كان الحديث عن المسرح, وسألت الفنان الكبير عن سر التراجع في الابداع المسرحي الحقيقي. ولم يحاول الرجل التهرب من الاجابة, بل انطلق ببساطة ويقين قائلا:- ولماذا المسرح فقط؟ ان التراجع يشمل الابداع في كل شيء , السينما في ازمة والاغنية كما ترى. والامر لايقتصر على ذلك, فالتراجع سمة عامة في كل شيء, وربما تكون المشكلة اكثر وضوحا في المسرح, لانه الفن الاقرب الى الناس, ومن هنا فهو يتأثر بسرعة بما يجري في المجتمع ويؤثر بسرعة كذلك. وفي التغيرات الكبرى التي تشهدها المجتمعات يكون المسرح هو الاسرع في التعبير عنها. واستمر النقاش طوال السهرة, ولكن الاسئلة لم تجد اجابة حاسمة .. فالتاريخ يعلمنا ان الازمات تنتج ابداعها العظيم , وان الفن الجميل لاينتظر تحسن الظروف لينطلق, بل انه - احيانا - يتفوق والمجتمع يعيش اسوأ الظروف ... واعظم ما انتجته روسيا من ادب ظهر في ظل الظروف المأساوية التي عاشتها روسيا في ظل القيصرية, وما انتجه جوركي وتولتسوي ودستوفيسكي من روائع خالدة لم يتم والامور على مايرام .. سواء على المستوى الشخصي او على مستوى المجتمع الذي كان يعيش فترة حالكة السواد من تاريخه .. وما قدمه تشارلز ديكنز للادب الانجليزي مثلا كان ابن الظروف الصعبة التي عاشها الملايين في انجلترا. لكن ذلك ليس قاعدة ففي عصور الازدهار الحضاري نرى ابداعا عظيما ورائعا .. وما ابدعه العرب في العصر العباسي وماقدمته الاندلس للحضارة العالمية خير شاهد على ذلك, ولكن مانريد ان نقوله ان تردي الاحوال لايقتل الابداع, ربما يحاصره وربما يستنزفه في معارك فرعية , ولكن الابداع الاصيل يجد طريقه للناس, ويجد طريقه للخلود اذا لم يكتف بدور الوصف والتفسير لما يحدث, وانما تخطى ذلك ليصبح البشير والنذير وحامل النبوءة وقارىء المستقبل. المبدع العظيم يقرأ الواقع قراءة مختلفة, ويمد بصره الى الغد فيرى ما لايراه الآخرون, ومن هنا فهو في عز الازمة يرى الفجر الساطع ويغني له . وهو في عز مواكب النفاق والتهليل يرى الكارثة فيصرخ محذرا. وهو يغني مع الناس افراحهم ويبكي احزانهم, ولكنه لايكتفي بذلك, بل يفتش تحت الجلد ولا يكتفي بما يراه على السطح وهكذا يرى النفس الانسانية وهي عارية الا من مشاعرها ويرى المجتمع على حقيقته رغم كل الزيف والبريق الخادع. وبالطبع فان الاحداث الكبرى التي تهز المجتمع وتغيره تغييرا جذريا تترك اثرها في كل شيء, وتطلق المجال فسيحا للابداع الجميل, ولنسترجع معا حالة الانتشاء بعد ثورة يوليو او بعد انتصار اكتوبر, مع فارق ان الثورة وجدت متسعا من الوقت لتعطي ثمارها, بينما تم حصار اكتوبر على الفور خوفا من آثاره. بعد يوليو انطلق جيل جديد في كل انحاء العالم العربي ينشر الابداع الجميل في كل المجالات .. في الرواية والشعر والسينما والعلوم والهندسة, ولكن السبق كان للاغنية والمسرح لأنهما الاقرب للناس والاكثر اقترابا من الجمهور والاشد التصاقا بالاحداث. واذا كان موقف الاجيال الجديدة مفهوما, فان الغريب كان موقف المبدعين من جيل ماقبل الثورة, طه حسين وتوفيق الحكيم وغيرهما من الذين التحقوا بالركب وابدعوا في الادب, وام كلثوم وعبد الوهاب وغيرهما من الذين ابدعوا في الفن. وربما يقودنا هذا الى تفسير بعض جوانب الابداع في ظل الازمة فهؤلاء المبدعون الكبار عاشوا ايام المخاض ورأوا انهيار المجتمع القديم, والاهم من ذلك انهم لمحوا - على البعد - نور الفجر القادم على اطلال مجتمع يعيش الازمة حتى النخاع. هكذا كتب الحكيم ( عودة الروح) وكتب طه حسين (شجرة البؤس) ليهديها الى الذين يتخوفون من العدل والذين يشتاقون اليه. والتحقت ام كلثوم وعبد الوهاب بركب الثورة مبكرا ليتحولا الى سلاح هام في معارك تلك الايام, ولتتجلى عبقريتاهما في التواؤم مع الفكر الجديد