جوزية ساراماجو حكواتي برتغالي, إنسان لطيف وجريء في السادسة والسبعين من العمر بصوت ناعم وآراء سياسة قاسية وعنيدة جعلت الحياة لا تطاق في بلده وحملته على الانتقال مع زوجته الاسبانية إلى هذه الجزر الاسبانية قبالة الساحل الغربي لافريقيا وعلى مسافة ليست بعيدة من المغرب, حيث أقام في بيت صغير أبيض انصرف فيه إلى كتابة رواياته التي فاز عنها مؤخرا بجائزة نوبل للأدب فأصبح بذلك أول برتغالي يفوز بالجائزة, وقد حقق ذلك باسلوب كتابي هو في الحقيقة اسلوب غريب خاص ليس من السهل قراءته في البداية لانه شلال من الكلمات المتلاحقة. كلمات حية وحكواتية. ويقول البعض انه كيف يتوقع منا ان نقرأ هذه الجمل الطويلة المتعبة والفقرات الجشعة التي تستغرق أحيانا صفحة كاملة ليس فيها تحريك سوى النقاط والفواصل - جمل وفقرات أشبه بالفقرة أعلاه التي قرأتها لتوك؟ جوزيه ساراماجو يمدد ببطء ساقيه الطويلتين النحيلتين ويزعج بذلك أحد كلبين نائمين عند قدميه ويبتسم ويقول انه يعرف الشكاوى من أسلوبه, وأصدقائي يتصلون بي ويتذمرون ويقولون انهم لا يستطيعون تتبع ما يجري, ولا يعرفون أيا من شخصيات الرواية هي التي تحكي. ويضيف: ولكنني أقول لهم ان يقرأوا كتبي بصوت مرتفع لكي يتتبعوا الايقاع لأن هذا (حكي مكتوب) , انه النسخة المكتوبة للطريقة التي يروي بها الناس القصص لبعضهم البعض ويستطرد ساراماجو قائلا: ان الكلام, مثل الموسيقى, مكون من أصوات وتوقفات. انني أريد لقرائي أن يسمعوا داخل رؤوسهم الأصوات التي تروي القصة بنفس الطريقة التي أسمعها أنا. وإذا لم أتمكن من سماعها لا أستطيع أن أرويها فأجلس إلى طاولتي وانتظر إلى أن تأتيني تلك الأصوات. هذا الاسلوب هبط على ساراماجو فيما كان في العام 1980 يكتب رواية (رفعوه عن الأرض) التي لم تترجم إلى اللغة الانكليزية حتى الآن. والرواية هي عن فلاحين أميين في الريف البرتغالي حكوا له قصص الأجيال الفقيرة السابقة لعائلاتهم. ويقول ساراماجو: (كنت قد وصلت إلى الصفحة العشرين من الكتابة التي يمكن أن تسميها الطريقة المستقيمة, عندما تخليت فجأة عن الاسلوب الاعتيادي دون تفكير. لقد أرغمتني القصة أن أفعل ذلك - وكانت هذه أجمل لحظة في حياتي كمؤلف. (لقد مهد عالمهم القائم على التواصل الشفوي التام لولادة أسلوبي) . الكلمات تأتي بسهولة لساراماجو, وهو رجل عملي يقول ان (الصفحة البيضاء ليست عذابا) . إنها أشبه بحقل ينتظر من يحرثه ويزرعه ويحصده) . كما انه شديد الحساسية تجاه قوة الكلمات: (الكلمات ليست تامة الوضوح, انها قادرة على التصغير وعلى التكبير) . ساراماجو, الجالس في مكتبه المعتم في الطبقة العلوية من منزله, هو أشبه بحاكي قصص إلى جانب موقد النار في ليالي الشتاء. انه مسهب ومؤثر بسهولة وهو يسرد طفولته التي عاشها بالفقر في بلدة ريفية شرقي لشبونة عاش فيها حافي القدمين حتى بلوغه سن الرابعة عشرة. وفي سرده هناك ذكريات حميمة عن نومه تحت شجرة التين في ليالي الصيف الحارة والاصغاء إلى القصص التي كان يرويها جده وعن أول عمل اشتغل فيه في معمل للمنتوجات المعدنية, وككاتب, والفترة التي عمل فيها صحافيا وتصادماته مع خصومه السياسيين, وعن أسلوب سرده غير التقليدي الذي يجعل بعض القراء يتراجعون ويتوقفون عن القراءة بعد صفحات قليلة. ويقول ساراماجو ان أحد كبار المؤثرين على كتاباته هو الأب انطونيو فييرا, وهو كاهن برتغالي عاش في القرن السابع عشر تميز بالبلاغة والقدرة الكبيرة على استعمال المجاز والتورية والاسلوب الواعظ والفصاحة. وقد حول ساراماجو أسلوبه الطليق هذا الذي اتسم بالحبك المتقن بين الحقائق التاريخية وبين القصص الشعبية القريبة من القلب, إلى شيء أقل زخرفة وتجريدا منذ انتقاله قبل خمسة أعوام إلى قرية تياس الجبلية في هذه الجزيرة البركانية القاحلة بمعظمها. وهو يقول ان كتابيه الآخرين أكثر تقشفا وتقييدا. لقد تسلل جمال لانزورات القاحل إلى كتابات سارماجو ممثل بالتربة البركانية السوداء الزاحفة التي تهدد باتلاف شتول النخيل في حديقته الصغيرة, والتي تدخل إلى المنزل عبر الشقوق على أجنحة الرياح تذرها من حقول الحمم خارج المنزل. لانزورات هي بعرض 36 ميلا فقط في أعرض نقطة, وهي واحدة من سبعة جزر متناثرة بتكاسل على مساحة فارغة من المحيط الأطلسي وتبدو وكأنها