المفكر الاسلامي الكبير د. محمد سليم العوار واحد من كبار المتحدثين في الاسلام السياسي, وقد احتلت كتاباته عن النظام السياسي في الاسلام مكانا بارزا في الفكر السياسي الاسلامي , وقد بدأ الدكتور العوا حياته العملية بالعمل في القضاء بعد تخرجه من كلية الحقوق جامعة الاسكندرية ثم فصل من عمله عام 1956 في مذبحة القضاء الشهيرة وسافر إلى الكويت ومنها إلى انجلترا, ومنها حصل على الدكتوراه في الفقه الاسلامي والقانون المقارن, وهو يعمل حاليا رئيسا لقسم الشريعة كلية الحقوق ــ جامعة الزقازيق. وفي هذا الحوار لــ (البيان) يؤكد الدكتور محمد سليم العوا ان تطبيق الشريعة الاسلامية اليوم في مصر لن يكون منقذا من الضياع, كما يحاول البعض ان يوهم الناس, لان هذه المسألة تحتاج اولا لعدة اصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية بعدها يمكن ان نفكر في تطبيق الشريعة. واوضح د. العوا ان الاسلام لم يضع نظاما للحكم أو نظاما سياسيا معينا يلزم به الناس, لكنه وضع مجموعة من المبادىء يكون النظام في اطارها اسلاميا. وقال: يمكننا في ظل هذه القيم والمبادىء الاسلامية, ان نختار ما نشاء من النظم السياسية. في البداية سألنا د. العوا: هل الميل إلى التشدد والمغالاة سببهما الجهل بالفقه الاسلامي؟ ــ اجاب د. العوا: يقينا ان التشدد والمغالاة احد اسبابهما الرئيسية هو الجهل بالفقه الاسلامي لان من فقه الاسلام وأصوله السمحة لا تعرف حياته الغلو أو التشدد, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (بعثت بحنيفية سمحة) حنيفية .. يعني مستقيمة, والقرآن وصف سيدنا ابراهيم بأنه كان حنيفا مسلما .. يعني مستقيما على الايمان, وبعثت بحنيفية سمحة يعني بملة مستقيمة وسمحة يعني يسيرة لا غلو فيها ولا تشدد. مما تعلمناه ونحن صغار من مشايخنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ان هذا الدين متين فأوغل فيه برفق, فان المنبت لا ارضا قطع, ولا اظهر ابقى) والمنبت يعني الذي يمشي بسرعة كبيرة في الصحراء على الناقة أو الحصان, يعني يستطيع ان يصل إلى غاية من سفره, ولا اظهر ابقى يعني يقتل الدابة التي يركبها من كثرة السرعة وشدة السير كناية عن التشدد والغلو والميل إلى التشدد ناتج عن الجهل في تطبيق الفقه الاسلامي وناتج ايضا عن الجهل بشكل عام, فثبت ان رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خير بين اثنين الا اختار ايسرهما ما لم يكن اثما, والرسول صلى الله عليه وسلم نهى الصحابة عن الغلو حتى في امور التعبد, وامر التعبد قربة خالصة إلى الله تعالى, والثلاثة نفر الذين نذروا بعد ان نظروا في عبادة الرسول صلى الله عليه وسلم وقال الحديث: وكأنهم تقالوها, اي تقالوها بالنسبة للعبادات التي يطبقونها, فقال احدهم انا اصوم ولا افطر, وقال الثاني انا اقوم الليل ولا انام وقال الثالث انا لا اتزوج النساء ابدا, فلما بلغ قولهم الرسول صلى الله عليه وسلم امر بجمع الناس وخطب فيهم قائلا: ما بال اقوام يقولون كذا وكذا الا اني اتقاكم لله واخشاكم له, وانا انام واقوم واصوم