عندما تسير في شوارع موسكو, ترى أحد هذه الشوارع مستقيما, بناياته متشابهة الا بيتا واحدا, يلفت النظر من على مسافات بعيدة, فهو بني اللون وسط بنايات اقرب الى لون الاحجار , وقصيرا ربما كان من طابقين في حين ان بقية البنايات مرتفعة. هذا البيت المتميز هو البيت الذي كان يعيش فيه كاتب روسيا الكبير انطون تشيكوف. ولا احد كتب القصة أو الرواية أو احبهما لم يفتن بكتاب روسيا: بوشكين, وجوركي, وتوليستوى, وديستوفيسكي, ولكن كان لتشيكوف مكانة مميزة كأنها هذا البيت القرميدي وسط هذه البنايات الحجرية. ولقد قرأته في مطلع شبابي, حتى صرت لا أقرأه الآن الا نادرا, لا لانني زهدته, بل لانه ترسب في اعماقي فلم أعد في حاجة الى الرجوع اليه. وكانت علاقتي بتشيكوف طريفة, فلقد احببته منذ وقت مبكر, لكنني اردت ان استمتع به, فجمعت كل ما حصلت عليه يداي من اعماله وما كتب عنه, حتى صار له ركن في المكتبة, ثم بدأت اقرأه أو على الاصح اعيد قراءته في فترة متصلة ربما كانت نحو ثلاثة اشهر, خرجت منها وانا أرى امامي تشيكوف واجالسه واتحدث معه, حتى انني كنت أقلد لاصدقائي مشيته, ولم يكن ذلك تحامقا, ولكن لانني عرفته, من كتاباته بالذات, الى أقصى ما تستطيع ان تعرف شخصا. ومن أجمل قصص تشيكوف ــ وهو ملك القصة القصيرة ــ تلك القصة عن صاحب المكتبة العاشق لكتبه, واذا في مرة تأتي إليه صبية تسأله ان يبيعها كبريتا, وثار صاحب المكتبة كيف تطلب منه هذا الطلب الرخيص, وهو الوراق المتفاني في كتبه الشامخة. ومع الوقت تكرر هذا الطلب الاحمق, فطلب بعض الناس السكر أو الشاي أو غير ذلك من حاجاتهم اليومية. وكان الرجل يغضب خاصة وان الطلب على الكتاب كان ضعيفا. وفي النهاية تفتق ذهن صاحب المكتبة عن اقتراح عبقري, وهو ان يخصص مكانا صغيرا في مكتبته للشاي والسكر والكبريت والملح وما شابه من حاجات الناس اليومية, وهكذا يربح بعض المال, فيستطيع الاستمرار في تجارته الاثيرة وهي بيع الكتب. ولكن مع الزمن زادت مساحة البقالة على حساب مساحة المكتبة, وذات يوم اتى احدهم ليشتري منه كتابا, فاستمهله محرجا ليبحث اين ذهبت الكتب. والمدهش ان هذا يحدث حولنا كثيرا. مثلا الصيدلية اسفل البناية التي اسكنها, اراد صاحبها ان يروج لبضاعته فامدها بالروائح العطرية والكريمات النسائية وادوات الحلاقة والمحارم الورقية بل ولعب الاطفال. وذات يوم قابلته في الطريق فقال لي انه ذاهب ليشتري شيئا للصداع الذي اصابه! فلقد اختفت الادوية من صيدليته. وانا لا افهم في الاقتصاد والحمد لله, الذي لايحمد على مكروه سواه, ولكنني اخمن ان هذا يتبع القاعدة التي تقول ان: (العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة من السوق) وهي من الالغاز التي عشت معها طفولتي وصباي, فلم استطع ان افهم ابدا كيف تطرد العملة الرديئة العملة الجيدة) , وكان يقيني ان العملة الجيدة افضل واقوى. ولم افهم هذه النظرية التي ازعجت طفولتي وصباي, الا عندما دخلت معترك الحياة ورأيت كيف ان الاسوأ يحققون مايريدون, وان الافضل يعانون الاحباط, وكيف ان من يحركون الاشياء يفضلون الاردأ لانه الاسهل في التعامل معه, ولانه الاكثر انصياعا, ولانه يقدم الخدمات سواء طلبها سيده أو لم يطلبها. اما الجيد فهو مرهق للأخرين يريد الكثير, ويريد ان تسير الحياة على قواعد قاسية. ومن الغريب ان هذه النظرية وايضا قصة تشيكوف ــ تنطبق على معارض الكتاب. فاول ماعرفنا معارض الكتاب في بلادنا كانت خاصة بالكتب طبعا الاجيال الجديدة ستدهش لهذا الكلام, لكنني اقسم ان معارض الكتاب كانت في بدايتها خاصة بالكتب, ولدي ادلة كثيرة على هذا! وكانت الندوات الموازية في اغلبها خاصة بالكتب, وكان المتحدثون في معظمهم من مؤلفي الكتب. لكن احدهم تساءل: اليس الوزير الفلاني او الفنان الفلاني يجمع الناس اكثر من مؤلفي الكتب؟ فليكن هو المتحدث بجانب المؤلفين, وضاق مع الزمن مكان اصحاب الكتب. وامتلأت معارض الكتب بالمتحدثين من اهل السياسة والفن, بل احيانا هم لايتحدثون بل يغنون ويعزفون, ولايفسر خبيث حديثي هذا بان اهل السياسة هم الذين يغنون ويعزفون, فانا اقصد الفنانين, فالساسة لايغنون ولايعزفون. وذات مرة سألت ولدا من العائلة بعد عودته من معرض الكتاب عما فعل .. فحكى لي انه حضر ندوة الممثل الكوميدي وان القاعة كانت مليئة حتى نهايتها حتى انه لم يجد مكانا ليجلس فوقف طوال الوقت. وانه حضر مسرحية جميلة, وانه تغدى كذا في مطعم .. وشرب شايا بالنعناع في مقهى. واستمر يحكي ويحكي .. فلما قاطعته متسائلا عما اشتراه من كتب, توقف مندهشا وهو يتفحصني كما لو كنت مجنونا فما دخل الكتب بمعرض الكتاب؟ وذكرني هذا بالمسرح العربي في بدايات السبعينات, عندما قال احدهم ان المسرح يموت وعلينا انقاذه, وكان (الجولكوز) الذي امد به شرايين المسرح هو الاستعراض, فبدأنا نرى بضع راقصين وراقصات, وانتشى البعض, واحبوا هذه اللمسة الجديدة حقا كان الراقصون في غالب الامر مرضى وكانت الراقصات بدينات قبيحات لكن التجديد كان شيئا جميلا. واذا كان الرقص مطلوبا فالغناء اقرب الى المسرح, وهكذا اضيف الى المسرح مطرب او مطربة واحيانا اكثر وقال لي مخرج مسرحي ذات مرة ان (روشتة) النجاح هي مطرب وست راقصات وستة راقصين وكوميديان وثوب قصير تلبسه بنت صغيرة. فلما سألته عن الموضوع او القضية التي تناقشها المسرحية نظر الي كانني من اهل الكهف. فالقضايا لاتشغل صاحبنا ولا أصحابه. ومعنى هذا باختصار ان (البقالة) اخذت مكان الكتاب ! ولقد كتبت بعض المسرحيات .. وعلى وجه التحديد ثلاث منها لايمكن ادخال راقص او راقصة اليها, واحسست انني اتشفى من المخرجين. فكيف يدخلون باصحابهم الى المسرحية ولكنني خشيت ان اكون مخطئا في تقدير طغيان بعض المخرجين فكدت اكتب عليها ما معناه: ممنوع منعا باتا استخدام الراقصين والراقصات في هذه المسرحيات ولكنني رأيت ان هذا قد يثير حفيظة بعض المخرجين ويجعلهم يتعمدون حشو المسرحية بهؤلاء الراقصين والراقصات. ومنذ ايام اتصل بي المسرح لاحضر (البروفة) النهائىة لمسرحية لي في يوم كذا, واعتذرت ولم يصدق العاملون في المسرح والمسرحية انني من الممكن ان اعتذر عن شيء كهذا. وقلت لهم ان حفيدي في نفس الوقت سيمثل ويغني في اوبرا (لابوهيم) وسألني مدير المسرح: هل تترك مسرحيتك وتذهب لتشاهد طفلا في اوبرا؟ ولم يدرك ان الاختيار لم يكن صعبا لي. وذهبت وشاهدت, (علي خالد) يظهر على المسرح كالبرق الخاطف وكان هذا هو دوره في الفصل الاول, ثم في وسط الزحام في الفصل الثاني حيث شارك المجموعة الغناء, ومع ذلك فلقد كانت عيناي تفتشان عنه في كل شبر من المسرح. وبعدها ذهبت الى مسرحيتي وكنت متأكدا ان المخرج لن يدخل اليها الرقص فكيف يستطيع؟ ومع ذلك رأيت المسرحية تبدأ برقصة. واذا استمر الموقف كما يحدث في معرض الكتاب والمسرح اتوقع ان يقوم الجراحون بالتدليك, والمهندسون بصنع الكراسي, ورجال الساسة باقامة حفلات العرس, وربما كان هذا افضل!