تواجه خطرا فوريا بأن البحر سوف يبتلعها في أي لحظة. هذا هو الطرف الأقصى الآخر من مسقط رأس ساراماجو في الوادي الخصيب في البرتغال. هو يقول انه كان منجذبا على الدوام بالمضادات والمتعارضات ومنجذبا على الدوام بالمناطق الجبلية الجافة. (انه في الحقيقة يحمل معه إلى المنزل صخورا من الحمم البركانية من نزهاته في الخارج من أجل تقوية اللحمة) . ساراماجو الضارع القامة والقوي البنية يتجول بخفة في أرجاء منزله المليء باللوحات والتماثيل العصرية. وعندما يهم بالكتابة يصعد إلى مكتبه في الطابق العلوي يجلس قبالة الكمبيوتر, بانتظار ان تأتيه الاصوات ليحرك اصابعه على لوحة المفاتيح, ويدير رأسه نحو الجنوب ليتطلع من الشباك الواسع إلى البحر الأزرق والسماء. وهذا هو نفس المنظر الذي رأته شخصيات روايته (العوامة الحجرية) التي كتبها سنة 1986 والتي اصبحت اكثر الروايات شعبية انه سرد يبدو احيانا (واقعيا ) واحيانا اخرى عبثيا, عن انسلاخ شبه الجزيرة الايبرية عن القارة الاوروبية وانجرافها الى موقع في وسط المحيط الاطلسي في منتصف الطريق بين افريقيا وامريكيا الجنوبية, وحيث وضعت اسبانيا والبرتغال جذورهما الثقافية في المرحلة الاستعمارية. ان هذه القصة هي بحث مجازي عن الهوية بعيدا (عن البلدان الاوروبية المتعجرفة سياسيا) التي يعتقد المؤلف انها لاتعرف ولاتريد ان تعرف شيئا عن البلدين الايبريين الواقعين على الطرف الجنوبي الغربي للقارة وراء الحاجز الفيزيائي والنفسي الذي تشكله سلسلة جبال البيرينية. كما ان المحنة تحفز الناس العاديين على التصرف بطريقة بطولية غير معهودة الا ان الحكام غيرالمخلصين يحولون بطولاتهم الشريفة الى احباط. ولكن ساراماجو يقول ان الرواية قبل كل شيء هي عن الهوية الثقافية فأولا انا برتغالي ثم ايبيري وبعد ذلك اذا شئت انا اوروبي. عاش ساراماجو حياة متواضعة في سنواته المبكرة حيث لم يستطع شراء كتبه قبل بلوغه سن الثامنة عشرة وعندما بلغ الخامسة والعشرين طبع اول رواية له بعنوان (بلد الخطيئة) وهي قصة فلاحين يمرون بأزمة اخلاقية ولم يشتهر الكتاب كثيرا ولكنه امن له على الاقل وظيفة في احدى المجلات الادبية. ومع ذلك فان منشوراته في السنوات الثماني عشرة التالية اقتصرت على عدد من كتب الرحلات والاشعار في مرحلة كان يعمل فيها صحافيا وهو يقول اعتقد انني وصلت الى استنتاج انني لا املك شيئا لارويه. اعمال ساراماجو تتغذى من شعوره العميق بغني التاريخ البرتغالي ورغبته في رسم لوحة تفصيلية واسعة تشكل خلفية لملاحظاته التأملية عن المجتمع ومهارته في نسج القصص الرقيقة الخاصة. في رواية سنة موت ريكاردو ريس يسخر ساراماجو من خمول البرتغاليين خلال الدكتاتورية التي اسسها انطونيو سالازار سنة 1933 ودامت 41 سنة. وذلك بجلب اشهر شعراء البرتغال المعاصرين فرناندو بيسوا من بين الاموات لكي يغير الامور. وفي رواية (تاريخ حصار لشبونة) يقوم مصحح نصوص باقحام كلمة (لم) في نص استعادة العاصمة البرتغالية من المغاربيين في القرن الثاني عشر, وبذلك يغير خياليا, مجرى التاريخ الاوروبي بشحطة قلم. وتحكي رواية بالتازار وبليموندا وهي اول رواية له تحظى بالثناء في الخارج ـ قصة بناء الدير الهائل في مافرا شمال لشبونة في القرن الثامن عشر مما كاد ان يؤدي الى افلاس البلد وينسج المؤلف في هذه الرواية قصة تاريخية حقيقية وخيالا شاعريا وقصة حب. ساراماجو يحب بلده, ولكنه غادر وطنه قرفا, وذلك بذلك بعد شطب مسؤول ثقافي حكومي اسمه من لائحة المرشحين البرتغاليين لجائزة الادب الاروربية سنة 1991. وحجة هذه الخطوة من قبل المسؤول كان ان رواية ساراماغو (الانجيل حسب يسوع المسيح) قد اغضبت الكينسة الكاثوليكية لانه يصور السيد المسيح على انه له رغبات بشرية ويعيش مع مريم المجدلية ويقول ساراماجو هذه قضية رقابة وغباء حكومي وسخافة مطبقة. ويضيف انا لست ضد المعتقدات الدينية كل مافي الامر انني اعبر عن معتقداتي قد لا اكون مؤمنا ولكن عقليتي مسيحية, وكل قيمي واخلاقياتي وعاداتي مفعمة بالكاثوليكية. انه ليس ملحدا فحسب بل انه شيوعي ايضا, الا ان فوزه بجائزه نوبل اخرس نقاده, يقول: كانوا يقولون عني في السابق انه جيد, ولكنه شيوعي اما الان فهم يقولون انه شيوعي ولكنه جيد. يقول ساراماجو لست قديسا ولكني انسان طيب. أ.ب