وافطر واتزوج النساء, فمن رغب عن سنتي فليس مني. ولما ذهب له واحد من هؤلاء الثلاثة وهو عبدالله بن عمر رضي الله تعالى عنهما يقول: يا رسول الله إنني أريد الصوم, قال له: صم يوما في كل شهر قال اني أطيق أكثر من ذلك. قال: صم يومين في كل شهر وظل يراجع الرسول حتى أذن له أن يصوم يوما ويفطر يوما, وقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (هذا صيام داود عليه السلام وهو أحب الصيام إلى الله) . الإسلام كله مبناه السماحة, فإذا كان الأمر في العبادة على هذا النحو, فما بالك بالنظم الاجتماعية والسياسية؟! هذه أمور فيها سعة كبيرة والإسلام يسمح بتعدد الآراء واختلافها ما دام هذا الاختلاف مقيدا بأمرين هما: محكمات هذا الشرع وقصد المصلحة العامة.. فإذا ابتغى المجتهد المصلحة العامة والتزم بالنصوص الملزمة في الشريعة الإسلامية, فلا تثريب عليه, أما الغلو والانحراف الفكري فهذا سببه قطعا الجهل بالفقه الإسلامي. نظام الحكم في الإسلام البعض يرى انه لا يوجد في الإسلام شكل محدد لنظام الحكم, مما أدى إلى خلافات كثيرة على مر التاريخ الإسلامي, ومحاولات مستمرة لاستخدام الدين في السياسة بدون وجه حق.. ماذا تقول؟ ــ هناك قضيتان هامتان في التشريع الإسلامي في هذا المجال, القضية الأولى عنوانها: هل يوجد في الإسلام أصول وأسس للنظام السياسي بوجه عام أم لا توجد؟ أما القضية الأولى فجوابها بالنفي.. ليس في الإسلام نظام سياسي محدد القواعد والتفاصيل والسبب ان الإسلام هو دين الله الخاتم الذي أنزله الله لهداية البشرية ولتحقيق السعادة الدنيوية والأخروية. وشأن النظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي ألا يكون ممكنا إقامته على نمط واحد غير قابل للتغيير والتطور إلى يوم القيامة, فهذا محال بالطبع, في حين انه ممكن في نظام الأسرة ولهذا نجد القرآن الكريم قد فصل نظام الأسرة تفصيلا دقيقا. أما نظام الحكم فلا يوجد به هذا التفصيل لا في القرآن والكريم ولا في السنة النبوية, نفس الوضع بالنسبة للنظام الاقتصادي لا نجد فيه هذا التفصيل. وهدف الإسلام من النظام الاقتصادي أمران أساسيان: الأول, طاعة الله سبحانه وتعالى بعمارة الأرض. والثاني: تحقيق مصالح الناس الدنيوية, فإذا استطاع الناس تحقيق مصالحهم الدنيوية بأي طريق كان لا يتعارض مع طاعة الله سبحانه وتعالى فهو طريق صحيح, وعلى هذا الأساس جاء الإسلام بالأمر بالشورى والعدل والمساواة والحرية. وهذه القيم الإسلامية الملتزمة وأمثالها هي التي يقوم عليها نظام الحكم دون تحديد للتفاصيل مثل عدد الوزارات, أو كيف يعزل الحاكم... إلخ. ونأتي للقضية الثانية: يوجد في الاسلام أصول وأسس للنظام السياسي وهي عبارة عن كليات عامة صالحة لاقامة نظم من أنواع مختلفة وهذه الأصول والقواعد ملزمة للناس بحيث ينبغي لهم أن يقيموها وإلا أثموا.. من هذه الأصول الشورى والحرية والعدل كما ذكرنا فإذا جاء نظام يلغي الشورى فهو نظام آثم, والنظام الذي يقضي على حرية الناس فهو نظام آثم والمشارك فيه يتحمل نصيبه من الإثم. كذلك أي نظام يلغي المساواة بين الناس أو يستحوذ على ثروات المجتمع لفئة محدودة فهو نظام آثم, وباختصار يمكن القول ان النظام السياسي الاسلامي يقوم على أسس محددة لكن لا يوجد به تفصيل لكيفية تطبيق هذه القواعد, وقد ترك هذا التغيير الزمان والمكان. التغيير معنى ذلك ان الإسلام لم يحدد نظاما سياسيا معينا ومفصلا ويلزم به الناس؟ ــ د. العوا منذ سنة 1973 نشرت في الطبعة الأولى من كتابي: (في النظام السياسي للدولة الإسلامية) ومنذ ذلك التاريخ كتبت ولا أزال حتى اليوم أردد اقتناعا بصحة ما كتبت.. كنت أقول: إن الإسلام لم يضع نظاما سياسيا معينا واضح المعالم, محدد التفاصيل لحكم الناس وانما وضع الاسلام قيما سياسية على الناس أن يتبعوها, والمبادئ لا ينبغي الخروج عنها. ثم في ظل هذه القيم والمبادئ يختار الناس من النظم السياسية ما يشاؤون, لأن النظام السياسي الذي في عصر النبوة كان سيصلح لعصر النبوة وربما لجيل أو جيلين بعد النبي صلى الله عليه وسلم, ثم تتغير الاحوال الدنيوية ويصبح هذا النظام غير صالح, وبالتالي يتفكك, وإذا تفكك تفككت عروة من عرى الإسلام, وهذا محال أن يقع.. الذي يقع ان الإسلام يرشد الناس إلى مصالحهم ويبين لهم كيف يحققون هذه المصالح ويتركهم أحرارا في التنظيم, والتنظيم هو الهيكل والعبرة في الإسلام ليست بالهيكل ولكنها بالجوهر. الإمام ابن عبد البر صاحب التمهيد: (التمهيد في معرفة ما في الموطأ من المعاني والأسانيد) وهو مسووعة في فقه الحديث النبوي الشريف, موسوعة في فقه مالك وفي علم الرجال ايضا, وهو مطبوع في المغرب في ثلاثين جزءا .. يقول في الجزء الأول متحدثنا عن المظاهر والشكليات في الإسلام: (إن الإسلام لايقف طويلا عند هذه الأمور, فإن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأشكالكم ولكنه ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم .. ويقول: (رب رجل يفعل كذا وكذا من الأشكال الطيبة المنصوص عليها في السنة, وهو أقل تدينا وأبعد عن الله من رجل لم يفعلها) فالقضية في الإسلام ليست أشكالا, لا أشكال نظم ولا أشكال ملبس ولا مأكل وإنما القضية في الإسلام جوهر, فإذا تحقق الجوهر تحقق الإسلام وإذا خولف الشكل إلى شكل أحسن منه فإن هذا لا بأس به في الإسلام. لكم العديد من مؤلفات حول أزمة الفكر الإسلامي المعاصر فما هو تقييمكم لهذه الأزمة .. وكيف يمكن الخروج منها؟ ــ د. العوا : الفكر الإسلامي المعاصر أو الفكر العربي المعاصر أو الفكر يمر بأزمة الهزيمة السياسية والعسكرية والاقتصادية والثقافية التي تعيشها مجتمعاتنا في مواجهة المجتمعات الأخرى سواء من المجتمعات الغربية الأوروبية أو الأمريكية وغيرها, أو المجتمعات الشرق آسيوية التي سبقتنا سبقا عظيما في الاقتصاد والسياسة وفي الحرية والديمقراطية وأصبحت الكتلة المسماة بالعالم العربي والإسلامي هي الكتلة الوحيدة الباقية في العالم التي تعيش تحت مأساة الحكم الفردي ولا تتمتع معظم بلادها بالحق المكفول بكل الدنيا أن تحمي نفسها بنفسها وأن تمارس حياتها طبقا لقوانين تختارها. الشعوب العربية والإسلامية محرومة