قابلت صاحبي المشاكس في ردهة كلية الاداب, بعد ان فرغ كلانا من محاضراته, فأقبل علي ببشاشته المعهودة, ومحبته الخالصة. وبعد ان تبادلنا التحية, وأخذنا نشق طريقنا خارج الكلية, اوقفني لنستمتع بشمس أول يناير التي تبعث الدفء في الأوصال, وتخفف من برودة الطقس في هذا الشهر الذي نستفتح به عامنا . ولم يعطني صاحبي الفرصة لتبادل الأمنيات الطيبات بحلول العام الميلادي الجديد كما تعودنا كل عام. ورأيت على وجهه علامات اللهفة التي تسبق اسئلته التي يبادرني بها كلما شغلته قضية من قضايا الادب والنقد الادبي التي يضعها في الموضع الثاني من اهتماماته بعد تخصصه المباشر. وعندما لاحظ ان علامات اللهفة التي على وجهه وجدت الاستجابة لها في علامات وجهي, بادرني بسؤال ردنا الى سياق حوارنا عن الرداءة, وقال: هل تعرف انني ظللت افكر في جملة عابرة وردت في كلامك عن محمد مصطفى بدوي, خصوصا حين ذكرت ان اهتمام بدوي بأفكار الناقد الانجليزي الكبير ايفور ارمسترنج رتشاردز (1893 ـ 1979) الذي كان يعد واحدامن اعظم نقاد العصر في الستينات هو ما دفع به الى ترجمة كتابه هاملتون (الشعر والتأمل) ونشره في التاريخ نفسه الذي نشر فيه ترجمته عن (مبادئ النقد الأدبي) , وان صدور هذين الكتابين المتعارضين كان حدثا دالا على الموقف النقدي الرحب لمحمد مصطفى بدوي الناقد على نحو يصعب نسيانه. قلت لصاحبي: وبالمناسبة, هل تعرف ان الذي راجع ترجمة بدوي لكتاب رتشاردز هو لويس عوض وان سهير القلماوي هي التي راجعت ترجمته لكتاب هاملتون عن (الشعر والتأمل) الذي هو كتاب معارض لتوجه رتشاردز. وكلا الاثنين ـ لويس عوض وسهير القلماوي ـ من الاساتذة المشهود لهم بالقدرة والكفاءة في عمليتي الترجمة والمراجعة, ذلك على الرغم من تباين ما بينهما في التوجه النقدي والفكري والتخصصي على السواء, فسهير القلماوي ـ عليها رحمة الله ـ كانت استاذة للادب العربي وأول رئيسة لقسم اللغة العربية في كليتنا هذه, ولويس عوض كان استاذ الادب الانجليزي في الكلية نفسها, وظل كذلك الى ان طرد من الجامعة المصرية بعد ازمة مارس سنة ,1954 حين كان هو وزملاء له من انصار الديمقراطية التي دافعوا عنها في تصاعد الازمة التي ترتب عليها طردهم من الجامعة. صاح بي صاحبي الذي قاطعني قائلا: ها أنت قد عدت الى الاستطراد يا حفيد الجاحظ دع عنك هذا الحديث, واتركه الى وقته, وحدثني عن سر اهتمام محمد مصطفى بدوي بكتاب رتشاردز ودلالة ترجمة هذا الكتاب في ذلك الوقت. قلت لصاحبي وانا ارد عليه مشاكسته: سمعا وطاعة ايها الصديق المستبد الذي لا اعرف لماذا يكره الاستطراد مع ان الاستطراد هو تعبير عن التدفق التلقائي للحوار غير المصنوع, وهو ترويح للقلوب حتى لا تعاني من سآمة جفاف التجريدات الفكرية والعلمية. وحتى لا تغضب وتقاطعني, دعني اخبرك ان محمد مصطفى بدوي من المترجمين الذين لم يكونوا يترجمون لمجرد الترجمة, او لاستجلاب المنفعة المادية, وانما لأنهم يرون في الكتاب الذي يختارونه فائدة لابد من نقلها الى القراء في وطنهم, فالترجمة عند هؤلاء عملية تأسيس للثقافة التي ينتسبون اليها اصلا, ودعم لها بما يفتحها على الفكر