والتعايش مع الواقع الذي افرزته التغييرات الهائلة في كل المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية. وبعيدا عن الاناشيد الوطنية استجاب الاثنان لضرورات العصر, ولم يعد غناؤهما موجها اساسا للنخبة بل للملايين من الجماهير العادية التي استردت حق الحياة في ظل الثورة, ومع صعود الطبقة المتوسطة والعمال والفلاحين كان لابد ان يتغير الغناء . ومع ظهور كلمات صلاح جاهين والابنودي والحان كمال الطويل والموجي وبليغ حمدي, كان لابد ان يتحرك عبد الوهاب وان تنتفض ام كلثوم , وان يتغير طعم الغناء. وهكذا تحرك عبد الوهاب من منطقة (مسكين وحالي عدم) إلى منطقة (لأ مش أنا اللي أبكي) ولم تكن مصادفة أن تعيد أم كلثوم النظر في كلمات رامي (عزة جمالك فين من غير ذليل يهواك) وتغني رداً عليها من كلمات الشاعر الجميل عبد الفتاح مصطفى: مين اللي قال عزك في ذل خضوعي ولا غلاوتك في الهوى بدموعي بالحب وحده انت غالي عليهّ بالحب وحده إنت ضي عينيهّ بالحب وحده.. وهو وحده شوية؟! .. وهذا الكبرياء العاطفي, كان يترافق معه كبرياء وطن يشمل المجتمع كله وينعكس فنا بارعا وابداعا جميلا.. تغير الغناء, واندلعت نار الإبداع في المسرح ليشهد العالم العربي أعظم فترة في تاريخ المسرح العربي. ومع الغناء والمسرح شملت النهضة كل شيء.. انطلق نجيب محفوظ في الرواية, ويوسف ادريس في القصة, وصلاح أبو سيف ويوسف شاهين وبركات في السينما, وازدهرت الفنون الشعبية مع الباليه في وقت واحد. وبالطبع يتغير الأمر في لحظات التراجع ــ وفي هزيمة 1967 اندلع غضب الشيخ إمام وفؤاد نجم يصرخ ويجرح. وفي الوقت نفسه كانت هناك أصوات تحاول تضميد الجراح. غير أن المدهش ان الأغاني الشعبية التي انطلقت وقتئذ لم تكن تتحدث إلا عن الثأر, ومن على خط النار في قناة السويس جاء أجمل الغناء في هذا الوقت, وبينما كان البعض في المدينة يتلهون بــ (العتبة جزاز والسلم نايلون) كان الناس يغنون: فات الكثير يابلدنا مابقاش إلا القليل لكن ذلك كله كان زمانا وانقضى. الان والتراجع يصل الى مداه, يبدو الإبداع في أفقر حالاته. وتسأل فيكون الجواب إن الازمة عامة والابداع ليس استثناء. وليس ذلك بصحيح.. فالإبداع استثناء وهو قادر على الحياة في ظل الازمة وفي أسوأ الظروف.. ولايعني ما نقوله أن الساحة خالية تماما, ولكن الإبداع شحيح, والاهم أن دوره غائب. نحن نفتقد ذلك الإبداع الاستثنائي الذي ينفجر في وجه المجتمع وفي قلوب الناس فيهزمهم من الأعماق, ونفتقد ذلك الابداع الذي يجدد العشق للحياة وللعدل والحرية.. ليس العشق المعتاد ولكنه العشق الذي يزلزل كل شيء, ونفتقد ذلك الابداع المجنون حينا... العاقل حينا, المؤمن في كل الأحوال بقدرته على تغيير الكون وزرع الحياة في الأيام الميتة! لدينا الآن مطربون يزيد عددهم على عدد المستمعين, وشعراء أكثر من الهم على القلب, ومسرح طبيعي وطليعي وتجريبي وتخريبي.. ولاشيء يبقى, ولاشيء ينتشل روح الأمة مما تعانيه, أو يفتح بابا للأمل في عبور الأزمة وهزيمة الهزيمة. و.. أعرف أن الأمة ستسترد روحها, وستستعيد قدرتها على الإبداع الحقيقي, والى أن يتحقق ذلك فعلينا ان نعيش عصر (كامننا) في الغناء, و (خذ الفلوس واجري) في المسرح. وعلينا ان نتحمل قراءة ألف عمل أدبي لنعثر على شيء حقيقي, في الوقت الذي نجلس فيه في المقهى فيحاصرنا عشرون على الأقل يعتبر كل منهم نفسه أمير الشعراء, ثم نفتح التلفزيون فنفاجأ بالراقصة دينا تفتينا في أمور الدين وتقرر لنا ماهو الحلال وما هو الحرام!! إنه زمن الأحلام المؤجلة أو الموؤودة. نبحث فيه عما يهز القلب فلا يطالعنا إلا ما يهز الوسط. وننتظر الإبداع الجميل الذي يحرك السكون المميت داخل النفس, فلا نجد شيئا.. ومع ذلك لانفقد الأمل ولا نمل من انتظار الصباح!