لم يكن الحشد الكبير الذي ملأ قاعة لوتس بمعرض القاهرة الدولي للكتاب, قد جاء لمجرد الاستماع الى محاضرة المستشرقة الألمانية آنا ماري شيميل عن فريدريش روكرت, فإن قليلا جداً من الحضور كان يعرف شيئا عن هذا المستشرق الذي عاش بين عامي 1788 و1866 حتى أن أكبر جريدة يومية مصرية ــ الأهرام ــ قد نشرت في اليوم السابق أن (روكرت) يتحدث في المعرض عن حياته وأعماله!! بل جاء أغلب الحشد ــ وخاصة المثقفين ــ مدفوعين بما سبق أن تواتر عنها من مواقف مشرفة ودراسات ومحاضرات في الدفاع عن قيم الاسلام والتعريف بالحضارة الإسلامية, مما أدى الى أن تمنح في العام 1995 جائزة السلام كأحسن كاتب بالألمانية ساهم بفكره في دعم السلام بين الشعوب وكما جاء في حيثيات الجائزة (تقديرا لإنتاجها الفكري لتحقيق فهم أفضل للإسلام وقيمه الروحية العميقة, وقدرته الدائمة على التجديد في مجابهة الغرب.. وأن أفكارها المدعمة للسلام تطرح إمكانية التوافق بين الإسلام والعصر الحديث بشكل ومنطلق ينبع من القيم الأصيلة للاسلام وليس من خارجه.. وان اتحاد الناشرين الألمان إذ يأخذ بعين الاعتبار تفاقم ظواهر التعصب الذي شاع في مختلف بقاع العالم, فإنه يعتبر تكريم الدكتورة شيميل اعترافا بإمكانية بل بضرورة التفاهم بين الحضارات كبديل عن المجابهة والتصادم) . قدمت جائزة السلام هذه التي يعتبرها البعض الأهم بعد نوبل ــ بمناسبة معرض فرانكفورت الدولي للكتاب ــ أكبر وأهم معارض الكتب الدولية ــ وقد حياها رئيس الجمهورية الألمانية الاتحادية رومان هيرتسوج بنفسه قائلا: أنه لولا آنا ماري شيميل لما عرف الألمان الكثير عن الإسلام, ولما (ادركوا) ان الصورة النمطية التي تروج عنه لا تستند الى شىء من تعاليم هذا الدين ودعا رئيس الجمهورية الى قراءة كتب شيميل جيدا لإدراك تعاطفها الحقيقي مع قيم الاسلام النبيلة وحضارته العظيمة, وأنها كانت دائما ساعية الى التفاهم بين الثقافات, وهي الرسالة التي يجب ان ينهض بها المثقفون في كل العالم. ولم تمض جائزة السلام الكبيرة هذه بهدوء ـ فقد انبرى بعض الالمان للهجوم, او التهجم عليها بل اعتبروا مناسبة الجائزة (يوم العار) وحرفت بعض الاذاعات اقوالها واتهمتها بمناصرة الارهاب من خلال دفاعها عن حق الجميع في التعبير عن آرائهم دون اهانة لمعتقداتهم وكانت قد اشارت في حفل جائزة السلام الى آيات القرآن الكريم عن الكلمة الطيبة التي هي كالشجرة الطيبة و (لا اكراه في الدين) .. وتبلغ المستشرقة انا شيميل اليوم السابعة والسبعين من عمرها ـ كرستها منذ صباها لدراسة اللغات والاداب والحضارات الشرقية احبت العربية وفتنت بها حتى قالت (العربية لغة الفردوس) واتقنت من اللغات الشرقية: الفارسية والتركية والاوردية والسندية والسيريكية والباشتوية والبنجابية وفي الدراسة التي كتبها المستشرق الالماني يوحنا كريستوف بيرجل عام 1992 بمناسبة الاحتفال بعيد ميلاد شيميل السبعين, وقام ثابت عيد وهو باحث مصري يعيش في زيورخ بسويسرا بترجمتها وصدرت بعنوان (آنا ماري شيميل نموذج مشرق للاستشراق) ــ 1998 تلقي اضواء على هذا التاريخ الحافل بالدراسة والبحث والترجمة وكذا التوجيه الاكاديمي كأستاذة الاسلاميات في جامعة بون بالمانيا ومن قبل صاحبة كرسي الدراسات الاسلامية في القارة الهندية بجامعة هارفاد بأمريكا, واستاذة بكلية اصول الدين بجامعة انقرة بتركيا 1956 ــ 1957 حيث درست تاريخ الاديان المقارن والفن الاسلامي باللغة التركية ـ وقد سماها الاتراك (جميلة) وقد اهتمت بالدراسات الاسلامية في الهند وترجمت اهم اعمال الشاعر والفيلسوف الهندي محمد اقبال وكتبت عنه كتابا باسم (جناح جبرائيل) واهتمت بشاعر الاوردية ـ سلف اقبال ــ اسد الله غالب وترجمت اشعاره رغم صعوبتها ونشرت عنه كتابا بعنوان (رقص الشرار) مجاز النار في شعر غالب (ونشرت