من هذا الحق, ونتيجة لهذا الحرمان توجد أزمة بين الناس مهم بين شقي رحى, بين فريق يطالب بحق الانسان في الحياة وفي الحرية والديمقراطية وبين فريق يقول ليس بالإمكان أبدع مما كان, وهذه الشعوب غير ناضجة .. ولو أعطيت هذه الحقوق ستسيء استعمالها هذا هو السبب الحقيقي للأزمة الحالية. السبب الثاني للأزمة الحالية هو الهزيمة السياسية والعسكرية أمام العدو الصهيوني يليها العجز العربي المخزي في اتخاذ قرار موحد تجاه الاعتداء الأمريكي الأخير على العراق وعجزهم ايضا في التوحد تحت غطاء جامعة الدول العربية. المشروع الحضاري تقدمتم ومجموعة من المفكرين بمشروع حضاري إسلامي .. ما هي أهم النقاط التي يعتمد عليها هذا المشروع؟ ــ د. العوا: المشروع الحضاري الإسلامي هو فكرة بلورناها وعملنا على إذاعتها في الناس من خلال مجموعة من المفكرين الإسلاميين الذين يهتمون بالشأن الإسلامي ويرون أن الصراع السياسي مع الحكومات ليس حلاً, وإنما الحل في إنقاذ الشعوب وتبصير الحاكمين بقضية الإسلام في مواجهة غيره من المذاهب والأفكار, وكان ولا تزال وجهة نظرنا أن المشروع الحضاري الإسلامي يقوم على إعادة الاعتبار, أن الإسلام كمؤسس أصلي لأعظم حضارة عرفتها البشرية والإسلام عندما أسس هذه الحضارة لم يؤسسها بالسيف ولا القوى العسكرية إنما أسسها بكرامة الإنسان وحقه في الإبداع وأسسها بتطبيق الشرع تطبيقا صحيحاً على الكافة, لا يستثني منه غنيا ولا زعيما ولا مسؤولا وإنما يطبق على الحاكم والمحكوم وعلى الغني والفقير على حد سواء .. وأسسها على قاعدتين عقيدتين .. قاعدة الإيمان بالله سبحانه وتعالى خالقا وحاكما, وقاعدة وسطية الإسلام التي تعني العدالة, فالإسلام هو دين العدل, ليس العدل القضائي فقط وإنما هو العدل القضائي والاقتصادي والمهني والفكري, ولا يحرم أحدا من إبداء رأيه ولا يحرم أحدا من التفكير في قضيته, ولا يحرم أحد من التعبير, فالمشروع الإسلام قام في الزمن الماضي وسيقوم في المستقبل على العلم الحر, وخلاصة موقفنا من الناحية السياسية بالمشروع الحضاري أن الفيصل بين الناس هو رأي الجماهير, فإذا اختارت الجماهير شيئًا لا يستطيع أحد أن يحرمها منه .. وإذا الجماهير رفضت شيئًا لايجوز لأحد أن يجبرها عليه وتفاصيل ذلك فيه تفاصيل كثيرة, في القانون والأدب والسياسة وفي العلاقة مع الآخر سواء أكان دينيا أو سياسيا, سواء محليا أو أجنبيا, هذه التفاصيل مذكورة في مواضعها, في أبحاثنا أو أبحاث غيرنا من الناس. ونحن نتقدم إلى المسلمين وإلى غير المسلمين بهذا المشروع ونقول لهم, نحن وإياكم على كلمة سواء أن يترك الناس وما يدينون, لايكره أحدا ريما كان على اعتناق عقيدة لا يريدها ولا على ترك عقيدة يريدها ــ هذه قاعدة, القاعدة الأخرى: نحن وإياكم يجب أن نعمل على تحقيق المصلحة الوطنية في كل بلد ويكون معيار التعاون بينهم هو أن يترك كل إنسان وما يدين, لا يكره أحدا على اعتناق دين لا يريده ولا ترك دين يريده, هاتان هما القاعدتان اللتان نتقدم عليهما بالمشروع الحضاري الإسلامي. القاهرة ــ حوار ــ محمد الشرقاوي