توقعت ان يتوقف الارسال في الاذاعة والتلفزيون على مدى العالم العربي كله, ليعلن اخبار (محمود السواركه ويصبح حديث الناس ثم تحتل صورته أغلفة المجلات. ولا يمضي وقت طويل حتى يتعارك السينمائيون لان كلاً منهم يريد انتاج فيلم عن قصة (محمود السواركه) , ويصدر عنه عشرات الكتب . وللحقيقة لم يمض وقت كاف لأن نختبر كل هذا, ولكن المقدمات لا تؤدي الى ما تمنينا. حقاً نشر الخبر غالباً في الصفحات الاولى من الصحف العربية, لكنه تاه وسط الاخبار الرياضية, والفنية, ومشاغل الحياة. وانا لسوء حظي لا اعرف محمود (السواركه) شخصياًَ. ولا اقول هذا لان الكثيرين يعرفونه على المستوى الشخصي, ولكن لانني اعرف بعض من هم مثل محمود (السواركه) . اعرف مثلا (الكابتن غزالي) وهو شاب جاوز السبعين بعام وهو أشهر انسان في مدينة السويس وما حولها. ولقب كابتن هذا لم يلتصق به لاشتراكه في الاعمال الفدائية الكثيرة التي شارك فيها كما كنت اظن, بل صاحبه من الصبا عندما كان طالباً متفوقاً في العاب القوى. ولقد شارك الكابتن غزالي او محمد احمد غزالي في الاعمال الفدائية منذ ان كان في الثامنة عشرة من عمره, وكان الانجليز آنئذ يحتلون مصر, وكان يعيش في السويس في اكثر مناطق تواجدهم كثافة. واستمر في العمل الفدائي حتى خرج الانجليز, ولما عادوا في حرب 56 قاتلهم. وخرجوا مدحورين ايضا هذه المرة. وبعد حرب 1967 تحول كابتن غزالي الى فدائي ضد اسرائيل وحتى عندما انتهت الحرب مع اسرائيل, او هكذا قالوا, ما زال كابتن غزالي يجوب البلاد من اقصاها الى اقصاها يحكي حكايات النضال, ويروي اشعاره وكلها في المقاومة. وربما غنى بعض اغانيه بمصاحبة (السمسمية) هذه الآلة الموسيقية التي تنفرد بها (السويس) ومن المحتمل انه يغني تلك الاغنية التي تجدها في جنازة عبدالناصر فأصبحت من اشهر الاغاني الوطنية التي لم تبث في الاذاعات (لا والف لا... عبدالناصر مامتش). وعندما سمعت الكابتن غزالي وهو ينشر احدى قصائده عن المقاومة فوجئت ان جميع الموجودين يرددون الكلمات معه, ولقد تكرر هذا اكثر من مرة, ولا تعي ذاكرتي من هذه القصيدة سوى: (وعضم اخواتنا نلمه... نلمه نسنه... نسنه نعمل منه مدافع وندافع ونجيب النصر) . وليس الكابتن غزالي الوحيد الذي اعرفه, فهناك ايضا محمد مهران صاحب أعظم قصة تراجيدية في حرب المقاومة ضد الانجليز عام ,1956 وكان قد زادني عنه حكايات الاستاذ عادل عبدالناصر الاخ الاصغر للرئيس جمال عبدالناصر, فلما سألته الوسيلة لمقابلة هذا البطل, اعطاني رقم تليفونه في بورسعيد حيث ولد وحيث يعيش حتى الآن. ولم يكن سهلا عليّ ان اطلب الرجل. وترددت اياما استجمع شجاعتي, فاذا بالتليفون يدق, واذ بصوت جهوري يعلن لي انه محمد مهران, وهكذا كسر حاجز الكلفة بيننا. وقصة محمد مهران تستحق حديثا خاصا لعلنا نعود اليه ذات يوم. ولقد ذكرت ما ذكرته لانني انوي ان اتعرف ايضا بمحمود السواركه, ولعلي اذهب الى سيناء عندما يستريح الرجل لاقابله واعرف منه قصته بتفاصيلها وربما كتبتها آنئذ. والمعلومات المتاحة الآن عن (السواركه) متناقضة وتفتقد الدقة. مثلا البعض يقول انه تزوج لعام واحد, والبعض يقول انه لم يقض مع زوجته سوى 17 يوما. و(محمود السواركه) بدوي متعلم من أهل سيناء شارك في حرب المقاومة منذ عام ,1967 ولقد انبتت هذه الحرب عدة منظمات فدائية, كانت من اكبرها (منظمة ابناء سيناء) . وبعد حرب 73 استمر (السواركه) وزملاؤه في اعمالهم الفدائية. وتزوج (السواركه) من عايشة حجاب وهي ايضا مثله بدوية