ووتر سايد هو اسم المجمّع السكني الذي اخترناه لاقامتنا عبر عشر سنوات او نحوها من اعمال مانهاتن في مدنية نيويورك. وهو ــ كما ينبىء اسمه ــ مجاور لمسطح مائي واسع فخيم يعرفه الامريكيون باسم نهر الإيست . ولكم ظللت ــ واهما ــ اتصور ان هذا النهر هو فرع من نهر الهرسون الشهير في شمال شرقي الولايات المتحدة. ولكم زدت على هذا الوهم الجغرافي ان ظللت اردده في بعض كتاباتي وهو نوع من المباهاة التي لاطائل وراءها, بمعنى ان يقحمك الكاتب في احد المعالم الجغرافية فيذكره في كتاباته كما فعل ذلك يوما لورد بايرون حين كتب اشعارا الى جوار بحيرة ليمان السويسرية او كما تمحك الساخر الامريكي يوكوالد في نهرين لافي نهر واحد فأخرج كتابه الشهير بعنوان بين السين (في باريس) والبوتوماك (في واشنطن) ناهيك عن كتابتنا من ووتر سايد المطله على نهر الايست المتفرع من الهدسون.. ولم نكن نعرف ــ علم الله ــ اننا لم نكن نطل على نهر ولا يحزنون, وان الايست هذا هو مجرد امتداد للخليج البحري الذي يقع عليه ميناء نيويورك وانه بدوره متفرع في التحليل الاخير من المحيط الاطلسي, وان مياهه ملح اجاج ولا علاقة لها طبعا بالعذب الفرات وان وصفه بالنهر كان مجرد مجاملة جغرافية ليس الا.. وقلت لك ان الذي أوضح لنا هذا الأمر هو الدكتور محمود محفوظ الذي زار بيتنا يوما, واطل من النافذة الواسعة وقال: ــ ياسيدي.. هذا ليس نهرا, ولكنه امتداد للبحر المحيط. ساعتها نجم التساؤل بين الجوانح يقول ــ ما للطبيب العالم.. استاذ الطب النووي والخطابة في عبارات رصينة من حيث النبرة والايقاع وسبك العبارة وحسن الصياغات؟ واذ بدأ الحوار مع الدكتور محفوظ عمدنا الى تغيير القول الشائع في تراث العربية الشريفة ليقول: ــ انك تسمع بالمعيدي.. فيسعدك حقا ان تراه, دع عنك ان تجالسه وتتحاور معه. وكثيرا ما كنا نسمع عن الدكتور محفوظ طبيبا بارعا واستاذا يحوز الشهرة العريضة والعلم الوافر في كليات الطب ثم وزيراً للصحة في ادق فترة في تاريخنا المعاصر وهي فترة الاستعداد لحرب اكتوبر عام 1973 ــ ومع ذلك, وربما بسبب ذلك ثار التساؤل حول دعوته الى النادي العربي في الامم المتحدة لالقاء واحدة من المحاضرات الثقافية الذي يتولى النادي تنظيمها.. وكان التساؤل في محله تماما أو هكذا بدا الامر للوهلة الأولى.. كان عنوان المحاضرة وموضوعها هو (تعمير الصحراء) ويلقيها استاذ عالم في كلية الطب. وقد دخل الناس الى قاعة المحاضرة يحملون على اكفهم هذا التساؤل وخرجوا منها وقد استبدلوا بالتساؤل قناعة عميقة بان العلم بحر واسع بغير شطآن, وان المعرفة تبدأ بارادة الانسان لأن يعرف وان لا احتكار لا للعلم أو المعرفة بل ان المسألة عزم ومثابرة واستعداد للتعلم وقدرة وموهبة على اعادة انتاج الحصيلة المتجمعه بصورة تنفع الناس تماما كما تفرز دودة القز خيوط الحرير الثمين. لقد تحدث الطبيب البارز بما وصفه بانه (تنخيل مصر) بمعنى العكوف على زراعة اشجار النخيل في صعيدها ودلتاها, وفي واديها وصحاريها وكان الحديث عن فضل النخلة في تراث العرب بادئا بالقرآن والسنة ومن ثم في عمود الشعر ومأثور الحكمة وعارضا بالتحليل العلمي السائغ الى القيمة التغذوية والمنافع الانتاجية