.. لم اكن اعرف ولم يخطر على بالي في يوم من الايام ان للصورة الفوتوغرافية فوائد عديدة, بل أهمية قصوى تتعدى كونها وسيلة لحفظ التاريخ والذكرى, وتتجاوز موقعها في (ألبوم)المكتبة لتصبح اداة فعالة تضع حلولاً مباشرة في بعض المواقف الصعبة احيانا ..... في ذلك اليوم فقط ادركت ذلك, بمحض الصدفة.. الصدفة التي اخرجتني من ذلك الموقف الغريب. والقصة تبدأ من خلال مشاركتي في احد المؤتمرات الهامة باحدى عواصم الدول العربية, وكان بالفعل واحدا من اضخم المؤتمرات من حيث اعداد المشاركين ومستوياتهم ووجود نخبة كبيرة من الوزراء العرب والدبلوماسيين ومحافظي المدن وكبار المسؤولين من جميع الدول العربية. وقبل اختتام فعاليات المؤتمر بيوم واحد, استجدت بعض الظروف التي اجبرتني على التفكير في العودة قبل الموعد المحدد لعودة الوفد الرسمي المشارك بالمؤتمر.. وبالفعل تأكدت رحلة عودتي وبدأت ألملم حاجياتي واتجهز للسفر, ونظراً لمعرفتي بظروف المؤتمر وضخامة الحدث وانشغال معظم المسؤولين فيه (أصريت) و(ألحيت) عليهم الحاحاً شديداً بأن اترك لنفسي العنان, وأركب اي سيارة اجرة للمطار, دون ان يتكلفوا عناء توصيلي ويتفرغوا لأعمالهم في المؤتمر الذي لم ينفض بعد. وبالفعل نفذت ما يدور في رأسي ونزلت الى قاعة الاستقبال في الفندق لأودع اعضاء الوفد وبعض الاصدقاء من الدول العربية, وهممت بالركوب في السيارة بمفردي للانطلاق الى المطار فإذا بأحد اعضاء العلاقات العامة في المؤتمر يعطيني (ظرفاً) مغلقاً وهو يقول: تفضل يا سيدي هدية من اللجنة المنظمة.. اخذت المظروف وانا اتساءل: ترى ماذا اهدتني اللجنة؟ ولم اعط لنفسي الفرصة لاتعرف على محتوى المظروف فوضعته في حقيبتي الصغيرة التي لا تفارقني في كافة اسفاري. وصلت الى المطار واتجهت فوراً الى (الكاونتر) المخصص للدرجة الاولى وانهيت كافة اجراءات تسليم الحقائب .. وهكذا واصلت مسيري الى ان وصلت الى (كاونتر) الجوازات, وقدمت جوازي للمسؤول وانتظرت .. لاحظت ان زمن وقوفي قد طال نوعاً ما, مما دفعني لأن اسأل عن السبب, فما كان منه الا ان أخذ يماطل ويتفوه بكلمات غير مركزة, ويتذرع بأمور لا أساس لها.. فهمت على الفور ما يدور في خلد (صاحبنا) من وراء هذا التمويه كله, لذا اتخذت قراراً بأن لا أنصاع الى ما يفكر فيه, وأصبر حتى أرى الى ماذا سيؤول عليه الحال. وبصراحة فقد طال صبري وبدأت اضجر واتملل من الوضع وللأسف كانت الملامح تشير كلها الى عدم وجود بوادر حل لهذه المشكلة فلقد انقطعت سبل الاتصال بأي من المسؤولين او اعضاء الوفد, ولايوجد امامي سوى هذا المسؤول الذي احتجز جوازي وتركني اقف امامه, ومجموعة اخرى من المسافرين ينتظرون انهاء اجراءاتهم... ولكني اتخذت قراري بأن لا اترك فرصة لنفسي لان تضعف وان ترضخ لهذا الإبتزاز الواضح.. المسألة هنا اصبحت مسألة مبدأ وكرامة, وتتعدى اي مبلغ زهيد القمه هذا الموظف (الفاسد) حتى ينهي اجراءاتي.. .. رفعت حقيبتي الصغيرة على الكاونتر وفتحتها لاخرج منها مايقضي على رتابة الموقف والملل الذي بدأ ينتابني فوقعت عيني على المظروف الذي اهداني اياه رجل العلاقات العامة, ولا ادري بالضبط لماذا قررت فتحه في هذا الوقت بالذات مع ان اسارير نفسي كانت تقول لي اتركه وخذ اي كتاب آخر لتقرأة حتى يقضى الله امرا كان مقضيا. ودون ان اشعر التقطت المظروف وفتحته واخرجت مافيه واذا هي صورة بالحجم الكبير تجمعني مع (رئيس الدولة المضيفة) خلال استقباله رؤساء الوفود في المؤتمر, وتبدو على ملامحه اثار السعادة من اثر الضحكات المتبادلة معي, وبينما انا ادقق في الصورة سمعت صوتا من خلفي يقول: أهذا مولانا المفدى.. قلت: نعم: قال: انت الذي يصافحه ويبتسم لك قلت: نعم.. عندها احسست ان القاعة قد انقلبت رأسا على عقب, كما انقلب ذلك (الموظف) المتعجرف بعد ان سمع العبارة في تعامله معي وما هي الا طرفة عين حتى جاء الى حيث اقف وعلى وجهه تبدو اثار (التهزيء) وهو يحمل جواز سفري ويقول: معذرة ياسيدي تفضل جوازك! لم اكن اتخيل ان نهاية تلك الساعات الطويلة ستكون بلمحة بصر وفي دقائق معدودة, بسبب تلك الهدية (النادرة) التي استلمتها في اخر لحظة قبل مغاردتي الفندق, وتلك الصدفة المحضة التي جعلتني افتح المظروف في ذلك الوقت واخرج صورة الرئيس وهو يصافحني.. وصدق من قال رب (صورة) خير من الف ميعاد!!