متعلمة تعمل الآن موظفة بمديرية التربية والتعليم في مدينة العريش وقد تركها بعد عام او بعد 17 يوما, وفي الحالتين كانت المرة الاولى التي يرى فيها ابنته هي الاسبوع الماضي وبعد اثنين وعشرين عاما من حبسه. صارت سميرة محمود السواركه الآن فتاة في سن الرشد, ترى اباها لأول مرة. وكانت التهمة التي وجهتها اليه اسرائيل انه فجر مخزنا للذخيرة في سيناء , ثم فجر اتوبيسا بركابه في سيناء ايضا. وحكم على (السواركه) بالسجن مدى الحياة وهى كلمات لاتعني شيئا لنا نحن الذين نعيش في بيوتنا اللطيفة الآمنة, وعندما يجهد البعض مشاعرهم الانسانية ليتخيلوا ما يحدث لمثل هذا الرجل سيتخيلون غرفة مغلقة يعيش فيها وحده او مع آخرين. ولكن ليست هذه سجون اسرائىل. في البداية تعرض محمود (السواركه) للتعذيب المتواصل حتى يعترف باسماء زملائه في المنظمة التي شارك فيها. وبعد وقت طويل جدا ادركت السلطة الاسرائيلية انها لن تعرف منه شيئا, اما انه فعلا لم يكن في منظمة وان ما فعله كان بمبادرة شخصية منه, واما ان تكتمه سيصل الى النهاية وانه يتحمل التعذيب حتى الموت. واسرائيل بالطبع لم تكن تخشى ان يموت (محمود السواركه) في سجونها, فهذا لايهز شعرة في جسدها, فلقد رأى العالم لآلاف المرات جنود اسرائيل يضربون اعزلا او امرأة او صبيا ويكسرون عظامهم امام الكاميرا, وتساءل الضمير الغربي عن هؤلاء وهؤلاء فلما عرف ان هؤلاء جنود اسرائىل وان هؤلاء عرب فلسطين, ارتاح واستلقى وتابع البرنامج, ولو ان مارآه كان نسفا لحافلة اسرائيلية, لاستيقظ فهو ضمير حي وانقلبت الدنيا ولم تعتدل ووصفنا باقذر النعوت وأسوئهما وعاملونا كجنس منقرض, او يجب ان ينقرض. ولم تكن اسرائيل تريد للسواركه ان يموت في سجونها لانه وهو حي كان اكثر افادة منه ميتا. مثلا التجارب العلمية التي تجرى على الحيوانات لم لا تجرى على السواركه وزملائه من سيعترض؟ الضمير الغربي كما رأينا نائم في فراشه الوثير طالما ان المجني عليه ليس اسرائيليا والضمير العربي سميك ليس من السهل اختراقه. وقضى الرجل اثنين وعشرين عاما حتى انهارت صحته تحت ضغط جدران السجن والعزلة والتجارب. وتبنت احدى المنظمات الانسانية القضية, وطالبت بالافراج عن الرجل, واستجاب للمطالبة رئيس اسرائيل عيزرا وايزمان ربما في اطار الدور الذي يلعبه كمحب للسلام ومنتقد لسياسات نتانياهو ولا ادري لم احس انه الوجه الآخر للعملة؟ وانه ينطبق عليه المثل المصري الشعبي (ما اسوأ من سيدي الا ستى!) . ورغم قرار الافراج عن السواركه الا انه لم ينفذ الافراج عنه الا بعد فترة طويلة. وخرج الرجل من سجون اسرائيل ومن اسرائيل كلها بعد 22 عاما من مقاساة الاهوال. ولم يكن وحده في هذا بل كانت هناك هذه المرأة عايشة حجاب التي تزوجت اياما في رواية, وعاما في رواية اخرى وفقدت الزوج, واخذت تنتظره بلا امل كل هذا الزمن. وكانت هناك الطفلة التي فتحت عينيها لترى اسرة بلا رب وعندما تسأل عنه لا ادري ما يقولونه لها, وتكبر الطفلة حتى تصبح في الحادية والعشرين من عمرها لترى اباها لاول مرة. واستقبلت سيناء بطلها العائد بلا كاميرات التلفزيون فلقد كانت مشغولة في نقل مباريات الدوري وبلا كاميرات السينما فلقد كانت مشغولة في فيلم جديد واخير لنادية الجندي. وقالوا للبطل العائد ان السيد المحافظ في انتظاره فاعتذر بان عمه قد توفى وانه سيتقبل العزاء فيه اولا. والتقى محمود السواركه زوجته عايشة حجاب وابنته سميرة السواركه واسرته واهله وعشيرته وبالطبع كما قلنا لم تكن هناك كاميرات.