أن يضع في حقيبتي هديته الرمزية, و(أبو بسام) السائق الوقور الذي بدأ مهمته متحفظا انسابت عواطفه وهو يحكي ذكرياته ثم يطلعني على صورة طفليه الصغيرين الجميلين وكأنهما الكنز الذي يحرص عليه من شرور الدنيا كلها. قبل السفر بحثت عن رقم تليفون أحمد المصري ولكنني لم أعثر عليه للأسف الشديد. وفي صباح دمشق الجميل أخذت طريقي إلى المطار, كان معي الكثير من عطر الوحدة وزهور لم تتفتح بعد. نظرت إلى صورة طفلي (أبو بسام) في صدر السيارة وتذكرت طفلتي. وقلت لنفسي: ــ لعل هذا الجيل يكون أكثر حظا من جيلنا, ولعله عندما يقتنص الحلم لا يضيعه.. كما فعلنا نحن يوما!!