دراسات عن الآداب الاسلامية في الهند, وعن تاريخ الفن في الهند وضم كتابها (العشق الالهي) نصوصا من التراث الصوفي للمهن الاسلامية ـ كما كتبت عن الشعر الفارسي والتركي. وفي تقديمها في معرض الكتاب اشار الدكتور مجدي يوسف الاستاذ بجامعة عين شمس الى ترجماتها للشعر العربي الحديث من خلال مختارات لادونيس ومحمود درويش ونازك الملائكة وفدوى طوقان, وصلاح عبدالصبور, وسميح القاسم ومحمد الفيتوري وسماها بأم هريرة لحبها للقطط! فازت انا شميل بالعديد من الجوائز في وطنها المانيا والخارج, مثل جائزة نجم القائد الاعظم في باكستان وهلال الامتياز ارفع وسام مدني من الحكومة الباكستانية ـ الى جانب شهادات دكتوراة فخرية وفي القاهرة منحها الرئيس مبارك عام 1996 وسام العلوم والفنون في احتفال وزارة الاوقاف بالمولد النبوي الشريف. روكرت... مستشرق الماني رائد وتعتبر المستشرقة المعاصرة آنا شميل امتداده للمستشرق الالماني الرائد فريدريش روكرت الذي توفي عام 1866 وقد نالت جائزة باسمه (وعن روكرت كان حديثها المستفيض في معرض القاهرة الدولي للكتاب قالت عنه: إنني احبه حبا عميقا لأنه كان مستشرقا وشاعرا في شخص واحد وقد درس الفارسية, وصاغ اشعارا على نمط اسلوب الشاعر الفارسي المتصوف جلال الدين الرولي, واشعارا اخرى تعكس روح حافظ الشيرازي. كما اتقن كثيرا من اللغات الشرقية بسهولة ولكنه مع ذلك لم يسافر الى اي بلد من بلاد الشرق. وترجم (روكرت ديوان الحماسة لابي تمام وقدمه بأبيات تدل على قناعته ان الشعر في جميع اللغات..هو, لغة واحدة لدى العارفين وقالت انا شميل عن روكرت: لانجد في الغرب شاعرا (اقرب منه الى روح الشرق) ولم يترجم اي متن طوال حياته بل كان كلما قرأ قصيدة ترجمها في الحال نظما وكان يقول ان الدنيا بأجمعها ليست عندي الامادة للشعر وكان فكرة وشعره شيئا واحدا فلم يفكر الا وهو ينظم شعرا. وشبه الشاعر بأنه بهلوان يمشي على حبال الكلام ووصف الشعر العربي والفارسي انهما معشوقتاه الجميلتان. وقد درس روكرت القرآن الكريم, وترجم ثلاثة ارباعه وخاصة السور المكية, وكان يقول ان أية ترجمة حقيقية للقرآن غير ممكنة لاعجاز الكلام الالهي. بعد المحاضرة كانت فرصة قصيرة للنقاش الذي اداره جورج خوري مدير القسم العربي بإذاعة صوت المانيا التي رعت ودعمت زيارة آنا شميل للقاهرة. سألتها: هل تجد كتبك سوقا رائجة في المانيا خاصة بعد هجوم البعض على منحك جائزة السلام؟ ــ ليست كتبي رائجة بقدرالروايات والقصص الغرامية ولكن كتبي عن الصوفية قراؤها كثيرون. لماذا لم يترجم روكرت شعرا حديثا واقتصر على الشعر القديم؟. ــ لانه رأى ان الشعر القديم اكثر روحانية. ما مدى صلة الاستشراق بالتبشير والاستعمار؟ ــ كتاب ادوار سعيد عن الاستشراق هو السبب في طرح هذا النقاش وكلمة الاستشراق اصبحت في امريكا كلمة قبيحة والسمعة السيئة للاستشراق لصقت بحركة الاستشراق الانجليزي والفرنسي ـ وخدمة اهداف الاستعمار سياسيا واقتصاديا, اما المانيا فلم ترتبط بحركة الاستعمار ولم يرتبط الاستشراق الالماني بأي استعمار ولهذا توثقت علاقة الاستشراق الالماني بالآداب الشرقية والغربية. مامدى استقبال الالمان لمقامات الحريري؟ ــ يكاد يكون (مقامات الحريري) اكثر كتاب جذب الالمان وعندما كنت طفلة قرأت ترجمة روكرت لمقامات الحريري في كتاب للاطفال. وعندما كنت استاذة بجامعة بون في الستينات كنت لا أمل من قراءة المقامات. لماذا لايرحب المغرب بدراسات المستغربين؟ ــ هذا مايجب ان يتحقق مقابل الاهتمام بالدراسات العربية في المانيا وفرنسا.. هذا جسر هام بين الثقافات. ماهي اعز امانيك وهل حققت كل ماتودين؟ ــ لقد جذنبي عالم الشرق منذ كنت طفلة بدأت اتعلم اللغة العربية وعمري خمسة عشر عاما وسأظل احب العالم العربي والاسلامي حتى وفاتي. القاهرة ــ فوزي سليمان