نعم, عائد بعد غربة دامت واستطالت نحو واحد وعشرين عاما, تعددت في سياقها الاماكن والاسماء والسحن والملامح والزوايا والطيوف واللغات والروائح والمسموعات . وكل بعد عن الوطن غربة - لكن الفرق كبير شاسع بين اسفار في داخل وطن يتكلم العربية وبين رحيل الى اصقاع لاتعرفها وربما لاتحب ان تعرفها. فرق ان تلح عليك مطالب المعاش ورغبة الافضل, ناهيك عن مقتضيات اتقاء الحاكم وغضبة السلطة .. فتشد الرحال, كما فعلنا الى مواقع شتى في الوطن العربي فاذا بك في غربة مطمئنة وفي نأي مؤنس لا يوجع القلب وان المت به احيانا احاسيس الحنين الى مافات والى ماكان, على اساس ما الحب الا للحبيب الاول, ولكن اذا مادعتك نداهة المنفى الى ان تعبر البحر المحيط الى حيث تصدق عليك مقولة الشاعر المصري المخضرم اسماعيل صبري: لا القوم قومي ولا الاعوان اعواني ... هنالك تكتمل شرائط الغربة فتصبح بعيدا لا عن الوطن ــ الارض والناس ــ ولكن عن الوطن الجوهر والمعنى والرمز والدلالات. ها انت ايها الغريب النائي ــ تؤوب بعد هذين العقدين, او اكثر من عمر زمانك وزمان الناس .. في جعبتك ذكريات مواقع أويت اليها .. ابوظبي ... دبي ... بيروت ... بغداد ... ثم اديس ابابا ثم امريكا ولكل مكان إلفة ولكل بقعة في الارض وحشة وحنين ... كيف لا .. ونحن نترك في كل موقع للاقامة ... بضعة من انفسنا وقطرات من أوب حياتنا واذا كان صاحبنا المتنبي قد وصف نفسه فقال: خلفّتَ الوفا, لورجعت الى الصبا لفارقت شيبي موجع القلب باكيا نحن نزيد عليه شعورنا العميق بألفة المكان مهما كانت قسوة الظروف .. وكيف لا تألف المكان وفي المحاق الوجدان, لاتزال تضطرم مشاهد شتى من بقاع شتى ألفناها واحببناها وباتت تساوي جزءا من الاطار المرجعي ومن التكوين المعرفي, بل من النسيج الذي يشكل وجودنا. كورنيش ابوظبي القديم منذ اواخر السبعينات ... شارع النجدة ثم شارع زايد الثاني حيث كنا نطل على مياه الخليج ولو من بعيد .. شارع الحمراء في بيروت في مطالع الثمانينات .. مطاعم الجامعة الامريكية الصغيرة النظيفة المعقولة الاسعار ومنطقة رأس بيروت حيث كانت الاشتباكات بمثابة خبزنا اليومي وحيث تعلمنا اصول (الزوربة) بمعنى اختصار الطريق والالتفاف حول المواقع الحربية المنصوبة هنا وهناك من خلال السواقة البهلوانية عبر الازقة والحارات. أسواق دبي العتيقة المشاطئة لمياه الخور ... عبير التوابل وطيوف الشرق ــ الاورينت الحافلة بالاسرار .. وعبق الأجواخ والحرائر والاصواف ومشروب الكوكتيل اللذيذ تحتسيه في شغف وانت تتابع حركة (العبرة) تربط الضفتين في دعة وفتور ثم ها هي بغداد ( اقال الله عثرتها وضمد جراحها, وشفى قروحها وفرج كربتها) .. سوق السراي حيث كل شيء قديم بمعنى الاصالة وليس بمجرد فوات الزمن وتقادم الايام .. يتساوى في العتاقة الكتب والمعمار والشوارع والمقاهي ... سوق الصفافير وهو المرادف الموضوعي لسوق النحاسين في قاهرة المعز وجوهر الصقلي حي الأعظمية المنسوب الى اسم أبي حنيفة النعمان .. وهو الامام الاعظم يستمد عظمته لا من عتو الجاه ولا صولجان السلطات, بل من تلك الليبرالية المدهشة التي شق طريقها ... فكرا وتحررا واجتهادا في فقه الاسلام .. وحدث ولا أدنى حرج عن مشاهد افريقيا .. تحط على ارض اثيوبيا فاذا برائحة المكان في اديس ابابا تكاد تطابق نظيرتها في مدن اليمن وخاصة محافظاته الجنوبية .. خليط غريب من أريج البن وروائح النبات العطن القديم. ثم رائحة فريدة لاذعة حريفة تنفذ الى الخياشيم منبعثة من بطن التربة أكاد اسميها برائحة التربة البركانية التي انفرج عنها الشق الجيولوجي