والمواءمة البيئية للنخل.. وجامعا في هذا كله بين الاحصائية والمعلومة الطبية وبين السرد المعرفي والعرض الادبي الجذاب. وكم تراءى لنا في سياق الحوارات والجلسات الممتعة التي جمعتنا مع الدكتور محفوظ, ان نشير عليه بأن يسجل هذه الفكرة او تلك الخاطرة قبل ان تتبدد او تضيع, فاذا به يفتح حقيبته الصغيرة ويخرج منها ملزمة مطبوعة ويفاجئك بأن الفكرة او الخاطرة مسجلة, مدونة على وجه من التعميق او التفصيل (اربعة وعشرين قيراط) كما يقولون, ثم اذا بك تلمح بين ثنايا الحقيبة ــ المحفوظية العتيدة جهاز حاسوب ـ كمبيوتر صغير يومىء اليك, او يكاد, في ذكاء حاسوبي لماح وكأنه يقول: لا تنس يا صاحبي اننا مقبلون على القرن الحادي والعشرين.. ونحن نتكلم عن اشعار الجاهليين اي نعم, ولكن ها نحن نصل بين زمانهم الغابر وبين الزمن الآتي المفعم بالوعود.. وكم ذكرنا نموذج الدكتور محمود محفوظ بالعمل الاذاعي الذي كتبناه منذ سنوات وقام بإخراجه للاذاعات العربية زميلنا الاذاعي المقتدر الاستاذ صلاح عويس, وكنت اسمعه في الآونة الاخيرة من اذاعة دبي وكان عنوانه هو (اطباء ولكن أدباء) وهي حلقات مسلسلة تناولنا فيه هذا الملمح الذي لا يخطئه الباحث في سير كثير ممن جمعوا بين ممارسة الطب وعشق الادب وكأنهم آلوا على انفسهم ان يداووا جراح الجسم ويشفوا عذابات النفس ما استطاعوا الى ذلك سبيلاً كوكبة مضيئة لا تزال من الاطباء الذين تواصلت سيرتهم في تاريخ الانسانية وقد جمعوا بين الطب علماً وممارسة وبين الادب انتاجاً وابداعا, سلسلة باهرة تتألق عبر حلقاتها اسماء: امحتب المصري الحكيم وابو علي ابن سينا الطبيب الفيلسوف فضلاً عن رجال من امثال انطون تشيكوف عبقري القصة القصيرة في العصر الحديث, وسومرست موم الروائي الانجليزي الاشهر الى الشاعر الرقيق ابراهيم ناجي, صاحب الاطلال.. وكفى, الى الدكتور محمد كامل حسين الذي كان يطاول قامة طه حسين ذاته (ارجوك ان تقرأ رائعته بعنوان قرية ظالمة ان لم تكن قد فعلت) ثم الى الشهاب الباهر الذي فجر ابداعات الاقصوصة في آداب العربية الحديثة وكان اسمه يوسف ادريس لا عجب ان كان ابناء الجيل الماضي يطلقون على الطبيب اسم (الحكيم) كناية عن انه يجمع بين الطبابة ورجاحة العقل والمقدرة على وزن الامور ولعل التسمية ما برحت سارية في بلاد الشام حتى ايامنا هذه ولقد نذكر ان حدثناك في مناسبات سبقت الدكتور حسين فوزي رحمه الله وهو الذي جمع بين مهنته الاولى طبيباً للعيون ثم اضاف اليها تخصصا اكاديمياً في علوم البحار وبعدها برز كأديب كاتب وصاحب اسلوب مميز يجمع بين طلاوة العبارة وخصوبة الثقافة وعمق الفكرة والاحساس العميق برسالة الكاتب ــ العالم ــ الاديب نحو قومه وامته ثم اضاف الدكتور حسين فوزي الى هذا كله علما غزيرا واسعا في باب الموسيقى العالمية وبفضله استطاع ان يعلم اجيالاً من مستمعي اذاعات القاهرة اصول تذوق الموسيقى والاستمتاع الواعي الرفيع بابداعاتها وانغامها. تلك كانت من الخواطر التي تداعت في لحظات الوداع بعد اقامة طالت او هي غربة استدامت عشرين سنة او اكثر قليلاً بعيدا عن الوطن وها نحن نردد ــ بقليل من التصرف ــ قولة شوقي: ويا وطني, لقيتك بعد لأى كأني قد لقيت بك الشبابا