العالمي الذي يفيدها الحوار معه والتفاعل الخلاق مع نظرياته. ولذلك اختار بدوي كتاب رتشاردز (مبادئ النقد الادبي) لانه شعر بمدى أهمية الاضافة التي تحققها ترجمة هذا الكتاب في الثقافة النقدية العربية, ومدى الثراء الذي تتيحه مناقشة افكار الكتاب من منظور الناقد العربي في مطلع الستينات, وهو ناقد كان لا يزال يعاني وضعا سلبيا شبيها بذلك الوضع الذي واجهه رتشاردز عندما خصص الفصل الاول من كتابه للحديث عن فوضى النظريات النقدية وأتبعه بالحديث عن الحالة الجمالية الوهمية التي انتقل منها الى تأمل لغة النقد. قال صديقي: يعني ذلك ان محمد مصطفى بدوي وجد في كتاب رتشاردز محاولة جريئة للتفكير المنهجي من وجهة نظر أصيلة. وأحسبني اضيف الى ذلك ان كتاب رتشاردز عندما صدر سنة 1926 كان ـ الى جانب كونه تمردا على فوضى النظريات النقدية ـ محاولة منهجية صارمة لاقامة النقد على اساس علمي راسخ, وكان رتشاردز في ذلك متأثرا بالنزعة التجريبية التي كانت غالبة على تفكيره فيما اعلم, وهي النزعة التي دفعته الى التعاطف مع المدرسة السلوكية في علم النفس, ومن ثم التركيز في فهم التجربة الجمالية على الاستجابة السلوكية التي تخلفها في المتلقى من ناحية, وعلى صلة هذه الاستجابة بنظرية في القيمة من ناحية ثانية, واخيرا, على نظرية في التوصيل لا تقل في الاهمية. واسعدني استخدام صاحبي لخبرته في الدراسات النفسية, فأضفت الى الثناء عليه قولي: معك حق في كل ما قلت, ويعنيني فيه بوجه خاص الاشارة الى القيمة, واتصور ان محمد مصطفى بدوى اعجب بالتماسك المنطقي للنظرة النفسية في تفسير القيمة الجمالية عند رتشاردز, وما يترتب على هذا التفسير من ارجاع الجمال الى القدرة على احداث اكبر قدر ممكن من التناسق والتناغم بين الدوافع والنزعات النفسية المتعارضة, ولذلك قرن رتشاردز قيمة الجمال في الابداعات الانسانية بالقدرة الفريدة للخيال على تكوين علاقات جديدة منسجمة بين عناصر منسجمة اصلا, وكان من نتيجة ذلك القول بان نوع الخيال وقدرته هما ما يميزان الفنان المبدع عن غيره, ذلك لأن قيمة الفن الجمالية هي الوجه الآخر من قدرة الفنان الخيالية التي تمكنه من التوفيق بين العناصر المتعارضة والموضوعات المتباينة, في علاقات جديدة تفتح للوعي افقا جديدا من الادراك والرؤية, وليس ذلك بالامر الغريب, فنحن عادة ما نكرر ان خيال الشاعر ــ مثلا ــ هو الذي يمكنه من خلق قصائد ينسج صورها من معطيات الواقع المتناثرة والمتنافرة, ولكنه يجاوز حرفية هذه المعطيات وواقعيتها باعادة تشكيلها في علاقات نسقية جديدة علاقات تحطم سور مدركاتنا العرفية, وتجعلنا نجفل لا ندين بحالة من الوعي, نشعر معها بأن كل شيء يبدأ من جديد ويكتسب معنى مغايرا من الانسجام الذي لا سبيل الى شعورنا به قبل استجابتنا الى التجربة الجمالية. ويبدو ان حماستي المتدفقة في صياغة هذه الافكار قد اجبرت صاحبي على الانصات, والانتظار الى ان افرغ من تبسيط افكار رتشاردز, فظل على حسن استماعه الى ان فرغت من الحديث الذي دفعه الى التأمل, واستغرق في تأمله الى الدرجة التي الهته عن مقاطعتي, فنظر الي كما لو كان يشجعني على المضي في