تساءلت في نفسي وأنا أقرأ خبر اختيار طلاب المعهد الوطني الفرنسي للادارة اسم الفيلسوف والطبيب والمشرع العربي أبو الوليد محمد بن احمد بن محمد بن رشد لدورتهم التي ستتخرج من المعهد في العام 2000م, تساءلت لماذا اختار هؤلاء الطلبة (ابن رشد) وفضلوه على غيره من الاعلام . ووجدت الاجابة تأخذني الى عالمها الرحب, فقد استطاع ابن رشد السينمائي ان ينتصر لابن رشد الفيلسوف والطبيب المولود في قرطبة في القرن الثاني عشر, بعد ان حفز فيلم ابن رشد للمخرج السينمائي يوسف شاهين ذاكرة الجيل الحالي وجعله محفوراً في دواخلهم, ومن هنا اقترحت احدى طالبات الدورة اسم ابن رشد لاعجابها بهذا الفيلسوف الذي يشكل جسراً يربط بين الثقافة القديمة وثقافة القرون الوسطى, ورابطا بين شمال وجنوب المتوسط. وهذا يأخذنا بالتالي الى ابعاد اخرى, الى نبش التاريخ واعادة صياغته بشكل حديث وبقالب سينمائي يطوع افكارنا التي نبتت هنا واثمرت في الغرب.. واعود فأقول لماذا تأخذنا افكارنا وتشط بنا الى دوائر البحيرة التي رميت بحجر, فقبل 600 عام كان لكلية الطب الباريسية ــ كما تقول المستشرقة الالمانية زيجريد هونكه ــ اصغر مكتبة في العالم لا تحتوي الا على مؤلف واحد, وهذا المؤلف كان لعربي كبير. كان هذا الاثر العظيم ذا قيمة كبيرة, بدليل ان ملك المسيحية الشهير لويس الحادي عشر, اضطر الى دفع اثني عشر ماركاً من الفضة ومائة تالر من الذهب الخالص, وهي عملة قديمة, لقاء استعارته فقط هذا الكنز الغالي رغبة منه في ان ينسخ له اطباؤه نسخة يرجعون اليها اذا ما هدد مرض او داء صحته وصحة عائلته! وتشير زيجريد في كتابها (شمس العرب تسطع على الغرب) الى ان هذا الاثر العلمي الضخم كان يضم كل المعارف الطبية منذ ايام الاغريق حتى عام 925 بعد الميلاد وظل المرجع الاساسي في اوروبا لمدة تزيد على الاربعمائة عام بعد ذلك التاريخ, دون ان يزاحمه مزاحم او تؤثر فيه او في مكانته مخطوطة من المخطوطات الهزيلة التي دأب على صياغتها كهنة الاديرة. لقد اعترف الباريسيون كما تقول هذه المستشرقة بقيمة هذا الكنز العظيم وبفضل صاحبه عليهم وعلى الطب اجمالاً, فأقاموا له نصباً في باحة القاعة الكبيرة في مدرسة الطب لديهم, وعلقوا صورته وصورة عربي آخر في قاعة اخرى كبيرة تقع في شارع سان جيرمان, حتى اذا ما تجمع فيه اليوم طلاب الطب وقعت أبصارهم عليها ورجعوا بذاكرتهم للوراء يسترجعون تاريخه.. انه بلا شك الرازي, ابو بكر محمد بن زكريا (اورازاس) كما سمته بلاد الغرب.. والسؤال يطرح نفسه من جديد, لماذا الرازي بالذات, ولماذا هذا التكريم؟ وتأتي الاجابة سهلة وسلسة ونحن نتواصل مع الآخرين في زمن الفضاء المفتوح والمفضوح, زمن الانترنت والستلايت وغرف النوم الزجاجية التي لا رأس لها ولا عين.. نعود فنقول بأن الرازي ترك للبشرية عندما كانت اوروبا تغط في سبات عميق 230 عملاً ضخماً ومخطوطات صغيرة تبحث ليس في الطب وحده فحسب, بل ايضاً في الفلسفة والعلوم الدينية والفلك والفيزياء والرياضيات وغيرها من العلوم الطبيعية. وعن كتابه (برء الساعة) الذي عرفته اوروبا معرفة جيدة يقول الرازي.. ان جمعاً من الاطباء زعموا في حضرة الوزير ابي القاسم بن عبدالله مرة ان علاج الامراض يدوم وقتاً طويلاً, فرد عليهم الرازي بأنه يستطيع علاج الكثير من الامراض في ساعة واحدة فقط, وانهم لم يقولوا ما قالوه الا رغبة منهم في الربح المادي واستنزاف اموال المرضى. وهنا ابدى الوزير تعجبه من قوله ودعاه الى وضع كتاب بهذا المعنى يكون مرجعاً للأطباء, فاستجاب الرازي لدعوته فكان مولد كتاب (برء الساعة) وكان له كتاب آخر اشتهر بين الناس باسم (طب الفقراء) وهو كناية عن قاموس طبي شعبي فيه وصف كل الامراض وظواهرها وطرق علاجها ووسائلها الموجودة في كل مكان.. وقد نالت رسالته عن الجدري والحصبة شهرة ذائعة لما جاء فيها من نظرة حكيمة الى امور الطبيعة, وجال فيها الرازي جولات عظاماً, لم يعرفها العالم من قبل, فكان هذا الكتاب آية من نوعه نشر في اوروبا اربعين مرة ما بين 1498 و1866م. ومن يقرأ تعليقات المستشرقة الالمانية زيجريد هونكه حول شخصية الرازي يدرك ذاك التقدير والاحترام لشخصه وعلمه وفنه, فهي ترى ان في شخصية الرازي يتجسد, كما في المرآة, كل ما امتاز به الطب العربي وما حققه من فتوحات علمية باهرة, فهو الطبيب الذي عرف واجبه حق المعرفة وقدس رسالته كل التقديس فملأت عليه نفسه وجوانب قلبه وهو ينقذ المعوزين ويساعد الفقراء. وهو كما تراه هذه المستشرقة موسوعي شمولي استوعب كل معارف سالفيه في الطب وهضمها وقدمها للانسانية احسن تقديم.