الهائل الذي يسمونه الأخدود الافريقي العظيم.. وكنت قد تعرفت عليها منذ مطلع الصبا المهني في ميناء الحديدة.. ثم ها انا أعاود استنشاقها في اديس أبابا وضواحيها ذات التربة الضاربة الى الحمرة في اواخر الثمانينات. ولن يكتمل منفاك, أيها النائي الغريب الا بالسنوات الخمس عشرة التي كتب عليك ان تمضيها في الولايات المتحدة.. لقد نزلت ربوعها وكانت ــ أمريكا ــ قطبا شريكا في تسيير مقاليد الامور في عالم ثنائي القطبين.. وها أنت تفارقها وقد اصبحت القطب الواحد وقد خلا المسرح لها وغربت شمس القطب السوفييتي الآخر, 15 سنة في امريكا ذات الوجوه المتعددة بل الوجوه المتناقضة.. دفق لا تفتر اندفاعته من المعلومات.. الكتب.. المطبوعات الدراسات.. همة لا تلين واندفاعة لا تهدأ نحو اكتشاف المخبوء وارتياد المجهول وتجربة مالم تسبق تجربته .. وهو ما ظل يعطي لامريكا ميزتها النوعية وتميزها النسبي على دول العالم. ثم هاهي امريكا وقد تحولت بلسانها الى لغة المستقبل ولغة الآتي .. ولا عجب فهي لا تملك الكثير في جعبتها الزمنية المحدودة من فعل (كان) الماضي الناقص كما يقول الاجروميون ... هي طفل يحبو في مضمار الزمن القديم الطويل ولم يمض سوى ربع قرن على احتفالها بمرور 200 سنة فقط لاغير على تأسيس دولتها واعلان كيانها. في امريكا تعددت المنازل التي أوينا اليها ــ ولا نقول البيوت التي سكناها ــ فالبيت تغلفه معاني العاطفة ودفء العيش والسكن من السكينة والطمأنينة وذلك لايتأتى الا في ربوع الوطن ... مسقط الرأس, وملعب الصبا وموقع النشأة والتكوين. تراوحت منازلنا بين مقاطعة وست شستر الارستقراطية وهي أشبه بحديقة ممتدة او هي ايكة وارفة مترامية الاطراف, مشكلتها أنه كان يربطها بمكتبي في الامم المتحدة قطار له مواقيت مرسومة, ومشكلتي أنني صرت (مبرمجا) أو مضبوطا على مواعيد القطار.. ولما كانت سكة حديد امريكا لا تعرف المجاملة في الجداول والمواعيد, ولما كنا من اهل العروبة حيث البساط أحمدي وكله عندنا ــ بحمد الله ــ صابون.. فكم وصلنا والقطار اللعين يفارق المحطة وكم حاولنا القاء اللوم والتثريب على كاهل القطار.. وأخيرا حسمنا الموقف بالظعن والانتقال الى حي (كوينز) وهو أشبه بربوع منيل الروضة في القاهرة.. تسكنه أقوام شتى وينقسم الى (ديرات) ما اشد التباين, وأحيانا التناقض فيما بينها: من ديرة فورست هيل الألمانية الشديدة النظافة والانضباط الى ديرة استوريا التي يشيع فيها المهاجرون المصريون والمغاربة وكانت اصلا موقعا تسود فيه جنسيات البحر المتوسط, خاصة اليونانيين والايطاليين. أخيرا قررنا السكن.. على مدار سنوات عشر انتهت منذ ايام في ربوع مانهاتن وهي في القلب من نيويورك وكان السكن على مرمى حجر أو قل حجرين من مبنى علبة الكبريت الشهير الذي تحتله منظمة الأمم المتحدة ويقع ــ كما تعلم ــ في نحو 40 طابقا وإيجاره السنوي, كما قد لا تعلم, هو دولار أمريكي واحد تدفعه المنظمة الدولية نقدا وعدا الى عائلة روكفلر البنكية الشهيرة رمزا وتكريسا لتبرعها السخي بمقر المنظمة الدولية ولأن ليس هناك احد احسن من احد.. فقد كنا نشارك منظمتنا العتيدة في الاطلالة على ضفاف نهر الايست.. المسطح المائي المنسبط في رحب واتساع.. منظره ساحر من شرفة منزلنا ومخبره لا يسر عدوا ولا حبيبا ــ فكم علمنا انه من اشد الانهار تلوثا ناهيك انه لم يكن نهرا على الاطلاق ــ وكنا نحسبه كذلك والامريكيون يسمونه كذلك, ولم يبدد وهم كذلك هذه سوى زيارة قام بها الى منزلنا النيويوركي الطبيب العالم المثقف الاديب الدكتور محمود محفوظ.. وتلك قصة تحكى فانتظر.