الكلام, فأضفت قائلا: ويبدو ان محمد مصطفى بدوي قد رأى في ذلك الوقت ان رتشاردز مصيب كل الاصابة في تأكيده اهمية التنسيق والانسجام ومدى حيويتهما في كل تجربة جمالية بوجه عام, وكل تجربة شعرية بوجه خاص, وربما كان ذلك نتيجة نزعة جمالية لا تخلو من ميل كلاسيكي يؤثر ان يرى الجمال في النظام, ويرى النظام في الفوضى, ويرد التكثر الى وحدة, والتشظي الى نسق يؤكد معنى الانسجام الذي هو اصل القيمة الجمالية, ولكن محمد مصطفى بدوى انتهى في الوقت نفسه الى ان رتشاردز مخطىء كل الخطأ فيما عدا ذلك, سواء في تفسيره لذهن الشاعر وشخصيته او تفسيره للفن والاخلاق, او تفسيره للعلاقة بين الشعر والحياة ومكانة الشاعر في المجتمع, واستعان على ابراز بعض ذلك بترجمة كتاب هاملتون المغاير في الاتجاه, ولم يقتصر بدوى على ذلك بل اضاف بالكتابة عما انتهى اليه من درس رتشاردز توضيح ان موقفه من رتشاردز لا يرجع الى خطأ الثاني فحسب, بل الى ما تصوره بدوي وقتها, تأثيرا ضارا لكتاب رتشاردز على النقد الادبي, لا في نظرية الشعر وحدها ولا في النقد الادبي فحسب وانما في تأليف الشعر ايضا, فالشاعر الحديث يتميز بدرجة كبيرة من الوعي بالذات ويتأثر تأليفه بالنظريات الى حد كبير فيما كان يرى بدوى خلال تلك السنوات. وتدخل صديقي ليقاطعني بقوله: ولا يخفى عليك ــ بالطبع ــ ان موقف بدوى على هذا النحو يمكن ان نعده موقفا معاديا للحداثة على نحو من الانحاء, واقرب الى ميله الكلاسيكي الذي تجلى في تجاربه الرومانتيكية القديمة في الكتابة الشعرية, قلت لصاحبي: وهل تعرف انه كان واحدا من شعراء الطليعة في الاربعينات, وله ديوان شعر مطبوع بعنوان (رسائل من لندن) فضلا عن مجموعة قصائد اخرى بعنوان (اطلال) ويبدو ان صاحبي وجد ما يدفعه الى مقاطعتي هذه المرة, فاندفع صائحا: اعرف ذلك, ولا تحسب انك تحتكر معرفة كل شيء والاهم من معرفتي او عدم معرفتي هو السؤال: كيف يجتمع الميل الكلاسيكي مع التجارب الرومانتيكية؟ اليس في ذلك تناقض ينشأ عن الجميع بين الاضداد؟ قلت لصاحبي: ليس في الامر تناقض لو تجاوزنا المعاني الظاهرية السطحية, فما اقصد اليه بالميل الكلاسيكي لايعني المذهب الكلاسيكي المعروف بمبادئه التاريخية الثابتة, وانما اقصد الى الحرص على النظام الذي هو حرص على التمسك بكل ما يؤكد الانسجاح في الكون, ومن ثم النفور من الفوضى واللاانسجام والتشظى والعبث واللامعنى على السواء, وهذا النوع من الميل يكتسب الصفة الكلاسيكية في المنزع لا المذهب, ما ظل يتقارب مع الكلاسيكية في هذا المعنى وحده ويغايرها فيما عدا ولا يتناقض هذا الميل مع هذه الصفة الرومانتيكية او تلك في تجارب الابداع, ما ظلت هذه التجارب نافرة من تطرف الذات في الغوص الى القاع من اطلنطيس الاعماق, حيث دوامات اللاوعي وبراكين اللاشعور المتشظية بحمم اللامنطق, وكذلك كان بدوي ينفر من قصيدة النثر التي جذبت اليها رفيق صباه ادوار الخراط ومعه صديقهما المشترك محمد منير رمزي, وظلت تجاربه الشعرية في المنطقة التي تتجاور فيها النزعة الذاتية الرومانتيكية مع الميل الكلاسيكي الذي يرى الجمال في النظام ويبحث عن النظام في الفوضى.